التهدئة بين حماس وإسرائيل عبر الجسور الأممية

نيويورك ـ «القدس العربي»: رغم التصعيد الميداني في الأيام الأخيرة بين حركات المقاومة وقوات الاحتلال الصهيوني إلا أن التقارير الإخبارية تتحدث عن اقتراب موعد إعلان اتفاق تهدئة أو هدنة طويلة الأجل بين حركة حماس وإسرائيل، برعاية مصرية أممية عبر ممثل الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف. وكما تبين من بعض ما رشح من معلومات فسيتم الإعلان عن الاتفاقية وتدخل حيز التنفيذ بداية أيلول/سبتمبر المقبل. وحسب مصادر مقربة من حركة حماس ستبدأ التهدئة بوقف الطائرات الورقية والبالونات الحارقة ومحاولات اختراق الحدود من المشاركين في مسيرات العودة مقابل فتح معبر كرم أبي سالم ورفح على الحدود المصرية بشكل دائم. تلي ذلك المرحلة الثانية وهي فك الحصار وفتح المعابر وتسهيل دخول البضائع وحركة الناس، وتوسيع التيار الكهربائي، وصولا إلى المرحلة الثالثة وهي من اختصاص وتنفيذ الأمم المتحدة وتتعلق بعملية إعادة الإعمار الشامل للقطاع.
تتعهد حماس بالالتزام بالتهدئة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد ويعلن الجانب الإسرائيلي الالتزام بالتهدئة الشاملة والسماح ببناء ميناء بحري يمكّن سكان غزة من الاستيراد والتصدير دون المرور عبر الموانئ الإسرائيلية، ويكون تحت إدارة الأمم المتحدة. وقد يكون بناء الميناء (ولاحقا المطار) الجزرة الأكبر في الاتفاقية، إلا أن أحد جنرالات الجيش نبه الغزيين إلى أن بناء الميناء قد يستغرق عدة سنوات لكن تدميره يتم في أقل من ساعة.
ويبدو أن الاجتماع الموسع لقيادة حركة حماس في قطاع غزة بحضور وفد رفيع المستوى من الخارج، من بينهم صالح العاروري، أحد أكثر المطلوبين لإسرائيل، يوم 2 آب/أغسطس لحسم الموقف الحمساوي باتجاه قبول اتفاقية التهدئة. هذا التحول الكبير في فكر وممارسة الحركة يعتبر الثاني بعد بيان 1 أيار/مايو 2017 عندما أعلنت قبولها فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة على أراضي عام 1967 متراجعة عن فكرة التحرير الشامل رغم ما غلف ذلك التغيير من ديباجة لفظية محكمة.

مسيرات العودة والعزلة الإسرائيلية

كما أنهت اتفاقيات أوسلو الكارثية الانتفاضة الأولى تحت شعارات خادعة بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف بحلول عام 1999 يتكرر المشهد الآن لإلغاء واحتواء الطاقة الجديدة والمتجددة التي أطلقتها مسيرات العودة التي بدأت يوم 30 آذار/مارس 2018. لقد فعلت مسيرات العودة ما لم تفعله الفصائل مجتمعة منذ الانتفاضة الثانية. إذ كشفت عن طاقة كفاحية مخزونة لدى الشعب الفلسطيني قادرة على خلط كل الأوراق وإعادة الصراع إلى جوهره الأساسي ألا وهو صراع على الأرض وحق الفلسطينيين في العودة إليها. وأظهر هذا الشعب المغوار قدرته على إبداع وسائل كفاحية جديدة سلمية حضارية منظمة تنزع عنه صفة التطرف وتضع الإسرائيليين في خانة الإرهاب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية باستهدافهم قتل المدنيين العزل بدم بارد. لقد كانت مذبحة مســيرة الــعــودة الكبرى 14 أيار/مايو يوم افتتـاح سفــارة الــولايــات المتحدة في القدس، والتي ذهب ضحيتها أزيد من 60 شــهــيدا، ذروة الإجرام الذي سبب عزلة خانقة لإسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، فلم تجد نيكي هيلي من يصوت معها في إدانة حماس إلا صوتها هي.
الطرف الثاني الذي أحرجته مسيرات العودة هو السلطة الوطنية. فبدل التجاوب الشامل معها ودعم الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس لإطلاق مسيرات مماثلة تم ضرب المتظاهرين على دوار المنارة بطريقة همجية، واستمرت سياسة قطع الرواتب وتشديد الحصار على قطاع غزة ليعود صاغرا إلى بيت الطاعة. مسيرات العودة تلك وضعت السلطة في وضع صعب وأصبح احتواؤها مصلحة استراتيجية لسلطة بدون سلطة تهرب من المواجهة بعقد المؤتمرات.
والطرف الثالث الذي أحرجته مسيرات العودة هو السلطات المصرية التي عملت على شيطنة القطاع بشكل عام وحركة حماس بشكل خاص. كانت تلك الحملة المبرر الذي شكل غطاء للإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية لإحكام الحصار على قطاع غزة وتنفيذ إجراءات لم تحلم بها إسرائيل طيلة حياتها كهدم الأنفاق وتجريف البيوت وإغلاق المعبر بشكل شبه دائم وإحكام الرقابة على الحدود البرية والبحرية. كل هذه الإجراءات كانت متناغمة مع الأهداف الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية. لقد أحرجت المسيرات السلمية المتعاظمة النظام وأثبتت له أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وليس حماس فقط، يرفض الذل والهوان ولا يأبه بالإجراءات والحصار والتجويع إذا كان الثمن المطلوب دفعه الركوع ورفع رايات الاستسلام.
وأما الطرف الرابع الذي أحرجته مسيرات العودة فهو الأمم المتحدة التي وقفت عاجزة عن رفع المعاناة عن قطاع غزة رغم اعتماد القرار 1860 (2009) والقرار 2334 (2016) ورغم العديد من التقارير التي ما فتئت تحذر من كارثة إنسانية محققة إذا لم يتم التدخل بشكل سريع وشامل ومستدام. وهذه التقارير ليست جديدة فقد صدر تقرير غزة 2020 عام 2012 والذي حذر من انعدام الحياة الطبيعية في غزة خلال 8 سنوات إذا لم يتم انقاذ الأوضاع. على العكس من ذلك، تعرض القطاع صيف 2014 لأطول حرب عربية إسرائيلية في تاريخ الصراع امتدت لأكثر من 50 يوما دمويا والعرب والسلطة يتفرجون ومجلس الأمن مغيّب تماما.
دور ملادينوف في التهدئة
بدأ نيكولاي ملادينوف، مهمته كممثل للأمين العام لدى السلطة الفلسطينية وكمنسق لعملية السلام في الشرق الأوسط، في 5 شباط/فبراير 2015 بعد أن تم تأهيله للمنصب كمبعوث خاص للأمين العام في العراق لمدة سنة ونصف فقط، وتمحورت مهمته التي جاءت في أعقاب حرب صيف 2014 حول:
– وقف المناوشات المسلحة بين إسرائيل وحركات المقاومة في قطاع غزة عن طريق التهدئة أولا ثم الهدنة ثم وقف شبه دائم لإطلاق النار؛
– إعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع وتسليمها جميع مقاليد الأمور بما في ذلك قوات الأمن تحت قاعدة سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد؛
– إعادة إعمار غزة بالتعاون بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ومصر وتحت إشراف الأمم المتحدة؛
– وبعد توفر الشروط السابقة وعبور المنطقة فترة هدوء يتم استئناف المفاوضات لتنفيذ ما يتفق عليه المجتمع الدولي بـ»حل الدولتين».
وحدد ملادينوف نفسه عددا من الخطوات المهمة في هذا الإطار، حيث جاء في كلمة موجهة لسكان القطاع:
«هناك طريق واحد للتحرك قدما: الخطوة الأولى هي تجديد الدعوة لإنهاء إطلاق القذائف ولوقف إطلاق النار. الثانية هي حل كل المشاكل الإنسانية، وتوفير الوظائف والكهرباء والمياه وإصلاح قطاع الرعاية الصحية. تعمل الأمم المتحدة وشركاؤنا على خطة محددة للتحرك فورا على مسار هذه الأولويات بالتنسيق مع الحكومة الفلسطينية وكل الأطراف الإقليمية والدولية التي تدعم احتياجاتكم. الخطوة التالية لنا في المجتمع الدولي هي تحسين التنسيق مع كل الأطراف، لضمان أن يتراجع الجميع بعيدا عن حافة الصراع. إننا على بعد خطوة واحدة من نشوب صراع آخر». ولا ينسى ملادينوف أن يذكر بالمآسي التي يعيشها سكان القطاع: «خلال العقد الماضي عاش الفلسطينيون في غزة ثلاثة صراعات. الإسرائيليون، عبر السور الحدودي، أيضاً عاشوا في ظل تهديدات متواصلة بسبب الصواريخ طوال عقد من الزمن. هذه الدائرة يجب أن تتوقف وتنتهي. سأبدأ بالتوجه بنداء إلى الفلسطينيين في غزة، أعرف الأوضاع الصعبة التي تعيشون في ظلها، وأن من الصعب للغاية أن تصدقوا المجتمع الدولي أو أي أحد يقول لكم إن حياتكم ستتحسن. ولكنني أناشد كل الفلسطينيين، كل آباء الأطفال في غزة، إبقاء المظاهرات سلمية. أناشد الفصائل الفلسطينية عدم التحريض على وقوع الحوادث قرب السور الحدودي، ووقف إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون والطائرات الورقية الحارقة، وإتاحة الفرصة أمام السلام. أناشد إسرائيل ممارسة ضبط النفس في استجابتها للوضع في غزة. أناشد القناصة عدم إطلاق النار على الأطفال. أناشد الجميع الابتعاد عن حافة نشوب الصراع».
ويلاحظ القراء كيف تتم المساواة بين الضحية والقاتل. فالمطلوب أولا وقف إطلاق القذائف ووقف كل ما يلحق الأذى بإسرائيل ثم يناشد القناصة الإسرائيليين بعدم إستهداف الأطفال فقط.
هذه هي خطة التهدئة التي أُطلق عليها الورقة المصرية وليس للمصريين فيها إلا فضل تسويقها للأطراف المعنية. وليتذكر المتحمسون للهدنة أن حماس توصلت إلى هدنة مع إسرائيل في حزيران/يونيو 2008 وخرقتها في كانون الأول/ديسمبر 2008 عندما قتلت ستة عناصر بدم بارد لتستجلب ردا قويا من حماس ليكون مبررا لـ»عملية الرصاص المصبوب»، ثم حصلت هدنة أخرى بعد إتمام صفقة شاليط عام 2011 وعادت وخرقتها عند اغتيال القائد الميداني الأهم أحمد الجعبري يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2012. فإسرائيل لا تحترم اتفاقية ولا معاهدة إلا إذا كانت تخدم مصالحها العليا.
تذكرني اتفاقية التهدئة بقول لمحمد أبو ميزر، أبو حاتم، أحد قادة فتح التاريخيين، بعد دخول حماس انتخابات 2006: «حاضر حماس كماضي فتح ومستقبل حماس كحاضر فتح». وكم كان هذا القول مصيبا.

11HAD

التهدئة بين حماس وإسرائيل عبر الجسور الأممية

عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية