تسعى الجزائر إلى زيادة منتوجها من المحروقات لمجابهة الحاجة المتزايدة للعملات والخروج من المختنقات الاجتماعية، مع تكاثر الاحتجاجات واحتدام الجدل السياسي في شأن منح ولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة (81 عاما)، الذي يحكم البلد منذ العام 1999. وتمر الجزائر بمرحلة حرجة بسبب ضرورة التكيف مع تراجع إيرادات النفط والغاز، الذي يهدد برامج الانفاق العام. ولوحظ أنها كثفت في الفترة الأخيرة من أعمال التفتيش، التي شملت مختلف الاتجاهات، إن كان الغاز الصخري أم الحقول المحتملة في البحر أم المصادر التقليدية، من أجل الاستجابة لنمو الطلب الداخلي، بالإضافة للإيفاء بعقود تصدير الغاز والنفط التي كانت أبرمتها خاصة مع إيطاليا واسبانيا وفرنسا. وفي خط مواز يعمل الجزائريون على إدخال مرونة على قانون الاستثمار في المحروقات، بما يزيد من الحوافز والتسهيلات الممنوحة للشركات الدولية. وفي هذا السياق أقرَ أخيرا رئيس «الوكالة (المؤسسة) الوطنية لتثمين مصادر الطاقة» حسين أرزقي أن التشريعات الحالية تميز المستثمرين الجزائريين بمنحهم امتيازات خاصة، ما جعل بعض المستثمرين الأجانب يغادرون البلد. إلا أن مسؤولين آخرين أكدوا أن أي تعديلات على قانون المحروقات لن تمس من الضوابط الأساسية. ويتوقع أن يستكمل التصديق على قانون الاستثمار الجديد الشهر المقبل، إلا نتائجه لن تظهر إلا في مرحلة لاحقة.
ووسعت مجموعة «سيبسا» الاسبانية أخيرا من استثماراتها في الجزائر بعد دخول حقل «تيميمون» طور الإنتاج بواقع 130 ألف برميل من النفط يوميا، إلى جانب 1.82 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في السنة انطلاقا من 37 بئرا، وهي تشترك في استثماره مع مؤسسة النفط الجزائرية «سوناتراك» ومجموعة «توتال» الفرنسية. وحضر وزير الطاقة والمناجم الجزائري مصطفى قيتوني أواخر الشهر الماضي، مع مندوبين عن مجموعتي «توتال» و«سيبسا»، حفلة افتتاح مجمع «تيميمون» الذي ينتج 5 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي في اليوم.
واشترت «سيبسا» أخيرا حصة مجموعة «بتروناس» الماليزية، التي تقدر بـ35 في المئة، في حقل «بئر مسانة» الذي يبعد عن مدينة حاسي مسعود النفطية 300 كيلومتر، وينتج الحقل 12500 برميل في اليوم. وارتفعت حصة المجموعة الإسبانية في الحقل إلى 75 في المئة، إلى جانب «سوناتراك» التي تستحوذ على الـ25 في المئة المتبقية. يذكر أن الجزائر تزود إسبانيا بنسبة 50 في المئة من الغاز الذي تستهلكه عبر أنبوبين عابرين للمتوسط.
الصين تتربع على عرش المزودين
على الصعيد التجاري تستمر الصين في التربع على عرش مزودي الجزائر للعام الخامس على التوالي، وهي تستحوذ على 15 في المئة من مستوردات البلد، متقدمة على شركاء الجزائر الأوروبيين. ويبدي المسؤولون الأوروبيون ضيقا شديدا من تعاطي الجزائر معهم، وصل إلى حد اتهام مفوضة التجارة في الاتحاد الأوروبي سيسليا مالمستروم، الجزائريين بكونهم «لا يحترمون الاتفاقات التي توصلوا لها مع الطرف الأوروبي». لا بل إن مالمستروم وجهت الاتهام للجزائر، في خطاب ألقته أمام البرلمان الفرنسي، بكونها تتعمد تفضيل الصين على البلدان الأوروبية، بالرغم من اتفاق الشراكة الذي توصل له الجانبان في العام 2005. وحضت على إيجاد حلول للوضع الراهن، ملوحة بأن «الاتحاد سيضطر للجوء إلى البنود المتعلقة بتسوية الخلافات في إطار اتفاق الشراكة» على ما قالت.
ويتهم الأوروبيون الجزائر بوضع عراقيل أمام المبادلات التجارية مع الشركاء التقليديين، ما أدى إلى تراجع حجم المبادلات معهم في السنوات الأخيرة، ومن الأمثلة على ذلك، تقهقر فرنسا إلى الرتبة الثانية بين مزودي الجزائر بـ10 في المئة فقط من مستوردات البلد، تليها إيطاليا، في مقابل 15 في المئة للصين. وتطالب الجزائر بمراجعة بنود من اتفاق الشراكة، معتبرة أنها لم تحقق النتائج المتوقعة منها في مجال الاستثمار.
تعليق الاستيراد
أكثر من ذلك، قررت السلطات تعليق استيراد أصناف مختلفة من السلع مؤقتا، من أجل إنعاش المنتوجات المحلية، ولاسيما مصانع المنتوجات الغذائية. وقال صناعيون إن تعليق الاستيراد أتاح ترويج أكثر من 800 منتوج محلي، من أجهزة الهواتف المحمولة إلى الآلات الكهربائية المنزلية وصولا إلى المواد الغذائية. أما المواد المستوردة من الخارج والتي لم تشملها لائحة التعليق، فإن الرسوم الموظفة عليها زادت لتصل إلى 30 في المئة، بينما زادت الضرائب الجمركية على المواد المسموح باستيرادها، إلى 60 في المئة. وتندرج هذه الإجراءات التي ستستمر إلى أواخر 2019 في إطار السعي للسيطرة على العجز التجاري الناتج عن تراجع أسعار المحروقات في الأسواق العالمية. ورحب صناعيون بإجراءات التشدد مع السلع المستوردة، التي قالوا إنها منحتهم فرصة لتجديد آلاتهم المتقادمة، وتجميع بعض المال لاستثماره في شراء تقنيات جديدة.
في المقابل، حذر صناعيون آخرون من أن المضي في تعليق استيراد بعض المنتوجات من أوروبا قد يجعل الأخيرة ترد بالمثل، وتعلق استيراد منتوجات جزائرية، ما اعتبروه «كارثة تهدد الصناعة المحلية، وخاصة منها تلك التي بدأت تصدر للأسواق الأوروبية». وكان الأتراك والإسبان انتقدوا الإجراءات التي قررتها الجزائر لوضع حواجز تعرقل فرص تصدير منتوجاتهم إليها.
انتشار الفساد
وللردِ على حملات تقودها المعارضة وبعض الجمعيات الأهلية للتشهير بانتشار الفساد، اتخذت السلطات أخيرا إجراءات جديدة، في مقدمها مطالبة الموظفين السامين والمسؤولين في مؤسسات القطاع العام، أو المؤسسات المشتركة، التي لا تقل حصة الدولة فيها عن 50 في المئة، بوضع لائحة بممتلكاتهم تسلم للجهات ذات العلاقة. إلا أن معلقين اعتبروا هذا الإجراء من باب ذر الرماد في العيون، لأنه «يقتصر على الفساد الصغير ويتغاضى عن الفساد الكبير» على ما قال المنتقدون، و«خاصة ذاك المنتشر في قطاع النفط والمحروقات، والذي طاول شخصيات بارزة، من بينها وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل المقرَب من الرئيس بوتفليقة».
وبعد إعلان الأمين العام لجبهة التحرير الوطني «حزب بوتفليقة» أن الحزب يعتزم ترشيح الرئيس الحالي المقعد لولاية خامسة، أتت ردود فعل التشكيلات السياسية رافضة لهذا السيناريو، ومنها حزب «طلائع الحريات» الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، وحزب «جيل جديد» الذي يقوده سفيان جيلالي. ويتهم المعارضون الرئيس الحالي بكونه لم يستطع في أعقاب عشرين سنة من صعوده إلى سدة الرئاسة، تغيير بنية الاقتصاد الريعي، الذي ما زال يعتمد على إيرادات النفط والغاز بنسبة 98 في المئة. وتوقعت «المؤسسة الفرنسية لتأمين التجارة الخارجية» «كوفاس» أن يستمر تباطؤ الاقتصاد الجزائري في العام الجاري، على الرغم من أن قطاع المحروقات أبصر نموا مضطردا. ولم يشمل النمو المنتوجات غير النفطية. وأوضح التقرير، الذي شمل 160 بلدا، أن الحكومة الجزائرية كانت تدفع من احتياطاتها المالية لتعديل كفة العجز في القطاعات غير النفطية. إلا أن الاحتياطات بدأت تنضب وتضاءل النمو وتراجع الانفاق على مؤسسات القطاع العام طيلة العام الماضي. وعلى هذا الأساس صنفت «كوفاس» الاقتصاد الجزائري في خانة «سي» مع مخاطر مرتفعة لعجز المؤسسات الاقتصادية عن الدفع، وهي الخانة التي وضعت فيها أيضا السعودية وباكستان وأوكرانيا وافريقيا الجنوبية. واعتبرت أن التزام الجزائر حصص الإنتاج التي قررتها منظمة البلدان المصدرة للنفط يحد من نمو الاقتصاد الجزائري، الذي يعاني أصلا من شح الاستثمار ونضوب الاحتياطات في بعض الحقول العتيقة.
تأثير محدود
وانتهجت الجزائر حتى الآن سياسة تقوم على تشجيع الاستهلاك بالزيادة في الرواتب والنفقات الاجتماعية، غير أن تأثير تلك الزيادة ظل محدودا بفعل تفاقم التضخم، بالإضافة لكونه تم على حساب الاستثمار العمومي. وتعتزم الجزائر العمل خلال العام الجاري على الحد من تراجع احتياطات البلد من العملات. وعلى الرغم من أن الارتفاع الطفيف في سعر برميل النفط خلال العام الماضي، ساهم في تحسين الإيرادات الجبائية للدولة، إلا أن النفقات لم تتراجع سوى بنسبة ضئيلة. وتتوقع «كوفاس» أن يبقى الدين العمومي خلال العام الجاري في المستوى نفسه الذي كان عليه في العام الماضي، مع تراجع ضئيل جدا.
وتعتبر مؤسسات التصنيف الدولية أن الاقتصاد الجزائري يعتمد على أربع نقاط قوة، في مقدمها الاحتياطات الكبيرة من النفط والغاز، وخاصة من الغاز الصخري، والثانية هي إمكانات تطوير الطاقات الجديدة والمتجددة. أما نقطة القوة الثالثة فهي ضعف المديونية الخارجية والاحتياطات المهمة من العملات. وتتمثل النقطة الرابعة في الإمكانات الكبيرة لتطوير القطاع السياحي. في المقابل يعاني الاقتصاد الجزائري من نقاط ضعف عدة، بينها البطالة التي تضرب أطيافا واسعة من الشباب، بمن فيهم المتخرجون من الجامعات، وثقل الأجهزة البيروقراطية واتكال الاقتصاد على إيرادات المحروقات.
البنك الدولي متفائلٌ
مع ذلك رفع البنك الدولي من توقعاته لنمو الاقتصاد الجزائري في العام الجاري بالاعتماد على الإجراءات المتعلقة بإصلاح أوضاع الموازنة التي اتخذتها الحكومة، إذ توقع أن تصل نسبة النمو إلى 3.6 في المئة في 2018 في مقابل 1 في المئة كان يتوقعها سابقا. وقدر نسبة النمو التي حققها البلد في العام الماضي بـ2.2 في المئة بدل 1.8 في المئة كان يتوقعها سابقا، معتبرا أن أوضاع الجزائر ستكون أفضل من أوضاع جيرانها خلال العام الجاري والمقبل.