الجزائر في مواجهة معضلات الحاضر الصعب (2)

الجزائر في خطر، لا أحد يجادل في هذا إلا أعمى البصر والبصيرة. المتتبع للأحداث وللتحركات المحلية والجهوية والدولية، يدرك ذلك بسهولة. النار التي كانت بعيدة أو بدت كذلك، تستعر عند الأبواب ويجب التفكير في حلول حقيقية والخروج من عقلية رجل المطافئ الذي يكتفي بإخماد النيران المشتعلة هنا وهناك متناسياً أنّ ناراً أشد فتكاً تظل نائمة تحت الرماد.
هذه العقلية لم تعد اليوم كافية أمام تعقد الأوضاع. اليسار والوسط واليمين، الأعداء والأصدقاء، الموالاة والمعارضة تؤكد كلها على أن الوضع لا يبشر بخير. الجزائر التي عاشت إرهابها القاسي، وتخطته جزئياً بأثمان باهظة، تعيش اليوم على وقع كل الاحتمالات في غياب أدنى الاستراتيجيات، لدرجة يجد المحلل نفسه في حالة من التساؤل المربك: هل يدري الجزائريون، حكاماً ومعارضة وشعباً أيضاً، أي المخاطر المدمرة تتهدّد الجزائر؟ وأن عليهم أن يفعّلوا كل الطاقات الحيوية السياسية، وغيرها، لدرء خطر انهيار الدولة ومؤسساتها والدخول في الفوضى الخلاقة للدمار والبؤس والمزيد من التخلف؟
الجزائر هي البلد الوحيد المتبقي من رماد الربيع العربي، الذي لم تمسسه حرائق التحولات المسروقة، ربما لأنه عاش نار الإرهاب في وقت مبكر بدون أن يستمع لصراخه أحد، وربما أيضاً أن المال النفطي المتجمد (حوالي مائتي مليار دولار) حل بعض المشكلات الاقتصادية المؤقتة، لكن ما هو آت لا يبشر بخير إن استمرت أسعار برميل النفط في النزول، وهي اليوم تقترب بخطى حثيثة من سعر التكلفة في الجزائر، أي 20 دولاراً للبرميل، وانهيار القدرة الشرائية، وتنامي التضخم، وتراجع الدينار أمام مختلف العملات، وانهيار كل مشاريع التحول الديمقراطي الفعلي التي كان يمكنها أن تنقل الجزائر نقلة نوعية قبل أن يتم تحجيمها. لا أحد ينكر هذا الخطر المميت والداهم، مثل السرطان الذي ما يكاد يمس الجسد حتى يفتت خلاياه وينهكها بإفقادها نظام مناعتها الطبيعي، قبل أن يجهز عليها.
العرب ليسوا وحدهم في هذا العالم. فهم في عمق نظام دولي جديد يقوم بنسف العالم القديم، الذي لم يعد يناسبه، وتعويضه بعالم آخر، في عمل استباقي يُبقي العرب على ما هم عليه والاستحواذ على الكتلة النقدية التي راكموها إبان الطفرة النفطية بإغراقهم في الحروب البينية وتنشيط لوبي السلاح الأمريكي والأوروبي . بغض النظر عن الأنظمة الدكتاتورية العربية التي كان يجب أن تزول، وستزول كلها إن آجلاً أو عاجلاً، فقد حدث ذلك في العراق وكانت وسيلة النظام الجديد هي الفتك الطائفي الذي أحرق كل إمكانية للتطور، في سوريا تم إيقاظ الطائفية البغيضة والإثنية والعرقية التي أدت إلى حرق كل معالم الحياة في ظل حرب عمياء ومبيدة للإنسان. مصر أيضا لم تفلت من كماشة التآكل الداخلي، ففقدت المبادرة ديمقراطياً واجتماعياً وعسكرياً، وبدأت تدخل في دوامة الحرب الأهلية التي تتضح من يوم لآخر في شكل حرب خفية بين النظام والإخوان المسلمين والخزان الاجتماعي الصامت، تذكر ببدايات الحالة الجزائرية في تسعينيات القرن الماضي.
ومن نتائج هذا التفكك العربي الممنهج، استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية المصنّع في المخابر المحلية والغربية، على المواقع النفطية وبيع النفط في الأسواق العالمية المتوحشة التي لا تكلف تجار النفط شيئاً، بتواطؤ العالم المأزوم بشكل فاضح. تلك تبعات النظام العالمي الجديد التي كسرت كل شيء يمكنه أن يقف في طريقها، في عالم القطبية الأحادية الجديد التي وضعت العرب، ووضعوا أنفسهم أيضاً، في دائرة القنص والتبعية وقبول الموت المبرمج.
الجزائر اليوم ليست بمعزل عن هذه الشرطية القاسية. فما هي الدروع الواقية، والاستباقات المجهّزة لمواجهة الوضع، أو على الأقل تعطيله؟ باستثناء الخطاب الذي لم يعد يقنع أحداً، لا يوجد شيء واضح يبين أن هناك إدراكاً للمخاطر المحدقة بالبلاد.
اجتماعياً، قنبلة البطالة الموقوتة والأخطر، موجودة وتكبر كل يوم قليلاً ولم يعد الفائض المالي الذي تبخر بسرعة، كافياً لمواجهتها. مطالبها تتعقد في كل لحظة.
سياسيا تبدو حرب الخلافة على أشدها حتى قبل انتهاء العهدة الرئاسية (2019)، بين نظام متصلب ويقيني يرفض أن يتجدد، ومعارضة مهلهلة تلتصق بأية شعرة تقربها من الحكم، مهما كان الثمن.
اقتصاديا، محاولات التنمية العشوائية، في ظل فساد معمم، لم تعط الشيء الكثير. حتى الزراعة على الرغم من الكثير من المؤشرات الإيجابية، التي كانت وراءها القوانين الزراعية الجديدة، وجهد الفلاحين بالخصوص في المناطق الجنوبية، إلا أنها فشلت في أن تدخل في منظومة اقتصادية معقلنة، تعمل على حماية الفلاح ومُنتَجِه. طماطم الجنوب التي أنتجت بقوة، انتهى الكثير منها في المزابل، لأن وسائل المحافظة والتبريد والتحويل الصناعي، غير متوفرة.
الفساد المالي الذي انتشر بشكل سرطاني في كل مؤسسات الدولة، وازدهار الريع النفطي في ظل أزمة اقتصادية محلية ودولية، وسوء التسيير، حرم الجزائر من إمكانية حقيقية للخروج نهائياً من دائرة التهديدات المحدقة بها. وبدل التفكير في التغيير الحقيقي الذي يدفع بالمجتمع إلى الأمام، تم تنشيط الولاءات التي كثيراً ما تبنى على المصالح الآنية، التي لم تتح أية فرصة للرأي النقدي البناء فرصة التحول العميق وظهور حكامة حقيقية في التسيير، قادرة على ضمان وفاق وطني حقيقي. جيد أن تسير البلاد برأس واحد بعيداً عن جهاز المخابرات الذي له وظائفه الخاصة، وأن لا يُصنّع الرئيس في الخفاء كما كان الأمر دائماً، وجيد أيضاً أن يتم تطوير الوسائل الديمقراطية التي يمكنها تعميق حس المواطنة الذي يمنح لكل أفراد المجتمع الحق في أن يجدوا مجالاتهم التعبيرية والتنظيمية الحقيقية. لكن الأجود هو أن ينجز ذلك ضمن منظور وطني فعال يخرج عن دائرة تصفية الحسابات الضيقة. بغير ذلك ستصبح التطرفات المختلفة هي المحصلة الطبيعية والمؤدية في النهاية إلى المزيد من الخراب والتفكك. من هنا، القول بأن الجزائر في خطر ليس كلاماً اعتباطياً. فهو يستند على حقائق وطنية وجهوية ودولية. ناهيك عن مشكلات الداخل، فهي في كماشة حقيقية. كل الحدود غير مؤمنة مطلقاً. تونس، ليبيا، المالي، نيجر، موريتانيا والمغرب.
السلاح الذي يدخل إلى الجزائر ويتم كشف مخابئه أو جزء منها، من طرف الجيش، مخيف بعدته وعدده ونوعيته. مما يجعل الجزائر عرضة لتفكك خطير، تسنده خرائط تتحرك اليوم بين الأيدي بمزيد من الخوف والحيرة، يعلم الله وحده كوارثها وضحاياها، في ظل مجتمع ما يزال محكوماً بثنائيات مظللة، وبثقافة سياسية محدودة تسيرها الاختزالات، وكمّ من الخيبات المتراكمة واليأس: قبائلي عربي، فرانكفوني معرب، حداثي تقليدي، ديني إلحادي، غني فقير… ثنائيات سهلة لا تقود إلا إلى المزيد من العنف والتفكك المجتمعي.
الخطر لم يعد كلمة للتخويف ولكنه حقيقة يجب أن تؤخذ بجدية لأن البلاد أصبحت مهددة وجودياً. وكل المؤشرات في الأحمر. الخطابات الوطنية، بلا تغيرات مقنعة على الأرض، سترتد على أصحابها في شكل ردود فعل غير مؤمنة.

الجزائر في مواجهة معضلات الحاضر الصعب (2)

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية