الجزائر: حكومة جديدة «تطبخ» على عجل بخليط من الموالاة وأحزاب إسلامية

حجم الخط
11

الجزائرـ «القدس العربي»: انطلقت التحضيرات والمشاورات بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة في الجزائر، حتى قبل أن يعلن المجلس الدستوري النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية التي جرت في الرابع من مايو/ أيار، وهي حكومة ستكون مختلفة عن سابقتها، لأن الرئاسة تريد إشراك أكبر عدد ممكن من الأحزاب السياسية. صحيح أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة لم تفرز أغلبية لصالح أي حزب من الأحزاب، فجبهة التحرير الوطني فقدت الأغلبية واكتفت ب164 مقعدا من أصل 462، في حين حصل التجمع الوطني الديمقراطي على 100 مقعد، وبعملية حسابية بسيطة نجد أن حزبي السلطة يستطيعان تشكيل أغلبية برلمانية تفرز حكومة جديدة، ويمكن أن يضاف إليهما أحزاب أخرى محسوبة على السلطة، مثل تجمع أمل الجزائر والحركة الشعبية الجزائرية، لكن الرئاسة فضلت الذهاب نحو أحزاب معارضة بغرض إشراكها فيما أضحى يعرف بـ«حكومة تقاسم الأعباء»، فالأزمة التي تعيشها البلاد على المستوى الاقتصادي، ونسبة المشاركة الضعيفة التي سجلت في الانتخابات الأخيرة، تجعل السلطة بحاجة إلى تجميل الواجهة، حتى لو كان إشراك أحزاب معارضة هو من أجل الزينة فقط، لأنه لا مستوى مشاركة هذه الأحزاب سيكون كبيرا، بالنظر إلى عدد المقاعد التي حصلت عليها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولا هي ستحصل على وزارات مهمة.

ورطة حركة «حمس» الإخوانية

الدعوة التي وجهتها السلطة إلى حركة مجتمع السلم ( إخوان) للمشاركة في الحكومة وضعتها في ورطة حقيقية، لأن هذه الحركة التي كانت قريبة من السلطة وشاركت في كل الحكومات من 1994 وحتى 2012، وقررت مدفوعة برياح ثورات الربيع العربي قطع الحبل السري مع السلطة، والخروج إلى المعارضة، بعد تقوي تيار المعارضة داخلها على حساب تيار المشاركة، معتقدة أن التخلص من أعباء المشاركة سيجعلها تكسب شعبيا، وأنها ستتحول إلى القوة المعارضة رقم واحد، ولكن ذلك لم يتحقق، خاصة وأن ثورات الربيع العربي سرعان ما أجهضت ومعها حلم وصول الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر، ولكن قيادة الحركة التي قاطعت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، اعتقدت أن السلطة لن تستطيع الاستمرار طويلا، وأن الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة الذي انتخب لولاية رئاسية رابعة، سيعجل بلجوء السلطة إلى المعارضة من أجل التحاور معها، خاصة وأن المعارضة توحدت فيما بينها مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية، وشكلت تكتلا هو الأكبر في تاريخ الممارسة السياسية التعددية، وهو التكتل الذي رفع الكثير من اللاءات، ويرفض الاعتراف بشرعية السلطة القائمة، ويتحدث في كل مناسبة عن وجود شغور على مستوى الرئاسة.
حسابات السلطة والمعارضة

ولكن الحسابات التي قامت بها المعارضة لم تصل إلى النتائج المرجوة، فلا الوضع الصحي للرئيس كان عائقا أمام سير الأمور بالشكل الذي أرادته السلطة، ومع مرور الوقت استقرت الأوضاع بالنسبة للسلطة، واستطاعت تجاوز «عقدة» الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعندما حان موعد الانتخابات الرئاسية انفجر تكتل المعارضة، خاصة وأن أطرافه لم يستطيعوا الاتفاق حول موقف موحد من الانتخابات البرلمانية، فبعض الأحزاب المعارضة اختارت المقاطعة، وفضلت الأغلبية المشاركة مدفوعة بحسابات سياسية وبضغوط داخلية، دون أن تتمكن المعارضة المتكتلة في إطار تنسيقية الحريات و الانتقال الديمقراطي ثم في هيئة التشاور والمتابعة من الحفاظ على التكتل، إذ اندلعت حرب التصريحات والاتهامات بين الطرفين.
وفي خضم كل هذه التجاذبات كانت حركة مجتمع السلم تعاني من اضطرابات داخلية، فتيار المشاركة الذين كان ضعيفا في 2012 تقوى أكثر مع مرور الوقت، باستقطابه الكثير من الغاضبين على طريقة تسيير عبد الرزاق مقري، والمحبطين من فقدان الحركة لامتيازات القرب من الحكومة، خاصة وأن الكثير من كوادرها الذين كانوا قد»تسللوا» إلى الوزارات والإدارات خلال سنوات العسل بينها وبين السلطة، وجدوا أنفسهم خارجا بعد مغادرة الحركة الحكومة.

خياران أحلاهما مر

تجد الحركة نفسها في ورطة الآن، لأن عرض الرئاسة الذي نقله إليها رئيس الوزراء الحالي عبد المالك سلال يضعها أمام خيارين أحلاهما مر، فهي إذا رفضت المشاركة في الحكومة فهي تغامر بتعرضها إلى تبعات رفض هذا العرض، ومن جهة ثانية تخاطر بانشقاق جديد لن تكون قادرة على تحمله، خاصة وأن تيار المشاركة الذي يمثله أبو جرة سلطاني رئيس الحركة السابق قد ينشق عنها ويشارك في الحكومة.
رئيس الحركة الحالي عبد الرزاق مقري الذي كان السباق للإعلان عن العرض الذي تلقاه من رئيس الوزراء عبد المالك سلال، وأكد أن القرار سيتخذه مجلس الشورى، و كشف أن الحركة تتجاذبها ثلاثة تيارات، الأول انتهازي يريد التحالف مع السلطة مهما كان الثمن، والثاني راديكالي يرفض المشاركة ويدعو إلى الانسحاب من الحكومة، والثالث أكثر هدوء وأن هذا التيار هو الذي سيفصل في موضوع المشاركة في الحكومة المقبلة.
مقري الذي يمثل بالنسبة للكثيرين تيار المعارضة داخل حركة مجتمع السلم التي أسسها الراحل محفوظ نحناح، هو من فتح الباب للحديث عن مشاركة محتملة في الحكومة الجديدة، حتى قبل الانتخابات البرلمانية، صحيح أنه اشترط أن تكون الانتخابات نزيهة للمشاركة في الحكومة، لكنه كان يعلم مسبقا أن الانتخابات لن تكون مختلفة كثيرا عن سابقاتها، لكن السلطة التقطت الإشارة، وقدمت هذا العرض، الذي يورط قيادة الحركة، ويجعل السلطة في أريحية، لأنه إذا رفضت المشاركة، ستقول إنها حاولت إشراك أكبر عدد ممكن من الأحزاب، وإذا وافقت وانضمت إلى الحكومة الجديدة فستكون السلطة قد نجحت في جلب شركاء آخرين يتقاسمون معها أعباء المرحلة المقبلة.

الجزائر: حكومة جديدة «تطبخ» على عجل بخليط من الموالاة وأحزاب إسلامية

كمال زايت

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية