الجزائر: سنة الألغاز السياسية وتفاقم الأزمات الاقتصادية!

حجم الخط
11

الجزائر ـ «القدس العربي»: سنة 2017 كانت سنة الألغاز السياسية في الجزائر وسنة انفتاح الأبواب على المجهول، كما أنها جاءت لتؤكد صدق مقولة: «السنة التي تمضي أفضل من التي تأتي»، فالأوضاع السياسية ما زالت تراوح مكانها، والاقتصادية والاجتماعية تزداد صعوبة، والأسوأ هو عدم وجود أفق ولا مؤشرت تدفع على التفاؤل.
وجرت في السنة الانتخابات البرلمانية والمحلية الأولى في أيار/مايو والثانية في تشرين الثاني/نوفمبر، ورغم أن الموعدين هما أول انتخابات تجري في الدستور الجديد، الذي جاء ليقدم ضمانات في مجال نزاهة الانتخابات، خاصة ما تعلق باستحداث هيئة عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات، لكن في الحقيقة أن الانتخابات التي جرت في 2017 جاءت مشابهة لما سبقتها، لأنها كرست سيطرة أحزاب السلطة، وأثبتت أن التغيير عن طريق الانتخابات مؤجل حتى وقت لاحق.
2017 كانت سنة انفراط عقد المعارضة التي كانت شكلت تحالفا قويا بعد الانتخابات الرئاسية 2014 لكنها دخلت في صراع صامت بخصوص الانتخابات البرلمانية، ورغم أنها تركت الحرية لكل طرف أن يحدد موقفه من الانتخابات، إلا أن الصراع لم يلبث أن انفجر وأخذ شكل ملاسنات واتهامات بالخيانة بعد قرار بعض الأحزاب المشاركة في الانتخابات، فيما اعتبر من قرروا المقاطعة أن المشاركة هي تناقض صارخ مع مواقفها السابقة التي كانت ترفض من خلالها الاعتراف بشرعية النظام، فكيف تشارك في انتخابات ينظمها هو، ونتائجها معروفة سلفا؟
موضوع صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة طرح خلال العام ومعه طرحت أسئلة أخرى تتعلق بمستقبل البلاد وقضــايا الــخـلافة، ففي شـباط/فبراير الماضي ألغيت زيارة للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في آخر لحظة بسبب وعكة صحية للرئيس، ولم يستقبل بعدها أي ضيف أجنبي لمدة تجاوزت سبعة أشهر، حتى أن زيارة الرئيس الإيراني ألغيت وزيارة الرئيس الفرنسي أجلت إلى شهر كانون الأول/ديسمبر.
لكن في الوقت الذي كان في الجدل مثارا حول قدرة الرئيس على ممارسة مهامه، بدأ التحضير لترشيحه إلى ولاية خامسة في الانتخابات التي ستجرى في 2019. فجبهة التحرير الوطني (حزب السلطة الأول) ما انفك يصرح ويلمح إلى ترشح بوتفليقة إلى الخامسة، فقد أعلن تأييده لهذه الفكرة أولا، ثم، وتفاديا للحرج أصبح يتناول الموضوع بطريقة غير مباشرة، مثلما فعل في حملة الانتخابات المحلية الأخيرة، لما أعلن أمينه العام جمال ولد عباس أن الرئيس المقبل سيكون من جبهة التحرير الوطني، ثم قال أيضا إنه موجود في رأسه، ثم عاد ليقول إن بوتفليقة لن يقبل أن يكون مرشح الجيش في الانتخابات المقبلة، وهي كلها تلميحات تصب في خانة ترشح بوتفليقة لولاية خامسة.
واندلع قبيل أيام من موعد الانتخابات المحلية جدل بسبب تصريحات فاروق قسنطيني المحاني والرئيس السابق للهيئة الاستشارية لحماة وترقية حقوق الإنسان، الذي أعلن أنه التقى بوتفليقة لساعات في بيته، وأن الرئيس أبلغه نيته الاستمرار في الحكم لولاية جديدة، وأنه يريد أن يكمل حياته فوق الكرسي، ولم يكد يمر ســوى يوم واحد حـتـى جاء بيان الرئاسة مكذبا قسنــطيني جملة وتفصيلا، نافيا اللقاء من أساسه، والأغرب من كل هذا أن المدعي أصر على كلامه ولقائه بالرئيس، وتساءل عن الجهة التي أصدرت البيان، ورغم أن كثيرين توقعوا أن تكون لهذه القصة تبعات، إلا أن النسيان لفها بسرعة، دون أن يفهم أحد ما جرى بالضبط، وهل فعلا شطح قسنطيني شطحة تعيده إلى الواجهة، حتى لو كان الثمن الكذب على الرئيس، أم أن الأمر كان مجرد بالون اختبار؟
وتبقى قضية رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون هي الأكبر خلال سنة 2017، فهو أحد رجال الثقة بالنسبة إلى الرئيس، وكان يشرف على وزارة السكان لسنوات طويلة، وبعد أن تقرر الاستغناء عن عبد المالك سلال، تم تعيينه رئيسا للوزراء في أعقاب الانتخابات البرلمانية، لكن الذي حدث هو أن تبون قرر فجأة القيام بـ«غزوة» ضد رجال الأعمال ورفع شعار فصل المال عن السياسة، ولم يكن أحد يتوقع أنه سيصطدم برجل الأعمال علي حداد المقرب من الرئاسة، واندلع صراع صامت ما فتئ أن أصبح صاخبا. وكان المنظر سرياليا: اثنان من رجال الرئيس يتصارعان وكل منهما يتحدث باسم الرئيس ويؤكد أنه يحوز ثقته، والأغرب هو دخول شقيق الرئيس مباشرة على الخط في جنازة رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك، إذ ظهر باسما هامسا في أذن علي حداد، في حين وقف تبون بعيدا مراقبا المشهد بحنق ظاهر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، لأن شقيق الرئيس أصر على أن يركب حداد معه السيارة وأن يغادرا المقبرة أمام عدسات الكاميرات وأنظار الحضور، وفهم كثيرون أن أيام تبون أضحت معدودات.
وبعد أيام تعرض فيها رئيس الوزراء إلى حملة تشهير واسعة، خاصة خلال فترة العطلة التي قضاها في فرنسا، عاد إلى مكتبه ليجد قرار إقالته جاهزا، وتم استخلافه بأحمد أويحيى الذي يتولى رئاسة الحكومة للمرة الخامسة في مساره السياسي محطما كل الأرقام القياسية في هذا المجال، وأسدل الستار على هذه القضية دون أن يفهم أو يعرف الرأي العام ماذا حدث بالضبط.
عودة أويحيى إلى رئاسة الحكومة استقبلت بتحفظ، لأن توليه المسؤولية يكون عادة في فترة الأزمات، والبلاد تعرف أزمة اقتصادية ومالية خانقة، بدليل أنه بعد أسابيع قليلة من تعيينه على رأس الحكومة قال أويحيى إن خزينة الدولة مفلسة، وأن الدولة عاجزة عن دفع رواتب ومعاشات شهر تشرين الثاني/نوفمبر، مقترحا حلا واحدا وهو اللجوء إلى طبع مزيد من العملة، بعد تعديل قانون القرض والنقد، ورغم معارضة المعارضين وانتقاد الخبراء الاقتصاديين لهذا القرار، والتحذير من مخاطره على قيمة العملة وعلى رفع نسبة التضخم، إلا أن أويحيى أصـــر على تـمــريره، والتــأكيد على أنه الحل السحري لأزمة البلاد، والذي يجنبها خيار الاستدانة الخارجية.

الجزائر: سنة الألغاز السياسية وتفاقم الأزمات الاقتصادية!

كمال زايت

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية