إنّنا إزاء المعركة غير المتكافئة، حيث يقوم كيان يمتلك جيش احتلال بمهاجمة سكان مستعمرين ومحاصرين، ويريدهم في المقابل ألا يقاوموا، بل يموتوا في صمت.
وفي هذا السياق عملت إسرائيل بقوّة كي لا يدرك العالم أنّنا إزاء معركة تحرّر وطني لشعب يواجه استعمارا عسكريا مباشرا، جعلت الأمر يُتداول على أنّه «العنف الفلسطيني» إزاء دولة اسرائيل، وهو المتواتر في أعمدة الصّحف العالمية التي تخضع بشكل من الأشكال لضغط اللوبيات الصهيونية العالمية، التي وفّرت كمّا هائلا من الجهد الدعائي لصالح الجانب الاسرائيلي، وهي في ذلك لا تدّخر عطاء تمويليّا، كما تحظى بتغطية سياسية ودبلوماسية من الكونغرس الأمريكي وأغلب المؤسّسات الدولية الخاضعة للقوى الكبرى صانعة الإمبريالية العالمية. فلا مجال عندئذ للحديث عن إمكانية حماية المدنيين من قبل الأمم المتّحدة أو غيرها، حين تصبح إسرائيل فوق القانون الدولي، عابثة بالقرارات الدولية، ولا تعير اهتماما لحقوق الإنسان التي أصبحت وجهة نظر قابلة للتأويل والتلاعب.
يدرك الكثير من الإسرائيليين اليوم أنّ الصهيونية كحركة عدائية لم تقدّم لهم شيئا يُذكر سوى أنّها غيّبت الشعور بالأمان، وهو شعور يتنامى أكثر من أيّ وقت مضى. والرّاسخ في بنية الإعلام الغربي أن يقدّم مزيدا من التقارير عن العنف والارهاب في العالمين العربي والإسلامي، وهو الحدّ الأقصى المسموح به، كما سبق وأكّد ادوارد سعيد، ويمنع بثّ وجهة نظر مختلفة تبحث في تنوّع الثقافة العربية الإسلامية وغناها وثراء مخزونها.
لقد كتب نورمان فينكلشتين كتابا عنوانه «صناعة الهولوكوست» وكان يجب أن يضمّ ما فعله الأتراك بالأرمن في بداية القرن العشرين، وكذلك ما فعله الأمريكيون بالمايا والأزتك السكّان الأصليين وبالأفارقة الذين جُلبوا بالملايين ليُعاوا العبودية والرقّ والقتل الفظيع بعد ذلك، وكذلك ما فعله الإسرائيليون بالفلسطينيين. فإسرائيل تسعى لجعل مصطلح الهولوكوست مرتبطا في الذّاكرة العالمية بما حصُل لليهود من قبل النازي،ة وهو ما يبرّر انكار شمعون بيريز عندما كان وزيرا للخارجية أن يكون الأرمن قد تعرّضوا للإبادة العرقية إثر لقاء أجرته معه الصحافة التركية .
إنّه المسعى لجعل الهولوكوست مقتصرا على التجربة اليهودية لإضفاء شرعية على الأفعال الإجرامية ضدّ شعب فلسطين، كنوع من ردّ الفعل الغبيّ للتّحالف المسيهودي ضدّ الإسلام والمسلمين. هكذا يتمّ تأكيد الحقيقة التاريخية لا أن تُعرض صناعة الهولوكوست بتكريس للقوّة من منظور أدبي يحاول ألا يكون مسيئا للرأي العام الإسرائيلي، وهنا يبتعد فينكلشتين عن ملامسة المعاناة الحقيقية لضحايا الهولوكوست الحقيقيين. وهكذا يعيد العقل النقدي استنطاق القضايا ومساءلتها وفق منهج سوي بعيدا عن أشكال القسر والإملاء.
لقد استغلّ الصهاينة عقدة الذنب الأوروبية إزاء ما حدث لليهود في أوروبا وقد دفع الفلسطينيون ثمن ذلك، فتمّ اخراج شعب قوامه ثمانمئة ألف نسمة عام 1948، وهو ما تصرّح به السجلّات العسكرية الاسرائيلية. ومنذ ذلك الحين يقدّم الإعلام الغربي اسرائيل على أنّها دولة محبّة للسّلام والعرب هم المخطئون، لذلك ينبغي نبذهم حسب الصهيونية المسيحية التي تكرّس هذا الفهم بعد أحداث 11 سبتمبر، عبر أجهزة الإعلام المؤثّرة عالميّا. وفي الأثناء لم تكن للعرب أبدا سياسة إعلامية موحّدة، وهو أمر مستمرّ إلى أيّامنا هذه، ويُنظر إلى العرب والمسلمين بوصفهم إرهابيين ومتعصّب،ين ويجري توصيف الإسلام بوصفه دينا عنيفا، خاصة مع تنامي أشكال الاسلاموفوبيا في الأوساط الغربية منذ بداية الألفية الثالثة من القرن الحالي.
نعلم تاريخيا ووثائقيا أن الألمان والبريطانيين هما من صنعا مأساة فلسطين، فقد اقترف الألمان فعل المحرقة، وسلّم البريطانيون فلسطين للصهاينة، فهل يتوجّب على الفلسطينيين دفع فاتورة حماقة أوروبا لتتحالف اليهودية والمسيحية ضدّ الإسلام، في نوع من ردّ الفعل التآمري يصبح فيه المسلمون أعداء للتحالف المسيهودي، وهو الغطاء النظري الماكر الذي ألبس القضية الفلسطينية لبوسا دينيّا تاريخيّا دفعا نحو طمس التاريخ وتزويره تحقيقا لفكرة النّقاء العرقي، والحفاظ على الشخصية اليهودية للدولة المفروضة المرفوضة والتي لا تقبل حتى فكرة الدولة ثنائية القومية، أو أن تكون الأرض لشعبين، ولكن إسرائيل تستمرّ في ترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم وتواصل بناء المستوطنات وتسلب الحقوق وتفتكّ الأراضي، ولا مجال للسّلام من هذا الموقع ما دام الطّرف الاسرائيلي يرفض التّعايش السّلمي ويُصرّ على البروز ككيان عدواني ووظيفي لا يعترف بالحدود وله طموحات استعمارية وتوسّعية لا تنتهي وتتجاوز خطوط الهدنة المُعلن عنها.
إنّ معنى الالتفاف والازدواجية بات مكشوفا للعالم، فالفلسطينيون يتمّ قتلهم يوميّا وأمريكا مازالت تتحدّث عن الديمقراطية. أليس ما تقوم به إسرائيل يُعدّ انتهاكا لمعاهدات جنيف ولميثاق الأمم المتحدة وقراراتها المختلفة. فإلى متى يتواصل مثل هذا التّجاهل في النظر الذي يُشرّع لعقلية المُكابرة؟ أم أنّ الجميع عبدةُ مصالح ليس لها معبد ولكنّها تُعبدُ، بما في ذلك الحكومات العربية التي يبدو أنّها لا تمثّل الناس أصلا.
كاتب تونسي