الجزائر: غموض على قمة هرم السلطة تحسبا لاقتراب موعد خلافة مستعصية!

حجم الخط
5

الجزائر ـ «القدس العربي»: تستعد الجزائر لخوض الربع ساعة الأخير من سنة 2017 التي كانت سنة تكريس الأزمة بكل جوانبها، وسنة غموض وضبابية، والدخول في سنة جديدة يفترض أن تكون سنة الحسم، خاصة وأنها آخر منعرج في الولاية الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، التي يكاد يكون هناك إجماع بأنها كانت ولاية فوق الحاجة، ولم يتحقق فيها أي شيء، عدا انهيار الكثير من الأوهام التي صنعت طوال الولايات الرئاسية الثلاث، وتقلص سقف الرهانات، وأصبح ربح الوقت مكسبا في وقت تغرق فيه البلاد في الأزمة يوما بعد آخر.
يمكن القول أن الولاية الرئاسية الرابعة للرئيس بوتفليقة التي بدأت في 2014 هي من أضعف ولاياته الرئاسية حصيلة، فوضعه الصحي لم يكن يسمح له بالترشح والاستمرار في الحكم، لكن الجماعة المحيطة به، وباعترافهم، أجبروه على الترشح، لسببين، رغبتهم في الاستمرار معه والاستفادة من مزايا البقاء إلى جانبه، والثانية لعدم وجود توافق بين مكونات السلطة بخصوص الخليفة، فكان الاتفاق على ترشيحه لولاية رابعة الحل الأقل سوءا بالنسبة إليهم، برغم ما كان يشاع عن معارضة الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق القائد السابق لجهاز الاستخبارات لهذا الخيار، وبالتالي كانت هذه الولاية بمثابة مرور بالقوة.
الجماعة المحيطة بالرئيس فكرت في كل شيء، واعتبرت أن المرور عبر امتحان الانتخابات الرئاسية التي جرت 2014 هو المحطة الأهم، وأن الرئيس ليس مجبرا على الظهور كثيرا خلال ولايته، وأنه يكفي إظهاره بين فترة وأخرى، ولكن الولاية تستمر خمس سنوات، وصحة الرئيس لم تكن أبدا مستقرة، ففترات غيابه كانت دائما تثير الجدل، خاصة وأن محيطه كان يحاول إخفاء سفرياته للخارج من أجل العلاج بطريقة سيئة، وكانت وسائل الإعلام الأجنبية، وخاصة الفرنسية تكشفها.
صحيح أن زيارات الرئيس للعلاج في الخارج قلت (أو أصبح يتم إخفاؤها بطريقة أفضل) لكن فترات غيابه أصبحت تزداد طولا ونشاطاته تقلصت أكثر فأكثر، فلم يعد يترأس أكثر من مجلسي وزراء في السنة، واستقباله للضيوف الأجانب توقف منذ شهر شباط/فبراير الماضي، أي منذ إلغاء زيارة المستشارة الألمانية انغيلا ميركل في آخر لحظة، وإلغاء عدد من الزيارات بعدها، بما فيها زيارة الرئيس الإيراني، وحتى عندما زار الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو الجزائر مؤخرا لم يتم استقباله من طرف بوتفليقة في سابقة لم تعرفها الجزائر من قبل، كما أن الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد زادت في تسليط الضوء على غياب الرئيس.

من يحكم؟

السؤال الذي تطرحه المعارضة منذ بداية الولاية الرابعة بإلحاح، هو من يحكم في الجزائر؟ هذه الأحزاب والشخصيات المعارضة، تؤكد أن الرئيس لا يعلم جل ما يحدث حوله وباسمه، وأنه يجهل القرارات التي يوضع عليها ختمه، والغريب أن هذا الكلام لم يعد يقوله المعارضون فقط، بل حتى الذين كانوا بالأمس القريب من أكثر المدافعين عن الرئيس بوتفليقة ومن المتشددين له، مثل الوزيرة السابقة للثقافة خليدة تومي التي عمرت لمدة 12 سنة على رأس وزارة الثقافة، وكذا المجاهدة وعضو مجلس الشورى عن الثلث الرئاسي المعين زهرة ظريف بيطاط، ولويزة حنون رئيسة حزب العمال «تروتسكي» التي تحولت منذ 2003 إلى أكثر المساندين لبوتفليقة، رغم أنها تدعي أنها تقود حزبا معارضا تروتسكيا، كما أن المعارضة تتحدث باستمرار عن شغور في منصب الرئاسة، وتدعو إلى تطبيق المادة 102 من الدستور لعزل الرئيس لدواع صحية.
الحكومة وأحزاب الموالاة من جهتها، تؤكد أن الرئيس هو من يحكم، وأنه يتابع تسيير شؤون البلاد أولا بأول، ويستدلون بترؤسه لمجلس الوزراء للتدليل على أن صحته جيدة، وأن الكلام عن تطبيق المادة 102 من الدستور هي مناورة من معارضة فشلت في الوصول إلى السلطة عن طريق الصناديق، وتريد الوصول إلى السلطة عن أي طريق، حتى لو كان ذلك عن ظهر دبابة، على اعتبار أن بعض الأصوات طالبت بتدخل الجيش لوضع حد لما يعتبرونه استيلاء على السلطة.

سعيد اللغز!

يبقى سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الأصغر لغزا حقيقيا. لغز زاد تعقيدا منذ بداية الولاية الرابعة، فالبعض يعتبره الحاكم الفعلي، وخاصة منذ مرض شقيقه، والبعض الآخر يؤكد أنه لا دخل له في كل ما يحصل، وأنه يكتفي برعاية شقيقه الرئيس، والكثير من المسؤولين يقسمون بأغلظ الايمان أنه لم يسبق أن تدخل في عملهم أو اتصل بأحدهم هاتفيا، وأنه حتى ليس مستشارا في الرئاسة، لكن هذا لا ينفي أن ظهوره في الخلفية باستمرار، وأحيانا في الواجهة يطرح أكثر من تساؤل.
صحيح أن سعيد بوتفليقة ما زال يفضل «الظهور» في الكواليس، لكن ظهوره المتكرر في الواجهة هلال الأشهر القليلة الماضية، فتح الباب للتساؤل أكثر عما إذا كان هذا الظهور مقدمة لشيء يتم التحضير له. المرة الأولى كانت في الوقفة الاحتجاجية التي نظمت شهر رمضان أمام مقر هيئة ضبط قطاع السمعي البصري. مجموعة من المثقفين والإعلاميين حضروا لتنظيم وقفة أمام مقر تلك السلطة، احتجاجا على برنامج كاميرا خفية بثته قناة «النهار» (خاصة) وتعرض فيه الكاتب رشيد بوجدرة للإهانة، ولم يتوقع المحتجون أن شقيق الرئيس الذي يصفه الكثيرون بالرجل القوي في النظام سينضم إليهم ويحتج معهم، والظهور الثاني المؤثر كان عندما اشتد الصراع بين رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون ورجال الأعمال وفي مقدمتهم علي حداد، وفي ذروة الصراع ظهر سعيد بوتفليقة في المقبرة على هامش تشييع جنازة رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك، سعيد وقف إلى جانب علي حداد، ولم يتوقفا عن الكلام والتهامس فيما بينهما، وفي الأخير أصر سعيد بوتفليقة أن يركب علي حداد معه سيارة رئاسة الجمهورية أمام الكاميرات، رغم أن رجل الأعمال كان سيركب سيارته، فهم آنذاك أن شقيق الرئيس صفر نهاية المباراة، وأن كفة علي حداد هي التي مالت، وأن نهاية تبون أضحت مسألة أيام فقط، وهو ما حدث بالضبط، لتتم إقالة تبون شهرين ونص بعد تعيينه، في سابقة لم تعرف الجزائر لها مثيلا منذ الاستقلال.
النظام الجزائري كان ولسنوات وعقود طويلة يسير على قدمين، الرئاسة وجهاز الاستخبارات، وكانت كفة جهاز الاستخبارات هي الأقوى، بدليل أن كل الرؤساء الذين انتخبوا أو عينوا منذ وفاة الرئيس هواري بومدين سنة 1978 كان للجهاز يد في وصولهم إلى الرئاسة، لكن بوتفليقة لما وصل إلى الحكم سنة 1999 كان يعرف الأمر جيدا، وكان مقتنعا أن الراحل قاصدي مرباح الأب الروحي لجهاز الاستخبارات بعد الاستقلال هو الذي حرمه من الرئاسة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، وبالتالي جاء منذ البداية بنية تحجيم هذا الجهاز، والحد من سلطته ونفوذه، وهو ما نجح فيه بداية من عام 2013 عندما شرع في تفكيك جهاز الاستخبارات شيئا فشيئا، والتخلص من رجاله من الأضعف حتى الأقوى، إلى أن تمكن من الوصول إلى» قطف رأس» الجنرال توفيق الذي كان يوصف بصانع الرؤساء، والذي أقيل بجرة قلم، وأصبح الجهاز واقعا تحت سلطة الرئاسة أكثر من أي وقت مضى، ولم يعد يسمع لقائده وأفراده رجع صدى ولا يرى لهم ظل. وأصبحت كل السلطات تتركز في يد الرئيس، وهو الحلم الذي طالما راود بوتفليقة، الذي قال ذات يوم في بدايات حكمه: «لن أكون ثلاثة أرباع رئيس».
ولكن، من سخرية القدر أن بوتفليقة وصل إلى هذا «الانجاز» في الربع ساعة الأخير، وبعد أن نال منه المرض، ما يجعله غير قادر على ممارسة كل الصلاحيات التي آلت إليه، ومن هنا يصبح السؤال بخصوص من يحكم في الجزائر أكثر إلحاحا، فالجيش وإن بقي له وزن، فإن جهازه العصبي (الاستخبارات) حجم وقلمت أظافره ولم يعد قادرا على أداء دور سياسي، وهذا أصبح ظاهرا من خلال تخبط الممسكين بزمام الأمور من وراء الستار، فما اتخذ خلال السنوات الأربع الماضية من قرارات متناقضة وخاطئة ومتسرعة لم يسبق أن عرفت له الجزائر مثيلا منذ استقلال البلاد سنة 1962 حتى في عز الأزمة الأمنية والسياسية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد في تسعينيات القرن الماضي، فلم يسبق أن شهدت الجزائر تعديلا حكوميا يتم الإعلان عنه اليوم ويصحح غدا، ولم يسبق أن عرفت الجزائر تعيين وزيرين على رأس وزارة واحدة، ثم يعاد تصحيح الأمر بعد يوم واحد، ولم يسبق أن عين وزير ليقال بعدها بيومين، وليعاد تعيينه في المنصب نفسه بعد شهرين ونصف ويقال مرة أخرى بعد ساعتين ويقال إن الأمر يتعلق بخطأ في برقية وكالة الأنباء الرسمية، ولم يسبق أن غيرت حكومة بعد شهرين ونصف من تعيينها، دون تقديم أي سبب أو شرح لما حدث.
خلافة مستعصية
تسير الجزائر شيئا فشيئا نحو عملية خلافة مستعصية، فالانتخابات الرئاسية موعدها ربيع 2019 لكن كل شيء تقريبا سيحسم في 2018. ورغم أن الوقت يسير بسرعة، إلا أن كل المؤشرات توحي أن الجماعة الحاكمة لم تحسم أمرها بعد، أسماء كثيرة تم تداولها، لكن لم (وربما لن) يتم الاتفاق على أي اسم منها، كثيرون يتوقعون أن يترشح سعيد بوتفليقة لخلافة شقيقه، لكن هذا السيناريو (التوريث) يتم الحديث عنه منذ 2008 وحتى كتابة هذه السطور لا توجد مؤشرات حقيقية لتجسيده، وبالتالي يبدو أن الجماعة قد تغامر بالذهاب نحو ولاية خامسة.
الاستمرار لولاية أخرى سيكون سيناريو صعب التنفيذ، ليس فقط لكون الرئاسة «البوتفليقية» استنفدت قواها وأسباب استمرارها، وليس فقط بسبب أوضاع الرئيس بوتفليقة الصعبة، بل لأن الأزمة الاقتصادية والمالية أتت على كل شيء، ولن يكون سهلا بيع الأحلام والأوهام للشعب، الجميع يتذكر كيف كان رئيس الوزراء الأسبق عبد المالك سلال الذي كان أيضا مديرا للحملة الانتخابية لبوتفليقة يقول للجزائريين: «كلوا واشربوا، الخير كثير والمال كثير». بعدها بأشهر قليلة بدأت أسعار النفط في الانهيار، ومعها كل الأحلام والأوهام، وكشر الواقع عن أنيابه وانفتحت أبواب جهنم شيئا فشيئا على الجزائريين الذين اكتشفوا أن السلطة أنفقت 1000 مليار دولار في 18 عاما (فترة حكم بوتفليقة) دون أن تبني اقتصادا حقيقيا منتجا للثروة، وأنه حتى وإن كانت السلطة قد حققت بعض الانجازات في مجال السكن والهياكل القاعدية والزيادة في الرواتب ورفع مستوى القدرة الشرائية، إلا أن ذلك لا يعفيها من مسؤولية عدم بناء اقتصاد حقيقي، وتقليص التبعية النفطية ولو جزئيا.

الجزائر: غموض على قمة هرم السلطة تحسبا لاقتراب موعد خلافة مستعصية!

كمال زايت

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية