التّفاعل الحضاري وضرورة تفعيل معسكر السّلام

الحضارة الإنسانية الراهنة أسهمت مختلف التشكيلات الحضارية مجتمعة في بنائها، وعلينا الاستفادة من كلّ التجارب المعرفية والحضارية المختلفة لمواصلة المسيرة الحضارية الإنسانية ضمن المشترك الإنساني العام.
والجدير بالذّكر ضمن هذا السياق أنّ كثيرا من الكتّاب الغربيين وكذلك تيّارات سياسية وجماعات رفض منظّمة ومدنية تناهض النموذج المادّي المكيافيلي وتنبذ مقولة الصراع والعنصرية الامبريالية، وهي تساند حوار الثقافات، وتدعو إلى تظافر الجهود من أجل تحقيق السلام بين شعوب الأرض قاطبة. ومعسكر السّلام في العالم هو من يجب أن نراهن عليه في تحقيق قدر من العدل الواجب الإمكان في هذا الكون المشترك الذي يضمّ الجميع، أمّا الاذعان لمعسكر الهيمنة ودعاة الحروب والدمار فما هو إلّا تزكية لمزيد من المعاناة والشقاء الإنساني وإلحاق الظّلم بالبشر، وعلى القوى الحيّة داخل المجتمعات أن تقترح الحلول وتُقدّم الأفكار لإزالة أشكال التمييز العنصري أو العرقي داخل الأوساط الاجتماعية، دفعا باتّجاه السياسات العادلة في العلاقات الدولية، وإنّ الدفع باتّجاه السلام العالمي والانفتاح الثقافي لا يُخلّ بالخصوصية الحضارية، بقدر ما يثريها، كما يسهم في التقليل من مساعي التنميط وضروب القسر والإكراه، التي لا يزال العالم يعاني من آثارها المدمّرة.
وتاريخيا شهد الفضاء المجتمعي العربي الاسلامي نموذجا موحّدا ومتناهيا للمجتمع المدني والسياسي، حين ظهر التعدّد الدّيني حيث تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود والأجناس والأعراق المتنوعة، ومارس الجميع عقائده بكل حريّة والتزام.
وهذا الاختلاف في أشكال الإدارة والقوانين والأعراف ضمن المجتمع الإسلامي كان مشمولا برعاية الشريعة، التي وحّدت الثقافة الجامعة وساهم في ذلك بدرجة أولى العلماء، فقد كانوا قادة المجتمع الإسلامي ومصدر إلهام واقتداء، في تواصل فعّال بين العالم ورجل الدولة، وأفضى التكامل بين الفكريّ والسياسيّ إلى غلبة مفهوم الجماعة – الأمّة على مفهوم الدولة – الحاكم بأمره.
وقد أعاد العرب من خلال الحضارة الإسلامية التي عالجت القضايا التي تهمّ الإنسانية كلّها النظر بمعايير ترتيب البشر، فأصبح التّقوى والصّلاح هما المعيار الوحيد والإطار الإنساني الأوحد بدل العرق والنسب والثراء الاجتماعي، وكلّ ما يفضي به إلى التراتبية الاجتماعية ضمن أطر معيارية تصنيفية، وهكذا اعتبرت الرسالة الإسلامية أنّ كلّ البشر إخوة وهذا الإخاء الإنساني هو أساس العقد السياسي والاجتماعي.
نفذت إلى الفضاء الحضاري الإسلامي تيارات ثقافية ودينية متعدّدة تفاعلت فيه ومعه في جوّ من التبادل الثقافي والإثراء المعرفي، اغتذى في إطاره العقل الإنساني في فهم نظام العالم وبنية تكوينه، ومن الطبيعي أن تنشأ عن هذا التفاعل أفكار جديدة ينعكس أثرها الإيجابي في تطوّر الفكر البشري، فلا يمكننا القول بأنّ ثمّة حضارة صافية تبلور خطابهـا الفكري متشرّبا من معطيات إرثها الخاصّ وينابيعها المفردة.
فقد كان العقل العربي الإسلامي منفتحا على كلّ ألوان الثقافات العالميّة، وكان للعرب فضل عظيم جدّا في تكوين التراث اليوناني الصحيح منه والمنحول، وفي تحقيق النصوص الصحيحة الباقية لنا من هذا التراث باللغة اليونانيّة، وفي استرداد شيء ممّا فُقد من هذا التراث وإحياء مُنجزه الفكري والمعرفي، إضافة إلى العناية بالتّراث الفارسي والتراث الهندي، وتراث حضارات قديمة كبيرة وعظيمة الشأن.
ليستتبع ذلك توسيع مفهوم العلم وتنوّع تنظيم المعارف من داخل آفاق الذهنيّة العربيّة الإسلاميّة التي تجمع بين الجانب النظري والجانب العملي، جمعها بين العلم النظري والعلم العملي، من جهة أنّ حال العلوم قد أنتجتها حاجات الإنسان الضروريّة في معاشه وتسلسلت بحسبها، وحصول الحاجات بها، إنّما هو من صميم منافعها.
فالفكر الإسلامي عبّر بامتياز عن مستوى الروح الحضارية للأمّة، أي مستوى قدرتها على الإسهام في دورة الحضارة، عبر تحويل قيمها الذاتية إلى قيم مشتركة إنسانيّة، تصاغ على مرجعيتها التّجربة العمليّة إيمانا بأهمية العلم والعمل بالعلم.
وإنّ كل ذلك لا ينفي اعتبار أنّ خصائص التفكير في العصور الوسطى غيرها في العصور القديمة، أو في العصر الحديث، وهو في نظرنا الفهم المساعد على أنّ كلّ عصر إنّما يصبو إلى مزاج ما من العبقرية يحتاج إليه أكثر من غيره، والاختلاف بين عقليتين لا يجعل إحداهما أفضل من الأخرى، بل إن هذا الاختلاف «ضروري» جدّا و«طبيعي» ويعبّر عن واقع حي محسوس.
وكلّ ما يثبت عدم جدواه يستعاض عنه بسواه وتلك الترسيمة المعرفية والسلوكية في تطوّر الفكر البشري.
كاتب تونسي

التّفاعل الحضاري وضرورة تفعيل معسكر السّلام

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية