حاول الكندي التّوفيق بين الحقائق التي نهتدي إليها بالنظر العقلي، والحقائق المستفادة من النصوص الدينية، وهو في ذلك يعتبر أنّ للمعرفة طريقين- طريق العقل وطريق النقل أو الوحي، وكلاهما يوصل إلى حقيقة واحدة. والله واحد وأزلي ومبدع لم يسبقه وجود ولا ينتهي له وجود، ولا يكون وجود إلاّ به، أمّا ظواهر الوجود فهي مرتبطة بعضها ببعض وأعلاها يؤثّر في أدناها، ويفضي بنا تأثير العلّة في المعلول وارتباط جميع المعقولات بالعقل إلى الإقرار بأنّ الحقائق كلية وضرورية ومطلقة وكاملة، وكلّ معانيها إلهيـة ولا خلاف بين الحكمة والشريعة، فالفلسفة علم الأشياء بحقائقها، والدين أيضا علم الحقّ، وهو لذلك يحاول أنّ يثبت أنّ الحقائق الدينيّة وما ورد في القرآن والأحاديث النبوية يمكن إثباته بالمقاييس العقلية «ففي علم الأشياء بحقائقها، أي الفلسفة، علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة، وجملة كلّ نافع والسبيل إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه، واقتناء هذه جميعا هو الذي أتت به الرسل الصادقة عن الله جل ثناؤه، فإنّ الرسل الصادقة، صلوات الله عليها، إنّما أتت بالإقرار بربوبية الله وحده، وبلُزوم الفضائل المرتضاة عنده، وترك الرذائل المضادة للفضائل في ذواتها وإيثارها».
ونزيد على ما تقدّم بيانا، فنقول بأن الكندي يعتقد اعتقادا صريحا بما لا يدع مجالا للشك في اتفاق الفلسفة والدّين، وأنّ الحق لا يضاد الحق ويقول في هذا: «ولعمري أنّ قول الصادق محمد صلوات الله عليه، وما أدّى عن الله جلّ وعزّ، لموجود جميعا بالمقاييس العقلية التي لا يدفعها إلاّ من حرم صورة العقل واتحد بصورة الجهل من جميع الناس» .
يبدو واضحا من جهة المنحى الغالب على الصراع المذهبي والجدل القائم زمن الكندي (القرن الثالث الهجري) بين الفرق الإسلامية المختلفة أنّه منخرط بشكل أو بآخر في الجدل العقائدي والفكري، وتظهر نزعته الاعتزالية بوضوح أحيانا إلاّ أن اختلافه يكمن في طرحه الفلسفي للمسائل الجدالية وفق أسس منهجية محدّدة يقرّ فيها بمقدرة العقل ويدافع عن التراث الفلسفي العالمي، ولا سيما اليوناني منه، ويدعو إلى اعتباره نتاجا بشريا مشتركا أسهمت في إنتاجه عبر العصور آلاف العقول من مختلف الأقوام والشعوب، فواجب اقتناء الحق أيّا كان مصدره وإن أتى من الأجناس «القاصية عنا» و»الأمم المباينة لنا». ويرى الكندي أنّ خصوم الفلسفة وإن أنكروها وقالوا بوجوب الابتعاد عنها فهم في حاجة لها ليقيموا الدليل على ذلك، وأن يعطوا على ذلك برهانا وإعطاء العلة والبرهان هو من قنية علم الأشياء بحقائقها- أي من ثمرة الفلسفة – وتنكرهم للفلسفة في نظر أبي اسحاق إنّما هو تنكّر للحقيقة، ومن ثمّة هو بمثابة الكفر، ويراهم معادين للفلسفة لا لغرض سوى المتاجرة باسم الدّين، وهم من أهل الغربة عن الحق، وإن تتوّجوا بتيجان الحق من غير استحقاق، لضيق فطنهم عن أساليب الحق وقلّة معرفتهم بما يستحق ذوو الجلالة في الرأي والاجتهاد في الأنفاع العامة الشاملة لهم، ولدرانة الحسد المتمكّن من أنفسهم البهيميّة .
إنّه لموقف متقدّم جدّا في ذلك الزمن الباكر من القرون الهجرية الأولى، بأن يأخذ مفكّر عربي يومئذ بمثل ذلك المفهوم العلمي للتراث الحضاري البشــري، وأن ينظر بمثل هذه النظـرة إلى المشترك الإنساني العام وعيا بمنزلة الإنسان في الوجود وترسيما لحركة الفكر البشري في التاريخ الإنساني. وتلك محاولة أولى للتفلسف، مهّـد من خلالها الكندي الطريق لدراسة الفلسفة عند المسلمين، وإن ظهـرت في صورة مجموعة من الآراء المفكّكة أحيانا، التي اختيرت من بين كمّ هـائل من الأفكــار والآراء فإنّــها تركت المجال للفارابي لكي تتّضح معه المسائل، وتظهر في صورة مكتملة.
ويقيم الفارابي مقارنة بين الفلسفة والملّة (أي الدين)، فيرى أنّ الملّة محاكية للفلسفة، والفلسفة إنّما تعطي الغاية القصوى التي وجد من أجلها البشر وهي السعادة، ولكن ما تعطيه الفلسفة من هذه معقولا أو متصوّرا فإنّ الملّة تعطيه متخيّلا، وكلّ ما تبرهنه الفلسفة من هذه فإنّ الملة تقنع به. ويؤرخ الفارابي لنشأة الفلسفة وتطوّرها في كتاب «تحصيل السعادة» فيرى أن العبارة عن جميع ما يحتوي عليه ذلك العلم كانت باللسان اليوناني، ثم صارت باللسان السرياني، ثم باللسان العربي، وتسمّى الحكمة على الإطلاق أو الحكمة العظمى، وهي العلم الذي يعطي الموجودات معقولية ببراهين يقينية، ويسمّون اقتناء الحكمة العلم وملكته الفلسفة ويعنون بذلك إيثار الحكمة العظمى ومحبّتها ويسمّون المقتني لها فيلسوفا ويعنون المحبّ والمؤثر للحكمة العظمى ويسمّون الفلسفة علم العلوم وأمّ العلوم وحكمة الحكم وصناعة الصناعات.
بدا حينئذ أنّ واقع التحدّي بالنسبة للفكر الإسلامي في تلك الفترة يتمركز في مدى عقلانية هذا الفكر ومدى مسايرته للمطامح الإنسانية المتغيّرة ممّا يعكس الطابع العقلاني الذي أخذ يتشكل في تلك المرحلة من تاريخ المسلمين ويطبع واقعهم الثقافي ومن ثمّ فإن التقاء الفلسفة بالدين كان لا بدّ من أن يتمّ نظرا لظهور قصور في المنهج عند المتكلمين الذين لم تتح لهم الحرية الكاملة في استخدام أسلوب التبرير العقلي لأركان العقيدة وقضايا الدين، فاتخذ هذا الالتقاء صورة التوفيق بين النقل والعقل والتعايش الذي لا مفرّ منه بين طروحات العقل واستدلالاته المنطقية، ومُسلّمات الوحي والعقيدة القويمة، أو بين «صحيح المنقول» «وصريح المعقول» وهي جهود فكرية عمل من خلالها أصحاب الفكر النقدي العقلاني على كشف أشكال المتاجرة باسم الدين وفضح المعادين للفلسفة الرافضين للانفتاح الثقافي من الذين حاولوا إبقاء الفضاء الفكري العربي الإسلامي مقتصرا على الخطاب الفقهي الاجرائي دون غيره .
كاتب تونسي
لطفي العبيدي