نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: مساء السابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر الحالي ألقى الجنرال خليفة حفتر، خطابا متلفزا للشعب الليبي أعلن فيه أن اتفاق الصخيرات أصبح منتهي الصلاحية ولا قيمة قانونية له وأنه لن يلتزم به ولا بكل ما انبثق عنه من آليات بما فيها المجلس الرئاسي. ثم تابع معلنا ألا شرعية الآن إلا للجيش الوطني الليبي. وتبريرا لهذا الموقف قال إن الاتفاق أصلا يخدم لسنتين من تاريخ توقيعه في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 وبالتالي وصل إلى نهايته ولم يعد قائما. وقال إنه لن يعترف بأي سلطة مهما كانت شرعيتها «ما لم تكن منتخبة من الشعب الليبي». وأضاف: «مطلع اليوم 17 كانون الأول/ديسمبر هو تاريخ انتهاء الاتفاق السياسي، وانتهاء أي جسم انبثق عنه ورغم كل الشعارات البراقة من الحوارات السياسية من غدامس مرورا بجنيف والصخيرات وانتهاء بتونس، انتهت كلها حبرا على ورق». ردا على هذا الموقف المستجد دعا غسان سلامة، المبعوث الأممي إلى ليبيا، جميع الأطراف الليبية إلى «الامتناع عن تقويض العملية السياسية». وقال في الذكرى الثانية لاتفاق الصخيرات: «إن الليبيين يطمحون إلى دولة فاعلة توفر الخدمات، بدءا من الأمن وصولا إلى الصحة العامة والتعليم، وهذا بالذات ما تنوي خطة عمل الأمم المتحدة تحقيقه». وتمنى على جميع الأطراف الليبية أن ينصتوا إلى صوت مواطنيهم و«الامتناع عن القيام بأي أعمال يمكن أن تقوض العملية السياسية».
مجلس الأمن الدولي من جهته أكد في بيان رئاسي يوم 12 كانون الأول/ديسمبر على أن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية هو «الإطار الوحيد القابل للاستمرار» لحل الأزمة السياسية في ليبيا، مشددا على أنه ليست هناك حلول عسكرية للأزمة، في إشارة تكاد تكون موجهة للجنرال الذي يعد بحسم الأمور عسكريا في كافة أرجاء ليبيا.
بهذا التصريح يكون الجنرال حفتر قد ألغى ثلاث شرعيات متشابكة في الملف الليبي بضربة واحدة:
أولا – شرعية فايز السراج والمجلس الرئاسي المعترف بهما رسميا ويتعامل المجتمع الدولي مع هذا الإطار بصفته التمثيلية. فالسراج ظل يمثل ليبيا رسميا منذ توليه مجلس الرئاسة كما استقبل كرئيس دولة في أكثر من بلد.
ثانيا – شرعية مجلس النواب الذي تجاوزه حفتر وأصبح كأنه غير موجود فقد بدأ يصدر فرمانات من عنده ويوقعها دون إي اعتبار للبرلمان كان آخرها أوامر من وزير الداخلية العقيد يونس بلقاسم الذي قرر تشديد الحراسة على مكاتب الاقتراع التابعة للجنة الانتخابات الليبية العليا وذلك «بناء على أوامر من الجنرال حفتر». كما أقر حفتر بمبدأ الانتخابات لكنه طالب بنقل مقر اللجنة الوطنية العليا للانتخابات من مقرها في طرابلس وتغيير أعضائها.
ثالثا- شرعية مجلس الأمن والقرارات العديدة التي اعتمدها المجلس لحصر التمثيل والتعامل مع القنوات الرسمية الليبية التي يمثلها المجلس الرئاسي والذي انبثق من «الاتفاق السياسي الليبي» الذي وقع في الصخيرات كأساس لأي حل للأزمة حسب ما جاء في قرار مجلس الأمن 2259 (23 كانون الأول/ديسمبر 2015). وقد أنجز هذا الاتفاق في عهد الممثل الخاص للأمين العام برناردينو ليون ثم ظل مصدر الوساطة الأساسية للممثل الخاص مارتن كوبلر وأخيرا غسان سلامة.
استمر مجلس الأمن يتعامل مع الملف الليبي باجماع لم يتوفر في بقية الملفات. وكان آخر قرارات المجلس القرار رقم 2376 الذي اعتمد في أيلول/سبتمبر الماضي بالاجماع والذي بموجبه تم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في ليبيا «أنسميل» حتى الخامس عشر من أيلول/سبتمبر عام 2018.
وجاء في القرار أن البعثة تتولى، بصفتها بعثة سياسية خاصة متكاملة، ممارسة الوساطة وبذل المساعي الحميدة لتقديم الدعم على صعيد إجراء عملية سياسية شاملة للجميع في إطار «الاتفاق السياسي الليبي» ومواصلة تنفيذ الاتفاق.
وأكد القرار على ضرورة وقف دعم أي مؤسسات بديلة تدعي لنفسها الشرعية بينما هي خارج نطاق الاتفاق السياسي وأن تكف تلك الجهات عن إجراء اتصالات رسمية مع تلك المؤسسات.
لكن مجلس الأمن لم يتعامل بجدية في رفض وجود قوة موازية للشرعية التي يمثلها السراج. فهناك ثلاث دول على الأقل من بين أعضاء مجلس الأمن توافق على القرارات وتصوت لصالحها والتي تنص على عدم مساندة قوى أخرى غير المجلس الرئاسي. ومن جهة أخرى تتعامل مع حفتر وتدعوه إلى دولها وتتفاوض معه وتقدم له الدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري. وهذه الدول هي فرنسا وروسيا ومصر. فقد دعي حفتر إلى هذه الدول الثلاث في زيارات رسمية. وفي فرنسا استقبله الرئيس ماكرون ورتب لقاء بينه وبين السراج في 25 تموز/يوليو الماضي ليخرج حفتر من اللقاء أكثر غرورا وعنجهية. وقد كشف عن مقتل اثنين من القوات الفرنسية الخاصة في بنغازي وهي تساند قوات حفتر في معركته مع جماعة أنصار الشريعة.
إذن أدرك غسان سلامة منذ قبوله بالمنصب أن الاتفاق فيه العديد من الثغرات وأن إعطاء الليبيين، ممثلين بالتجمعين الكبيرين حكومة طرابلس وبرلمان درنة، فرصة مراجعته وتعديله أمر مهم بداية. لذلك وضع خريطة طريق تقوم على ثلاث مراحل: تعديل الاتفاق السياسي، عقد مؤتر عام للمصالحة والوحدة ثم تأتي المرحلة الثالثة التي تتمثل في إعداد دستور جديد يجرى الاستفتاء عليه ثم الانتخابات خلال سنة من التوافق على التعديلات. وعقد سلامة جلستين ناجحتين في تونس حول إجراء التعديلات لكن الثالثة انفضت دون أن تسفر عن أي اتفاق أو تحديد موعد لاستئنافها. أي أن سلامة ما زال يراوح في المربع الأول من خريطة الطريق التي عرضها على مجلس الأمن وأيدها الأعضاء بالاجماع.
يبدو أن الجنرال حفتر يقلد المشير عبد الفتاح السيسي في بيان 30 حزيران/يونيو 2013 عندما أعطى السلطة المنتخبة 48 ساعة للتراجع والرحيل وكان مستندا على الأقل نظريا بملايين المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع يطالبون بإنهاء حكم الإخوان المسلمين.
الفرق بين الحالتين أن في مصر كانت فيها حكومة واحدة معترفا بها ولم تكن هناك ميليشيات مسلحة منتشرة في طول البلاد وعرضها كما هي الحالة في ليبيا. بالإضافة إلى ذلك وجود حاضنة شعبية، ربما مبالغ في حجمها، لكن بالتأكيد كانت الأجواء ملائمة للسيسي في تقبل قيام العسكر بالسيطرة على الوضع وهي غير متوفرة في الحالة الليبية.
وقد يكون حفتر يوجه القرار للأمم المتحدة ويريد أن ينهي أي دور للمجتمع الدولي واستبداله بدور إقليمي داعم له ولتوجهاته خاصة من مصر والإمارات العربية المتحدة. لكن الدور الأممي لا غنى عنه ليس فقط في المجال السياسي بل في المجالات الإنسانية وموضوع الهجرة غير الشرعية ومراقبة السواحل وتقديم المساعدات للمشردين ومحاربة الجماعات الإرهابية وغير ذلك.
أما إذا كان حفتر يوجه كلامه للشعب الليبي فيبدو أن مراهناته على خروج الجماهير بمئات الألوف للتظاهر من أجل تأييد الجيش قد خابت. بل اعتبر بعض الكتاب الليبيين البيان عبارة عن حملة انتخابية لأنصاره في حال عقدت الانتخابات في موعدها في الربيع المقبل كما كان مقررا.
الأزمة الليبية ببيان من العسكر تدخل منعطفا جديدا قد يفاقم حالة الفوضى إذا ما أحست بعض الأطراف أن حفتر قادم بعسكره لانتزاع المناطق الخارجة عن سلطته، فتعيد تسليح نفسها وتطرق أبواب القوى الإقليمية الأخرى للمساندة.
أما مهمة غسان سلامة فقد تصل إلى طريق مسدود هي الأخرى إذا ما استمر الجنرال مسيطرا على برلمان طبرق. وبالنسبة للأمم المتحدة يتطلب اعتماد الاتفاق السياسي الليبي موافقة البرلمان التي لم تأت بعد تحت الضغوطات والتهديدات. وعند اعتماد الاتفاق تبدأ مرحلة السنتين لا كما فسرها الجنرال بأن الاتفاقية.
الشيء المؤكد أن مهمة سلامة قد تجد من العثرات ما يجعله ينسحب من المشهد إذا تأكد من الفشل. فهل سيتخذ مجلس الأمن والقوى الأوروبية الداعمة وخاصة ايطاليا موقفا حازما من موقف الجنرال؟
عبد الحميد صيام