الجزائر ـ «القدس العربي»: تعيش الجزائر منذ أيام على وقع أخبار انتشار مرض الحصبة المعروف في الجزائر باسم «البوحمرون». الذي عرف تزايدا كبيرا في ظرف أسابيع قليلة، وحصد الأرواح وآلاف المصابين، وخطر توسع رقعة المرض يبقى قائما، خاصة وأن السلطات الصحية ظلت حتى كتابة هذه السطور عاجزة عن تقديم تفسير واحد لانتشار هذا المرض بهذه الطريقة، وتسببه في حالة هلع وخوف بين عموم الجزائريين.
وتعتبر الحصبة من الأمراض المعدية، بل هو من الأمراض القاتلة أيضا في الكثير من الحالات، ورغم أنه يصيب عادة الأطفال والرضع، إلا أنه يمكن أن يصيب البالغين أيضا.
التلقيح ضد المرض بدأته السلطات الصحية الجزائرية منذ الاستقلال، من أجل محاربة الأمراض والأوبئة، والتي كانت السبب الرئيسي في ارتفاع نسبة الوفيات عند الرضع والأطفال، وكانت آنذاك ورغم عدم توفر وسائل الاتصال الموجودة حاليا، تقوم بحملات دعائية في الإذاعة والتلفزيون وتشجع المواطنين على التلقيح ضد الأوبئة والأمراض المختلفة.
ولم يكن أحد يتصور أنه في عام 2018 وفي وقت أصبحت فيه الكثير من الأمراض المعدية والأوبئة في عداد الماضي، أن تشهد الجزائر انتشار حالات إصابة بمرض الحصبة بالشكل الذي عرفته البلاد منذ حوالي شهر ونصف، إلى درجة تسجيل عشرة قتلى، وأكثر من 3000 إصابة في عدة مناطق من البلاد، وسط تساؤلات عن خلفية الانتشار بهذه الطريقة المثيرة للشبهات. المرض انتشر بكثرة في المناطق الصحراوية، أي في جنوب البلاد، وبالتحديد في مدينتي الوادي وورقلة.
حال طوارئ
وكان جمال فورار مدير الوقاية على مستوى وزارة الصحة أكد أن الداء انتقل ليسجل إصابات في 11 مدينة أخرى، مشيرا إلى أن الوادي وورقلة هما الأكثر تضررا، فقبل أيام فقط تم تسجيل 1047 إصابة في الأولى و997 في الثانية.
وأشار إلى أن وزارة الصحة اتخذت إجراءات استثنائية لمحاصرة الداء، خوفا من انتقاله إلى مدن أخرى، خاصة تلك التي تعرف تجمعات سكانية كبيرة، موضحا أن فرقا طبية تم إرسالها على عجل إلى المناطق المتضررة لإطلاق حملات تلقيح واسعة، بالإضافة إلى لجان تحقيق لأخذ عينات دم من المصابين.
وبرر ممثل وزارة الصحة أن السبب الرئيسي وراء انتشار هذا الوباء هو نقص التلقيح، مشيرا إلى أن 45 في المئة من التلاميذ فقط تم تلقيحهم العام الماضي، في إشارة إلى حملة التلقيح التي أطلقتها وزارة الصحة مع وزارة التعليم وأثارت جدلا واسعا، خاصة وأن وزارة التعليم أساءت تسويق هذه الحملة، وسرت شكوك وإشاعات حول وجود «مصالح» كبيرة وراء الحملة التي تستهدف ملايين التلاميذ، فضلا عن إشاعات أخرى عن أن اللقاح قد يكون غير صالح، وأنه قد تكون له مضاعفات خطيرة على صحة الأطفال، خاصة أولئك الذين سبق تلقيحهم ضد الحصبة لما كانوا رضعا، الأمر الذي جعل الكثير من الأولياء يرفضون خضوع أولادهم إلى التلقيح مجددا، واضطر الكثير منهم إلى إرسال تعهد إلى إدارة المدرسة يؤكدون فيه رفضهم التلقيح وتحمل تبعات القرار.
وإذا كان مدير الوقاية في وزارة الصحة قد تحدث عن حملة التلقيح التي جرت العام الماضي فهو يلمح، إلى أن رفض الكثير من الأولياء خضوع أولادهم إلى التلقيح هو السبب في انتشار الحصبة هذه السنة، وهذا أمر يرفضه أخصائيون آخرون.
وكانت وزارة الصحة قد أوفدت لجنة تحقيق إلى ولاية الوادي، باعتبارها الأكثر تضررا، وأن لجنة التحقيق المتكونة من الطبيبة الأخصائية آمال بوغفالة العاملة في المعهد الوطني للصحة العامة، والدكتورة عزيزة هندل الأخصائية في الأمراض المعدية، قد تنقلت إلى بعض المناطق الحدودية التي صنفت كبؤر للمرض، ففي بلدية دوار الماء، وقفت اللجنة على عمليات التلقيح التي خضع لها سكان المنطقة، وأخذت عينات دم من المصابين بالمرض لتحليلها في مخبر باستور في العاصمة، لمعرفة أسباب انتشار المرض بهذه الطريقة غير المسبوقة.
بعد أيام قليلة من التصريح الذي أدلى به مدير الوقاية عن تداعيات انتشار مرض الحصبة، أعلنت مسؤولة أخرى في وزارة الصحة أن المرض آخذ في الانتشار، وأنه أوقع ضحية جديدة ليرتفع العدد إلى عشرة قتلى، في حين أن عدد المصابين بالمرض الذين تم إحصاؤهم يتجاوز الـ 3000 حالة، وأن المرض مرشح للانتشار أكثر خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، وأنه إذا حدث ووصل إلى مناطق التجمعات السكانية الكبرى، فإن الوضع سيصبح أكثر تعقيدا.
وذكرت ليلى سماتي عضو اللجنة الفنية للوقاية في وزارة الصحة أن الخطر الحقيقي هو انتقال المرض من المدن التي ظهر فيها مثل الوادي وورقلة الجنوبيتين، نحو المدن الكبرى مثل العاصمة ووهران الشماليتين، مؤكدة أن نسب التلقيح في المدن الكبرى ضعيفة، عكس ما يمكن توقعه. ففي العاصمة لا تتجاوز نسبة من خضعوا إلى التلقيح الـ14 في المئة، مقابل 25 في المئة في مدينة وهران، و19 في المئة بالنسبة لسكان مدينة قسنطينة.
واعتبرت نسب التلقيح الضعيفة في المدن الكبرى خطرا حقيقيا، خاصة وأن مرض الحصبة سريع الانتشار، بدليل أن الشخص المصاب يمكن أن ينقل المرض إلى 16 أو 18 شخصا آخر.
وأوضحت أن عدد الإصابات المسجلة حتى الآن بلغ 3075 حالة في 13 ولاية، دون إعطاء خريطة لانتشار المرض، ودون تقديم تفاصيل عن المدن المتضررة، وعدد الإصابات التي تم تسجيلها في كل مدينة.
وشددت على أن المواطنين يجب أن يدركوا أن الحصبة مرض خطير، ويمكن أن يوقع قتلى، خاصة إذا لم يتم التكفل سريعا بالمصابين، خاصة بالنسبة للأطفال والرضع الذين هم الأكثر عرضة إلى الإصابة بالمرض، مشيرا إلى أن وزارة الصحة اتخذت إجراءات من أجل محاصرة الداء، سواء تعلق الأمر بإطلاق حملات تلقيح عاجلة في المستشفيات والمراكز الصحية، أو من خلال إيفاد عيادات متنقلة إلى المناطق المعزولة التي لا توجد فيها مراكز صحية أو مستشفيات.
واعتبرت أن من الضروري توعية سكان مناطق التجمعات السكانية الكبرى بالخضوع إلى عمليات تلقيح، مشددة على أن الأمر عاجل، قبل انتشار المرض وإيقاع ضحايا جدد، لأن المرض حتى وإن كان يصيب الأطفال فإنه يصيب البالغين أيضا.
وقال البروفيسور مصطفى خياطي، رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة، إن الضجة التي أثيرت حول مرض الحصبة غير مبررة، وأن القول إن انتشار المرض راجع إلى حملة التلقيح التي لم تتم العام الماضي، لأن الحملة التي أعلنت عنها وزارة التعليم في موسم 2017 كانت تستهدف الأطفال المتمدرسين في حين أن أغلبية الإصابات التي تم تسجيلها هي في أوساط الرضع، كما أن الكثير من الذين أصيبوا سبق أن خضعوا إلى تلقيح العام قبل الماضي، ولكنهم أصيبوا بالمرض، وهذا يفتح الباب على تساؤلات حول نوعية اللقاح الذي خضعوا له الذي قد يكون غير صالح.
وأضاف أن الإصابات التي تم تسجيلها حتى الآن لا تستدعي التهويل، لأن 2000 أو 3000 إصابة من بين ملايين الأطفال تعتبر نسبة مقبولة، وأن السبب الأول هو نقص التلقيح بشكل عام، وأن من الضروري الإسراع في إطلاق حملات تلقيح واسعة من أجل محاصرة المرض ومنع انتشاره نحو المدن ذات الكثافة السكانية الكبيرة.
تفسيرات وصراعات
المرض الذي انتشر بسرعة خلال الأسابيع القليلة الماضية تحول إلى مادة دسمة لكل التفسيرات والتبريرات والنقاشات والصراعات، فقد بدأت الإشاعات تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، وبالطبع كان لنظرية المؤامرة نصيب الأسد، فقد انتشرت إشاعة تقول إن فيروسا «دبر بليل» من أجل تهجير سكان الصحراء، والاستيلاء على ثروات الجنوب، وهذه الإشاعة على غرابتها وجدت من يصدقها، ليس فقط من «الجالية الزرقاء» بل حتى الساسة، وفي مقدمة هؤلاء النائبة نعيمة صالحي رئيسة حزب العدل والبيان، التي اكتشفت مؤخرا فضاء لإثارة الزوابع في مواقع التواصل الاجتماعي.
وأكدت في منشور لها أنها منشغلة بالوضع في الصحراء الجزائرية، وأن هناك مؤامرة على سكان الجنوب، من خلال نشر فيروس الحصبة، وأن الهدف هو إخلاء تلك المناطق الغنية بالغاز والبترول من سكانها بهدف الاستيلاء عليها، ورغم «ضخامة» الرواية لصاحبتها التي سبق أن قالت إن الموساد يستهدفها، إلا أنها وجدت من يصدقها.
الكاتب والصحافي المثير للجدل كمال داود صاحب كتاب «مورسو.. تحقيق مضاد» والذي يخوض معارك ضد الإسلاميين، أقحم نفسه في الجدل الدائر لكن من زاوية أيديولوجية، إذ اعتبر أن المسؤول عما يحدث من إصابات بسبب داء الحصبة، هم الإسلاميون، المتمثلون في بعض الصحف المعروفة بتوجهاتها، بالإضافة إلى بعض اللوبيات من جمعيات أولياء التلاميذ وبعض أصحاب الرأي من الإسلاميين الذين شنوا حملة ضد وزيرة التعليم نورية بن غبريط من أجل إسقاطها، وأنهم وقفوا ضد حملة التلقيح التي أعلنت عنها وزارة التعليم نكاية في الوزيرة، وأن أولئك الذين فعلوا ذلك في الأمس يتباكون اليوم على الإصابات بداء الحصبة.
الكلام الذي قاله داود لم يمر دون إثارة ردود فعل ناقدة، خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يتخذ فيها الكاتب مواقف مثيرة للجدل، والتي جعلت حتى المتعاطفين معه عادة ينتقدون مواقفه التي يقولون إن تخندقه الأيديولوجي أصبح مسيطرا عليه، بدليل أنه يصنف نفسه كمعارض للنظام الحاكم، لكنه يدافع عن وزيرة التعليم التي عينها النظام نفسه في منصبها، إلى درجة أنه نشر قبل أيام منشورا يتهم فيه ضمنيا نقابة المجلس المستقل لمستخدمي قطاع التعليم التي كانت تخوض إضرابا دام عدة أسابيع بأنها إسلامية، وأنها دخلت في إضراب من أجل إسقاط وزيرة التعليم.
ومن بين الذين تدخلوا في النقاش الدائر الكاتب الصحافي شوقي عماري إذ نشر مقالا في صحيفة «الوطن» (خاصة صادرة بالفرنسية) رد فيه على كلام داود، مؤكدا أن البعض مثل العادة يبحث عن مذنبين حيث لا يوجدون، وأن الذين يقولون إن الإسلاميين هم الذين يقفون وراء توقيف حملة التلقيح يقولون أي كلام، لأن دولا متقدمة مثل اليابان لا تفرض التلقيح على الأطفال، مع أن هذه الدول ليست «إسلامية» في حين أن المسؤول عن عدم تلقيح الأطفال هم الأولياء الذين وصفهم شوقي عماري بأنهم «مراهقون» و «مستقيلون» من مسؤولياتهم التي رموا بها على عاتق المدرسة أو المسجد أو وزارة الصحة أو حتى الإشاعة.
كمال زايت