الجدار الطائفي

حجم الخط
3

المنعطف الذي دخله التحرك الشبابي – الشعبي في لبنان، بعد مظاهرة الأحد 20 أيلول/سبتمبر، يستحق وقفة نقدية. فالذي جرى قبيل وصول المظاهرة إلى ساحة الشهداء، وبُعيد انتهائها، ليس تفصيلاً صغيراً. مجموعات الشبيحة التي اعتدت بالضرب والسكاكين على المتظاهرين، دفاعاً عن «عفاف» الأستاذ نبيه بري، رئيس حركة «أمل»، شكلت الوجه الآخر للقمع الذي مارسته قوى الأمن الداخلي في الأيام التي سبقت المظاهرة. وبات واضحاً أن هناك تنسيقاً مركباً بين أطراف التحالف الرباعي، الذي ضمّ «المستقبل» و»الاشتراكي» و»أمل» و»حزب الله» بتناقضاته الإقليمية المستعصية، بهدف خنق التحرك وشلّه والتهويل عليه. واللافت أن التيار الوطني الحرّ انضم إلى التحالف بشكل موارب، من خلال المظاهرة البرتقالية التي أرادت أن تستولي على شعارات الشباب، وتجعل منها جزءاً من معركة الجنرال عون، لشدّ العصب الطائفي المسيحي.
ترافقت حملة القمع المتعدد الأشكال، مع حملة إعلامية، استخدمت مواقع غفلة على الانترنت، من أجل تشويه سمعة قادة التحرك، واتهامهم بالعمالة للسفارة الأمريكية في بيروت. عملاء للسفارة وشيوعيون وإلى آخره… والهدف تنظيف سمعة جميع قادة الطبقة الحاكمة، عبر تلويث التحرك بالشائعات المسمومة.
حسناً فعل السيد حسن نصرالله، في مقابلته على قناة «المنار» الجمعة 25 أيلول- سبتمبر حين سخر من تهم العمالة، واعترف بأن مطالب الشباب محقة.
أمين عام «حزب الله» يتصرف منذ حرب تموز/يوليو 2006، بصفته الحامي الحقيقي للنظام اللبناني. وما قاله عن دور حزبه في منع امتداد الحرب الأهلية إلى لبنان صحيح ودقيق. فـ»حزب الله» هو الطرف الوحيد القادر على إدخال لبنان في أتون الحرب الأهلية، لكنه يعرف أن الحرب سوف تكون وبالاً عليه وعلى لبنان.
الرجل الذي يحمي النظام بشكل واعٍ قال حقيقة هذا النظام، ونصح الشباب بأن لا يقتربوا من الموضوع. لم يكن السيد في حاجة إلى التهديد، فرئيس المجلس النيابي ووزير الداخلية تكفلا بذلك، تكلم من موقع «العارف» الذي يقدم الإرشاد، وقال إن الموضوع الطائفي، أي طبيعة النظام اللبناني لا يُمس.
يحق للقارئ أن يتساءل عن غرابة هذا التحالف المشلول الذي يضم قوى النظام الأساسية، فهذا التحالف غير المُعلن لا يحق له التعاطي في القضايا الكبرى: انتخاب رئيس الجمهورية والموقع الإقليمي للبنان، فهاتان مسألتان منوطتان بالأسياد الحقيقيين الذين يمولون القوى الرئيسية. والسيد لم يخف التمويل الإيراني، بل تفاخر به، وهنا أيضاً يجب أن نشكره على صراحته، لكنه لم يشرح لنا أسباب الفساد والعجز عن حل مشكلة النفايات. قال إن مطلب الشباب محق، ولم يزد على ذلك، وأكد أن حزبه ليس جزءا من آلة النظام إلا بصفته ضابطاً لميزان القوى الإقليمي السياسي، وترك لنا أن نفهم أن المسألة من اختصاص حليفه!.
لكنه، وفي جملة اعتراضية قصيرة كشف المستور. قال السيد: «شي بقلك إسقاط النظام، يعني عم بتعذبوا حالكن، الطائفية في النظام هي ماهيته وجوهره الحقيقي. الطائفية في النظام هي أقوى شي في لبنان مش بس أقوى شي في النظام».
وانتهى إلى دعوة الشباب إلى الاهتمام فقط بالقضايا المعيشية، والتخلي عن هذا الهدف المستحيل.
مرة ثانية يجب أن نشكر نصرالله على صراحته، فهو يطلب من الشباب التحوّل إلى فرق كشافة، والتخلي عن التعاطي في السياسة.
حين يُطرح سؤال الأفق السياسي للتحرك الشعبي، يُصاب الكثيرون بالتأتأة ويبدأون في طرح أهداف متعددة، من الانتخابات النيابية على قاعدة التمثيل النسبي إلى اللامركزية إلى آخره. ويتناسون أن مطلب إلغاء الطائفية ليس مطلباً ثقافياً فقط، بل هو مطلب سياسي أولاً، إنه المطلب الحقيقي الذي من دون الوصول إليه لن نصل إلى بناء جمهورية.
أفهم أن يكون موقف قائد حزب ديني – طائفي، رافضاً بل معادٍ لهذا المطلب. فإلغاء الطائفية يحتاج إلى العلمنة، والعلمنة تعني الفصل بين الدين والدولة. والسيد ينتمي إلى تيار سياسي يؤمن بولاية الفقيه، فالفقيه هو مرشد الدولة ومرجع هيئاتها المنتخبة. ولأن التعدد الديني والمذهبي في لبنان لا يسمح بولاية الفقيه، فإن المخرج يكون بكونفيدرالية طوائف داخل الدولة المركزية.
إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلباً ثقافيا فقط، بل صار حاجة كي تكون للبنانيين دولة. فالفساد المستشري هو الإبن الشرعي لنظام كونفيدرالية الطوائف. الفساد يحتمي بالطوائف والطوائف تجدد هيمنتها عبر الفساد. مافيا لا تستقيم هيمنتها ونهبها إلا في نظام يجعل المحاسبة مستحيلة. لا يستطيع أحد محاسبة بري أو جنبلاط أو الحريري أو الصهر المدلل جبران باسيل، أو قيادات «حزب الله» لأن هذه المحاسبة ستنقلب فوراً إلى مس بإحدى الطوائف الكريمة.
فالذي يُغطي المحاصصة الطائفية يغطي الفساد، بل هو شريك فيه.
التحرك الشبابي – الشعبي ليس ثورة كي نسأله هل نجح في إسقاط النظام؟ انه مسار شعبي ديمقراطي، نجح في تحرير اللغة السياسية من رطانة الطائفيات وعجزها، واقترح أفقاً ديمقراطياً، وحوّل فضيحة النفايات إلى قضية وطنية كشفت فساد الطبقة الحاكمة وعجزها ورائحتها المنتنة.
طرد التحرّك من السياسة يشبه في تداعياته السلبية إهمال المطالب الاجتماعية. المسألتان متداخلتان، من دون الاستمرار في المطالب الاجتماعية يموت التحرك، ومن دون السياسة يتحول الشباب إلى فرق متطوعين تخدم مافيا النظام حتى وهي تنتقدها.
لذا فإن النضال ضدّ الطائفية يجب أن يبقى في رأس الأولويات، وهذا لا يعني أن التحرك يطلب بالمستحيل، بل يمكن بلورة مطالب مرحلية في الطريق إلى الخلاص من النظام الطائفي. وهذا يبدأ بتطبيق الدستور. فالدستور يقترح مجلسين، مجلس نيابي خارج القيد الطائفي ومجلس شيوخ للطوائف الكريمة، وبتطبيق القوانين التي لا تطبق.
يمكن أن نبدأ من هنا، مع علمنا أن الطبقة الحاكمة ستقاتل ضد الدستور وتخرج من قبعتها أفكاراً تأجيلية لا تنتهي، لكن الاقتراب من حلّ كهذا مرهون بميزان القوى، وبقدرة التحرك الشعبي- الشبابي على الإستمرار والصمود وكسر هيبة الخطاب الطائفي السائد وهيمنته.
المشكلة مع «حزب الله» لا تختلف في الجوهر عن المشكلة مع بقية مكونات طبقة المافيا وأمراء الحرب وحيتان المال. السيد نصرالله دعا الشباب إلى أكل العنب والإصرار على مطالب يمكن تحقيقها، لأن الهدف ليس قتل الناطور، كما قال.
لكن ماذا لو كان هذا الناطور قد التهم كل العنب؟ ماذا لو كان رافضاً لحل بيئي سليم لقضية النفايات؟ ماذا لو كان مصراً على نهب كل شيء؟
المسألة ليست العنب، بل شلّ يد الناطور ومنعه من النهب، تمهيدا لطرده من الحقل.
هذا هو الموضوع، لذا فإن شعار «كلن يعني كلن»، هو الشعار الصحيح، في هذه المعركة التي رسم شباب لبنان ملامح بداياتها.
قد تقولون إننا نحلم، نتحدث عن علمانية وسط منطقة تفترسها الحروب الدينية والطائفية.
نحلم كي نغيّر ونخرج مـــــن الانهيار. فقـــــوى الاستبداد والطائفية والأصولية قادت المجتمعات العربية إلى الهاوية. وما يقترحه التحرك الشعبي – الشبابي هو الخطوة الأولى للخروج من هذه الهاوية.

الياس خوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية