النخب الحاكمة العربية راهنت على القطيعة مع العقول المفكّرة، أقصت عقول الأمّة واستبعدتها عن أيّ مجال للفاعلية النقدية أو الاصلاحية التوجيهية، وهو أمر غير طبيعي. فقد حكم على المجتمعات بالإفلاس الفكري والثقافي، وأصبحت في النهاية معظم الشعوب العربية تُساق من قبل إقطاعيات، وباتت أجهزة الدولة جميعها تعمل لحساب الحاكم صاحب الأمر والنهي.
ومثل هذه الترسيمة خلّفت حالة من اللّامبالاة والضّياع التامّ لدى أغلب جماهير الأمّة، التي أصبحت تهتمّ بشؤونها الذاتية ولا تعير اهتماما للمجال العام، لأنّها تعتبره غريبا عنها وليس لها فيه متاع ولا باع، فهو ملك أقلية حاكمة تُدار الأمور لحسابها، وفي النهاية مثل هذه الأنانية التي تملّكت النخب الحاكمة انسحبت بدورها على الجماهير التي فقدت أي نوع من أنواع التضحية من أجل الوطن ومؤسّساته، لأنّها ببساطة فقدت الثقة في مثل تلك المؤسسات. وليس بالمستغرب حينئذ أن يهتمّ المواطن العربي بنظافة منزله أكثر من الشارع أو الحيّ الذي يقطنه، وأن يشتغل أقلّ من ساعة في اليوم، وهو يتقاضى أجر ثماني ساعات. إلى غير ذلك من أشكال الخمول والكسل، الذي نتج عن غياب الوعي في تمثّل مفهوم الدولة والمواطنة الفاعلة، ضمن الأطر الاجتماعية المشتركة. وحتّى بعض العقول المستنيرة يُقابَل فكرها الاقتصادي والسياسي بعدم اكتراث النخب الحاكمة المغرورة بطبعها، التي تتصوّر إدارة الدولة تكفلها الأجهزة الأمنية ومجموعة من المستشارين.
مثل هذا المسار أضاع فرص التغيير والتقدّم عندما استبعد العقول والمواهب. فالدولة لا يمكن أن تتقدّم بعصا الأمن واستشارة مدفوعة الثّمن مسبقا، وفئة باحثة عن الارتزاق والتكسّب. وهي أرضية مواتية للاتّباع والتقليد وتبنّي النماذج الغربية، التي اقتحمتنا فأصبحنا نرى أنفسنا بعيون الآخر الغربي، وحينها لم يعد «النموذج الإدراكي» كما يسمّيه عبد الوهاب المسيري يشكّل هويتنا، وعُطّل المشروع العربي قسرا واملاء، في غياب العقل التوليدي النقدي والاقتحامي.
كثير من الكتاب والعلماء العرب من المهاجرين إلى بلاد الغرب أو الزّائرين، وحتى المتابعين عن بعد، أصبحوا ينظرون إلى العالم بمنظار الغرب الذي تأثّروا به، ففقدوا هويتهم أو شارفوا على فقدانها. وفي النهاية تراجع الإبداع في أوطانهم لأنّ الأمّة لا يمكن أن تبدع إلّا من داخل اللغة الأمّ ، بمعنى تشكيلها الحضاري الخاص، وعندما يهرول الجميع مقلّدين ومتأثّرين يصبح الإبداع إن وجد محسوبا على فضائهم الحضاري الغربي الذي اندمجوا فيه، وهم الذين فقدوا انتماءهم الهوياتي والحضاري، فأصبحوا تابعين ومكرّرين للنموذج الغربي. والمؤسف أنّ الأصوات تزداد كثرة مع زخم العولمة التي هي سلاح متقدّم في ضرب الهوية والخصوصية الحضارية، وهي أصوات فقدت احترامها لذاتها ولثقافتها المحلّية، وأصبحت تُجاهر بمشروع الآخر وتُروّج له جهلا وتغافلا، أو تعنّتا ومكابرة وما هو في حقيقته إلّا مشروع للهيمنة والتّدجين والسيطرة، عبّر عنه الكاتب السياسي الإنكليزي منذ فترة مبكّرة في 2 فبراير عام 1835 بقوله: «لقد سافرت في الهند طولا وعرضا، ولم أر شخصا واحدا يتسوّل أو يسرق. لقد وجدت هذا البلد ثريّا لدرجة كبيرة، ويتمتّع أهله بقيم أخلاقية عالية ودرجة عالية من الرقيّ، حتّى إنّني أرى أنّنا لن نهزم هذه الأمّة إلّا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي، ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحلّ محلّ النظام القديم، لأنّه لو بدأ الهنود يعتقدون أنّ كلّ ما هو أجنبيّ وإنكليزي جيّد وأحسن ممّا هو محلّي، فإنّهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلّية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمّة تمّ الهيمنة عليها تماما».
لقد تغيّرت الهند فعلا مذ ذاك الزمن، وتغيّرت الأمة العربية والاسلامية أيضا نتيجة مشروع الهيمنة الذي استهدف تراثهم الروحي والثقافي، وبحث عن تعويضه بالنمط الاستهلاكي المادّي، ولا يزال الاستعمار الغربي بأنماطه المختلفة يستخدم هذا المنهج ضدّنا راغبا في عدم ترك الفرصة لنا كي نُفعّل حضارتنا ونستأنف مشروعها الابداعي، متمسّكين بهويتنا وموروثنا الروحي والقيمي. وتبقى عملية تفعيل الهوية مسألة ضرورية في عملية النهوض الحضاري لإدارة المجتمع بطريقة إنسانية بعيدا عن الرغبة الاستهلاكية الشّرسة التي يُصدّرها الغرب ويبحث عن تحويل المجتمعات إلى مجتمعات مفرطة في الاستهلاكية غير عابئة بالجوانب الإنسانية ولا القيمية الأخلاقية ولا الروحية.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي