يا له من زمن، الذي يسقط فيه الإعلام في قاع البئر لانتشال الدلو عكاشة، أما عن الحذاء، الذي لا يرتفع سوى ليحط من شأن المرجومين به، فإنه «خازوق» العصر، الذي يجز رؤوسا أينعت وحان قطافها.
دستة جزم
كمال أحمد النائب، الذي سدد علقة بالجزمة لعكاشة ونتنياهو والكنيست، كما أفاد في مؤتمر صحافي، رفض الاعتذار ووعد أن يحضر جلسات البرلمان وبحوزته «دستة جزم»، ليرفع الحرج عن المجلس ويرد الاعتبار لمصر بما أنه يمثل الشعب ولا يمثل الحكومة، في الوقت ذاته الذي يعترف خالد يوسف على المحور أن «أحمد» خالف لائحة البرلمان القانونية، ولكن عكاشة أهان السيادة المصرية والأمن القومي، ولم يختلف موقف النائب شرشر حين أعلن أن الجزمة من المبشرين بدخول التاريخ، لا بل إن عكاشة نفسة (باس على رأس النعل) احتراما للفارق العمري بينهما، فبدا كمن يذبح أمه لينال رضى زوجة أبيه، قبل أن يغير زاوية العلقة فيهدد مصطفى بكري بخالد الدهشوري وتحقيقات النيابة العامة بقضية شذوذ اتهم بها شقيقه، موجها السؤال لنفسه: إزاي عرفت؟ مجيبا: من عند ربنا، ليهيأ إليك أن الحذاء هو عفريت المصباح المطلع على الغيب، ما أن خرج من قمقمه حتى كشف الحجاب عمن فلقه!
الفرعون جحا
رغم أن قناة عكاشة مخصصة للفراعين، تحت سن الرضاعة، إلا أنها خّرجت الفرعون الداهية الأحمق: جحا، في انتظار حفل التتويج النهائي بعد فك السحر عنه «لأنو معمولو عمل»، فحالات العته، التي تصيبه ناجمة عن انحراف دماغي يدفعه لممارسة السلبطة كالملطوش، لأنه يبدو وهو يفتخر بمريديه الذين يحملونه على الأعناق كحفرة نهاية العالم، أعلى قمتها هي حافة هاويتها التي تحتوي على نسبة جاذبية قصوى إلى الحد، الذي تسببت فيه بمنع تحليق الطائرات فوقها، فهل ستستغرب أن يكون حظ «أدون» عكاشة في السحاب وعقله تحت التراب؟
عزيزي المشاهد، لو كنت ممن يقبضون على وعيهم كجمرة من نار ستثق بأن السرج المُذَهب لا يجعل الحمار حصانا!
يا دي الكسوف!
استضاف الفرعون جحا معاهدة «كامب ديفيد» الساداتية المشؤومة، زاجا بحياة الدرديري في كوشة القصاص ليعرضها إلى جلسات تعذيب بالثرثرة محتجا على مذكرة البرلمان التي أصدرها ضده بعد لقائه السفير الإسرائيلي، منطنطا من ذريعة إلى أخرى مناقضا نفسه، فمرة يدعي أنه عامل إنقاذ، ومرة يتنصل من الصفة البرلمانية متقوقعا في قمقم حريته الشخصية، ثم يلملم نفسه وقد تبعزقت وارتبكت ليضفي هالة من الفخامة على ذاته إذ يذكر المشاهد بأنه لم يزل بانتظار رد حكومة اسرائيل على مطالبه، وفجأة يستر عوراته بريشات هدهد سليمان، داعيا الأمة المصرية لنبذ الأحقاد مستعينا بخطاب اسرائيل الإعلامي، الذي يعطي أمثلة عن تدمير أمريكا لهيروشيما بالقنبلة النووية وتجاوز اليابان لهذه الجريمة ببناء علاقات اقتصادية وتجارية وسياسية متسائلا: كيف سامح المصريون الإنكليز والعثمانيين وجيرانهم أولى بالمعروف، خاصة أنهم يستهلكون البضائع الإسرائيلية فيتعاطون البيبسي والكولا كالماء، في تحد سافر لشعبه وشماتة بتناقضاته التي تفضح هشاشة إرادته أمام منتوجات عدوه، فهل هذا حق يراد به باطل؟
ثم تراه يتحول بعد كل هذا إلى أرملة سوداء فيغزل على الناعم، محذرا من ثورة بطون خاوية، وهو يحث على تحقيق توازن منفعي بين الطرفين بسد العجز البشري الذي لا يلبي وفرة فرص العمل في دولة الإحتلال، بالإستعانة بالفائض البشري في مصر لحل مشكلة البطالة، ولسان حاله يقول لهم: «اللي يستحي من بنت عمو ما يخلفش منها عيال»، وقد اغرورقت عيناه بالبكاء وكاد يعطس من الاحتباس المائي في مجرى الدمع، فما أن استجمع قواه حتى راح يشتم النعرة الناصرية وزعيم النكسات الاشتراكي الماركسي اليهودي الإلحادي «جمال»، فاضحا تناقضا مخيفا يشوه الوعي الجمعي ويثير اضطرابا انفصاميا في اللحمة الوطنية قد يؤدي إلى كارثة جهل عارمة تدفع البسطاء لتحضير الأرواح ونكش القبور، تاركين جبهتهم فوق الأرض ليخوضوا حروبهم تحت دركها الأسفل، فيا أيها الحذاء: لا تلم عنزة اسْتَتْيَسَتْ، بل ضع اللوم على حلاب التيوس، يا دي الكسوف!
إعلام يغني في الحمام
للأسف أن الساعة البيولوجية لليقظة عند الشعوب العربية تدق بعد انتهاء المؤامرة وخراب مالطا، فلا تستبعد أن يصل الفرعون جحا لـ»الاتحادية» على ظهر دابته الالكترونية: المحمول، ويدخلها كمن نزل بواد غير ذي زرع، حينها سيترحم المصريون على أهل الكهف وعصابة الفرعون الطيار، وعهد وطاويط الفلول، فسنين مصر العجاف بدأت (بمشروع سد النهضة الذي يُعد من علامات القيامة في التلمود، فإما أن يملأه اليهود دما وإما أن ينشفوا النيل، وقتها لن تفيد فلسطين الناصريين في شيء ما دامت مقاومتها تتعاون مع العدو للتخلص من قياداتها كما حدث مع أحمد ياسين) هكذا نطق سيد المعلمين: عتاهية، متسائلا: (لماذا يحقق معي البرلمان في جريمة التطبيع التي صادق عليها عام 1979؟ من الذي يخرق القانون: أنا أم البرلمان الذي يتنصل من التزاماته؟). وأضاف: (لمَ لا يتحلى البرلمان بالشجاعة ويصوت لإلغاء معاهدة السلام)؟ فهل يحتاج هذا الأبله إلى عاقل يأخذ الحكمة من حنكه في ساعات الوحي المفترجة: تحت الدش؟
نسي جحا أن فلسطين ليست هيروشيما وأن حربنا مع الصهاينة حرب قيامة وكرامة وليست حرب حضارات أو مصالح اقتصادية وترع مية، لكن لا عتب على الخونة الذين يحرسون أعداءهم، ليس لأنهم مصدر قوة لهؤلاء الأعداء، بل ليقينهم أنهم نقطة ضعف ووصمة عار على الوطنية، فما أشرف وأعذب الشتيمة!
عين على فلسطين
كان الختيار – رحمه الله – دائما يقول: (الثورة الجزائرية انتصرت في المغرب العربي لتكمل مشوارها في فلسطين في المشرق العربي)، كتأكيد على إيمانه المطلق بعزيمة وإرادة بلد المليون شهيد، وشحذ همة الشعب الفلسطيني في مسيرته النضالية، وليت الختيار كان هنا ليشهد ثورة الملاعب الجزائرية، التي أحرزت فيها الجزائر الهدف الذهبي بتجديد الولاء والانتماء للشهداء وللقضية التي لا يقوى على حمل أمانتها سوى الرجال في حين تأبى الجبال.
برنامج «عين على فلسطين»، الذي تبثه قناة المغاربية من لندن وتقدمه الزميلة الإعلامية وجدان الربيعي حشد أكثر من ربع مليون مشاهدة هي حجم الفرحة بالنصر الأكبر والأهم الذي حققه الجزائريون في ملعب «الخامس من يوليو» ليبرهنوا للدنيا أن فلسطين حاضرة في ضمير ووجدان الأجيال، التي احتشدت بعشرات الآلاف لتشجع الفريق الفلسطيني، الذي يلعب أمام فريقها الوطني، وتثبت أن الشعب الجزائري لم يكل ولم يمل من تبني المواقف العظيمة التي تليق بمن تخلدهم ويخلدونها.
البرنامج استضاف إعلاميين من فلسطين والجزائر، وأطلق صافرة البدء لمباراة إعلامية تحاكي المباراة الأصلية، التي يتنافس فيها الطرفان على المحبة والفخر والمؤازرة بصورة لم يَجُدْ التاريخ بمثلها إلا عند المهاجرين والأنصار، فالإعلاميون الفلسطينيون يشعرون بالعجز لأول مرة عن تغطية الحدث لأنه يفوق الوصف، والإعلاميون الجزائريون يشعرون بالخجل من تقصير الأمة تجاه القضية الأسمى، والفلسطينيون يُصلّون ليتعادل الطرفان، بينما يتمنى الجزائريون أن تسمح لهم السلطات بالعبور إلى فلسطين لتحريرها والصلاة في أقصاها.
عرض البرنامج ردود فعل الشارع الفلسطيني، الذي اعتبر أن الجزائر تبعث برسالة إنسانية سامية لكل شعوب الأرض لتحثهم على الانتصار للكرامة الإنسانية بدعم فلسطين بالأشكال الممكنة كلها، مقدما صورة راقية للفرحة تعبر عن حرارة القلب والمشاعر الصادقة التي يحملها الشعب الفلسطيني لأشقائه الجزائريين، فتُبكي الرجال في فلسطين في حين تزيدهم شراسة أعدائهم جبروتا وصمودا.
الزميلة وجدان استشهدت بمقولة الشهيد عرفات حين أوصى الفلسطينيين بالتوجه إلى الجزائر كلما ضاقت عليهم الدنيا وأوصدت أبوابها الجهات، في زمن الأخوة الأعداء الذي يغدو فيه الموقف الطبيعي للجزائر ليس طبيعيا بل فوق الطبيعة!
لن يليق بك يا عاصمة السماء سوى أن نجدد عهدنا لمليون نجم ثاقب تضيء زنازين الأسرى الفلسطينيين، أن يمر شهداؤنا في طريق معراجهم إلى الجنة ببحرك الأشم وجسورك السماوية ليأخذوا بركة الخلود من خيمتك المقدسة، ويرفعوا تحية العلم الجزائري بقسم فلسطيني حر: عقدنا العزم أن تحيا الجزائر!
بقى أن أجدد هويتي الفلسطينية من الجزائر، لأجري تعديلا بسيطا على صفة اللغة، فأسجل برأس الصفحة الأولى أنني كاتبة جزائرية من فلسطين.
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر