«الحبة القاتلة» وسيلة رخيصة وسريعة لتزايد حالات الانتحار وعشرات الدول العربية والأوروبية تحظر استعمالها

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: لليوم التالي احتلت المقالات والتحقيقات والصور عن ثورة يوليو/تموز وزعيمها خالد الذكر جمال عبد الناصر معظم مساحات الصحف وبرامج التلفزيون الرسمي، وبعض القنوات الفضائية، وأغلبيتها الساحقة أشادت بالثورة وزعيمها وإنجازاته، وقليل منها هاجمها واعتبرها من الكوارث التي أصابت مصر وأورثتها المشاكل التي تعاني منها الآن.
وألقى الرئيس السيسي كلمة في هذه المناسبة، وهو يحضر تخريج دفعة جديدة من طلبة الكلية الحربية، ولفتت انتباه الجميع فقرة في كلمته المكتوبة قال فيها عن زعماء مصر: «في عيد ثورة يوليو المجيدة نذكر بكل الإعزاز أسماء الرجال الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم من أجل هذا الوطن الغالي، نذكر اسم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر قائد الثورة، الذي اجتهد قدر طاقته للتعبير عن آمال المصريين في وطن حر مستقل تسوده العدالة الاجتماعية. نذكر كذلك اسم الزعيم الراحل أنور السادات، الذي بذل حياته ذاتها في سبيل الحفاظ على الوطن وصون كرامته وحماية أراضيه. والرئيس الراحل محمد نجيب الذي لبى بشجاعة نداء الواجب الوطني في لحظة دقيقة وفارقة».
ولم تكمن اهمية الفقرة في إشادته بالرؤساء الثلاثة عبد الناصر والسادات ومحمد نجيب، لأنه سبق وأشاد بالسادات وحتى عندما اشترت مصر حاملتي طائرات هليوكوبتر فرنسية من نوع ميسترال، أطلق اسم عبد الناصر على واحدة وعلى الثانية أنور السادات، كما اطلق اسم محمد نجيب على أكبر قاعدة عسكرية حديثة غرب مصر، إنما أهميتها في وصفه لعبد الناصر بأنه عمل على بناء وطن تسوده العدالة الاجتماعية، ولم يعمم الوصف على السادات ونجيب. واللفتة الثانية كانت منح قلادة النيل لاسم العقيد أركان حرب يوسف منصور صديق، عضو مجلس قيادة ثورة يوليو، وتسليمها لابنته. والأهمية هنا أن يوسف منصور كان قد سبق موعد الاستيلاء على مقر قيادة الجيش بمدة ليحبط أي محاولة من وزير الحربية وقتها ضد الانقلاب، بعد أن سمع عن خروج بعض الوحدات من معسكراتها. يوسف كان شيوعيا مثل خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة، وكانا ينتميان إلى حركة «حدتو». كما تجدر الإشارة إلى أن الكاتب عبد القادر شهيب رئيس تحرير مجلة «المصور» الأسبق وكان ماركسيا تزوج من الابنة الكبرى ليوسف صديق، عليهما رحمة الله. واحتل موضوع قرار الكنيست الإسرائيلي بحرمان العرب الإسرائيليين من المشاركة في حق تقرير المصير، وقصره على اليهود فقط مجالا كذلك في الصحف المصرية. واشارت الصحف إلى بدء الموجة العاشرة من حملات الدولة لاستعادة الأراضي الزراعية وأراضي البناء، التي استولى عليها أفراد ولم يقوموا بتقنين أوضاعها، حسب المدة التي حددتها الدولة. واهتم كثيرون بانتهاء المرحلة الأولى من القبول في الجامعات وبدء المرحلة الثانية وأيضا بالاستعدادات للحج. وإلى معظم ما عندنا.

ثورة يوليو

نبدا بأبرز ردود الأفعال على ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز عام 1952 حيث تنهد يوم الاحد في «الأخبار» كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية في عموده اليومي «إنها مصر» وتحسر على عدم وجود أغان وطنية تشحن وجدان الشعب، كما شحنته أغاني الثورة وقال: «من أجمل أغاني عبد الحليم حافظ «وصحيت على ثورة بترج الدنيا ولقيت أوطاني حكمها في إديا وجمال قدامي بينادي عليا».‬ وعندما تغني الشعوب لثوراتها يسمو الفن بالمشاعر النبيلة ويخفف حدة الاحتقان ويضمد جراح الضحايا، فالفن هو البوابة التي يعبر منها الحدث إلى القلوب. عبد الحليم كان زعيماً لأغاني ثورة 23 يوليو، ورسم صوتها على الشفاه وزود الجماهير المشتاقة للحرية بالحماس والأمل. وأهم مزايا ثورة يوليو أنها وضعت الفن في مكانة عالية، فوضعتها الفنون في قلوب الجماهير، فلماذا جفت الكلمات في الأفواه ولم نعد نغني لثوراتنا واحتفالاتنا الكبرى؟ في ذكرى ثورة يوليو ما أحوجنا لاستدعاء أغاني الثورة ليس حنيناً للماضي بأفراحه وأحزانه، ولكن للتطلع إلى المستقبل من بوابة المشاعر الوطنية الجميلة.
والمعروف أن عبد الحليم حافظ كان له أربع وأربعون أغنية عن الثورة وجمال عبد الناصر، وكان لقبه صوت الثورة، ولا يزال التلفزيون الحكومي يذيعها وهو يستعرض مشروعات النظام الحالي. وكانت هناك أغان أخرى مهمة لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ومحمد رشدي، وقد تفاعلت الثورة منذ قيامها مع الفنانين والأدباء، فمنذ قيامها قام المشرفون على الإذاعة بعدم إذاعة أي أغان لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، بحجة أنهما غنيا للملك فاروق، ولما علم عبد الناصر بالأمر غضب بشدة، وأمر باستمرار إذاعة أغانيهما، كما تجاوب فنانون كثيرون مع الثورة ومشروعاتها، وجمع التبرعات للمجهود الحربي والسفر في قطار الرحمة، وهو الذي كان يطوف بالمحافظات لجمع التبرعات للفقراء، وكان لافتا مشاركة الفنانة نجمة إبراهيم بحماس، رغم احتفاظها بديانتها اليهودية، ولما أصيبت بمرض في عينيها أفقدها البصر، أمر عبد الناصر بسفرها إلى إسبانيا على نفقة الدولة، وأجريت لها عملية استردت بعدها بصرها وعاشت وماتت ودفنت في مصر، بينما شقيقتها الفنانة راقية إبراهيم غادرت مصر في الستينيات وبدأت في مهاجمتها».

الثورة الأم

وفي جريدة «روز اليوسف» قال حازم منير: «ستظل ثورة 23 يوليو/تموز تحمل لقب الثورة الأم إلى يوم الدين، ولن ينجح أي تطور في زحزحتها عن لقبها التاريخي الذي أسست به الدولة الوطنية الحديثة، واستعادت الحكم للمصريين وحررت البلاد من الاستعمار، الذي ظل رابضا لقرون تحت مسميات مختلفة، لماذا ستظل هي الثورة الأم؟ لأنها التي وضعت أساس الجمهورية والدولة الوطنية ولماذا إلى يوم الدين؟ لأن أي متغير سيطر على البلاد سيكون في سياق يوليو تطويرا أو تصحيحا أو تصويبا أو إنقاذا من مأزق تاريخي، كما حدث في يونيو/ حزيران 2013. البعض حاول إحلال انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 بديلا عن ثورة يوليو، لكنهم لم ينتبهوا إلى أنك لا تحل انتفاضة بديلا عن ثورة، بل هم لم يستوعبوا الفارق بين ثورة تغيير اجتماعي جذري وانتفاضة ديمقراطية. الثورة عمل شامل والانتفاضة محدودة الأسباب والأهداف. لم تحظ ثورة في العالم من شهرة وتأثير كما حظيت ثورة يوليو. صحيح أن الثورة الفرنسية لعبت دورا في تطوير الفكر البشري، لكن ثورتنا المصرية فعلت ما هو أكثر خلودا، إذ ساهمت في تحرير البشر أنفسهم وكانت الرمح القائد لثورات التحرر الوطني. ثورة يوليو كانت الثورة الملهمة لشعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي التي نجحت في الترويج للفكر التحرري الوطني، وقدمت النموذج الناجح الذي فرض نفسه ولم تنجح القوى الاستعمارية بكل نفوذها وجبروتها في مقاومة الموجة الثورية».

لماذا يهاجمون الثورة؟

وإلى «الدستور» ومقال السياسي والكاتب وعضو مجلس الشعب الأسبق جمال أسعد عبد الملاك، مقاله جاء بعنوان «لماذا يهاجمون ثورة يوليو؟» الذي شن فيه هجوما على أعداء الثورة، وبيّن جهلهم بالوقائع التاريخية وهاجم بعض أقباط المهجر وسماهم المتأقبطون الذين يعملون لحساب أمريكا قال: «كانت الجماهير تواقة للتغيير، آملة في شبه حياة تليق بالإنسان «نصا وليس معنى»، ولكن لم ‏يكن هناك وجود للتنظيم الثوري الشعبي لفساد الحياة السياسية والحزبية، ولغياب الجماهير الحقيقية عن أي صورة وأي حضور، فكان طبيعيا أن يكون الجيش بعقيدته الوطنية هو البديل الثوري عن ‏طريق طليعة الضباط الأحرار أبناء الطبقة المتوسطة والقريبة من الفقراء، وهذا حوَّل الانقلاب إلى ثورة، خاصة بعد التفاف الشعب والجماهير حولها، بعد أن أيقنت الجماهير بأن الذي يحدث هو في ‏صالحها وليس في صالح النخبة والأقلية الفاسدة، خاصة بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر/أيلول 1952 وما استتبعه من قرارات لصالح الفقراء من العمال والفلاحين، فالثورة كانت ‏حتمية تاريخية لتحرير المصري من الظلم والاستعمار، كما أن الثورة كانت في صالح الأغلبية الغالبة من المصريين. قادت الثورة حركة التحرر ليس في مصر فقط، ولكن في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، الشيء الذي أوغر صدر المستعمر ‏الذي أدرك أن الثورة لن تتنازل أو تتخاذل، فلذا من الطبيعي أن نجد وحتى الآن من يتقول على الثورة، التي توقفت بالفعل بعد وفاة ناصر، وبعد سياسة الانفتاح 1974، ولكن ما زال السؤال: ولماذا يثار ‏هذا حتى الآن بعد هذه السنوات وبعد غياب الواقع الثوري على أرض الواقع بعد وفاة عبدالناصر؟ هذه هي عظمة ثورة يوليو/تموز، فإذا كان الحدث ذهب فلا يزال الأثر باقيا وخالدا بمواقفه ومبادئه، ‏وانحيازه للفقراء، وقناعته بالعدالة الاجتماعية، وإيمانه بالتحرر والاستقلال الوطني عن أي نوع من أنواع الاستعمار المتغيرة والمتلونة، هنا لا بد أن نجد من لا يزال يخاف ليس من الثورة ولكن من ‏المبادئ التي أرستها الثورة، والتي حوّلتها لواقع معاش لا يزال نهجا ونبراسا لكل الشعوب الساعية للعدل والاستقلال، فهل النخبة وأحفادها المضارون سيكونون مع الثورة؟ هل الاستعمار وذيوله في ‏الداخل سيمجدون الثورة؟ هل المتأمركون والمتأقبطون من أقباط المهجر الذين يلعبون دور ذيول أمريكا سيؤمنون بالثورة؟ ثورة يوليو كانت وستظل هاجسا يخيف من هم ضد الشعب وضد الاستقلال ‏والعدل الاجتماعي وضد من يريدون تقسيم الوطن طائفيا، ولكن ستظل الثورة هادية للمصري الأصيل الذي يريد العدل والحرية والاستقلال وتقدم الوطن، حمى الله مصر وشعبها المخلص المنتمي ‏لأرضها»‏.
وإلى «الجمهورية» التي أصر فيها صالح إبراهيم على أن يخصص مقاله الأسبوعي للاعتراف بفضل عبد الناصر على أسرته بأن قال: «بالنسبة لأبناء جيلي الذين كانوا أول من نعموا بالتعليم المجاني والفرصة الذهبية لاستكمال التعليم العالي، كان جمال عبدالناصر هو أب الجميع، المدرك لأحلامهم، ذلك أن والدي المدرس البسيط لم يكن يتصور إمكانية تربيته لتسعة من الأبناء والبنات، حتى درجة الدكتوراه، ليلمس بيده الحلم الذي عبّر منه بالعمارات التسع الشامخات، فقط بأن وجهنا للاستفادة من قرار المجانية الذي أصدره أبوخالد ليغير التركيب الاجتماعي لطبقة الغلابة وينهض بها إلى آفاق من النجاح لم يتوقعها أشد الناس حلما أو تفاؤلا».

«هل انتهت يوليو في يونيو؟»

وفي «الوطن» شن مستشارها الإعلامي وأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمود خليل هجوما عنيفا ضد عبد الناصر والثورة وأشاد كذلك بانجازاته وقال تحت عنوان «هل انتهت يوليو في يونيو؟»: «هل انتهت ثورة 23 يوليو/تموز 1952 يوم 5 يونيو/حزيران 1967؟ الأرجح أن ذلك حدث. في اللحظة الغادرة التي كان الطيران الإسرائيلي يقصف فيها طائراتنا على الأرض في الصباح الباكر من يوم 5 يونيو، كان التاريخ يكتب كلمة النهاية في ثورة 23 يوليو. تعلم أنه بعد هزيمة الجيوش العربية أمام المحتل الصهيوني عام 1948 (النكبة) اختمرت فكرة الثورة في أذهان الضباط الأحرار، فقد كان احتلال فلسطين ضربة موجعة زلزلت كيان الشعوب والجيوش العربية، لذلك من المنطقي جدا أن نقول إن هزيمة 1967 تمثل فصل الختام في الثورة، لأن البلاد العربية تعرضت خلالها لنكبة أكبر، وبعد أن كان الحديث مستعرا بعد 1948 عن تحرير فلسطين، أصبح تحرير الأراضى العربية المحتلة بعد 67 حديث الصباح والمساء في مصر والعالم العربي. كشفت هزيمة 1967 حجم التسوس في مؤسساتنا، عبدالناصر نفسه اعترف بذلك، فبعد الاعتماد على أهل الثقة، وتهميش أهل الكفاءة، أصبحت عجلة البلاد تدور بأيدي مجموعة لا تتمتع بالحرفية أو المهارة، وقابلة للانهيار أمام أي محنة. أظهرت الهزيمة كيف أن المنافسة بين الرئيس والمشير من أجل السيطرة على مؤسسات الدولة ضعضعت وأربكت الأداء داخل البلاد، بينت بما لا يدع مجالا للشك أن الدولة تلعب خارج العصر، وتؤدي بأساليب وأدوات قديمة وفكر شديد العقم أمام عدو يأخذ بأساليب العلم والتقدم التكنولوجي، والتخطيط الدقيق، والاعتماد على الكفاءات. إن شوكة واحدة توجع الإنسان تنسيه عبير آلاف الزهرات التي اشتمها. هكذا يقول الشعراء، وكذلك حدث مع المصريين. فقد حققت ثورة يوليو منذ قيامها وحتى النكسة إنجازات عديدة، بنت وشيدت وأقامت، حققت مكاسب كبرى للعمال والفلاحين، دعمت الفقراء، ومنحت أفراد الطبقة الوسطى مساحات للحركة، كانت بعيدة عن أحلامهم، لكنها كانت تفعل كل ذلك معتمدة على مفهوم «مركزية السلطة». كان القرار في يد عبدالناصر، ليس بإمكان أحد أن يراقبه أو يحاسبه أو يراجعه. الاستبداد وإهدار الحريات والاستفراد بالقرار مثّل الباب الملكي الذي دخلت منه الثورة إلى غياهب الانتهاء. انتهت ثورة يوليو بعد حرب يونيو، وانكسر عبدالناصر نفسه، نعم خرج الشعب يطالبه بالاستمرار، لكن هذا الشعب نفسه انتفض بعد الأحكام الهزلية على المسؤولين عن النكسة عام 1968 في فورة حزن ممزوج بالغضب على كل شيء، بما في ذلك الزعيم الذي أحبه. مات عبدالناصر (رحمه الله) عام 1970 وتولى من بعده السادات وانتصر في أكتوبر/تشرين الأول، ثم بدأ في استغلال الأوضاع التي تهيأت بعد هزيمة 67 وبعد 73 في إعادة صياغة وجه الحياة بصورة مختلفة كل الاختلاف عن نهج ثورة يوليو لتصبح مجرد جزء من تاريخ المصريين».

نموذج أخطأ وأصاب

وفي ما يشبه الرد غير المباشر عليه قال الدكتور عمرو الشوبكي في «المصري اليوم» تحت عنوان «يوليو الحاضرة»: «ستظل ثورة 23 يوليو حاضرة في وجدان الشعوب العربية والشعب المصري، لأسباب كثيرة أهمها، أنها جسدت نموذجا حيا «أخطأ وأصاب» لمعاني التحرر الوطني والمساواة، الذي قادته مصر طوال الخمسينيات والستينيات. ثورة يوليو قادها تنظيم سياسي «الضباط الأحرار» بزعامة جمال عبدالناصر، اخترق به الجيش وكان جزءا من تنظيمات سياسية عديدة عرفها كثير من دول العالم الثالث، وكانت الجيوش ساحة لتحركاتها وهي أنشطة كانت بنت عصرها على خلاف مرحلة ما بعد الاستعمار والتحرر، حين أصبحت قوة الجيوش وفاعليتها تعني إبعادها عن السياسة والتنظيمات السياسية، ولذا لا يمكن وصف ثورة يوليو بأنها كانت حكما عسكريا، مثلما يقول البعض بسبب إما كراهيتهم لأي مؤسسة وطنية خاصة الجيش، أو بسبب موقفهم السياسي من اشتراكية وشعبية جمال عبدالناصر. المؤكد أن تجارب العسكريين في الحكم لم تكن كلها فاشلة ولم تكن كلها عسكرية، ولا كلها ناجحة. كما أن تجارب المدنيين في الحكم لم تكن كلها ناجحة ولا كلها ديمقراطية، صحيح أن ثورة يوليو، لم تكن ديمقراطية فقد أسس عبدالناصر نظاما غير ديمقراطي قام على الحزب الواحد، وتساوى مع زعماء العالم الثالث «المدنيين» الذين أسسوا لنظام الحزب الواحد أيضا، متصورين أن مواجهة الاستعمار في الخارج وتحقيق التنمية في الداخل تتطلب نظما تعبوية من هذا النوع، وتساوت التجارب الاشتراكية والرأسمالية و«المدنية» و«العسكرية» في هذا المضمار، وغياب الديمقراطية فإن هذا لا يعني قبولك برهن سيادتك وكرامتك بالاحتلال والاستعمار مهما كانت نعومة ما يقوله المحتل ومندوبوه في الداخل والخارج».

امتهان الإنسان المصري

وفي «الوفد» انفجر عباس الطرابيلي غاضبا وحاول إحراج كل مؤيدي ثورة يوليو وزعيمها بالقول في «الوفد»: «عاد الناصريون يتشدقون بإنجازات العصر الناصري وعظمة حكم عبدالناصر والمناسبة مرور 66 عاما على يومهم الأشهر 23 يوليو/تموز 1952. واعترف بأن عبدالناصر له إنجازات ملموسة أبرزها تأميم شركة قناة السويس وبناء السد العالي، وإنشاء العديد من المصانع، ولكن هل ينكر أحدهم أن كل ذلك كان يصب في خانة الزعيم، الذي اهتم بالحجر والمكن، وأهمل الاهتمام بالبشر، رغم أنهم يتشدقون بهدف تحقيق العدالة بين طبقات الأمة، ورغم ذلك كان امتهان الإنسان المصري هو أبرز «سلبيات» هذا العصر الناصري، ثم أيضا نقول بل نسألهم أليس بناء ديمقراطية سليمة كان من أبرز أهداف 23 يوليو فهل تحققت العدالة الاجتماعية أو نعمنا ببناء ديمقراطي سليم، هذا في رأيي من أهم ما حدث للمصريين من 23 يوليو 1952».

المكتوون بناره

ولكن عباس لم يكن يدري أن عمرو جاد في «اليوم السابع» كان في انتظاره ليقول له ولغيره تحت عنوان «جمال عبد الناصر ما زال مهما»: «ربما لأننا لم نولد إقطاعيون نعتبر أن ما فعله جمال عبدالناصر منذ 66 عاما بطولة يستحق عليها التحية والتخليد، ونحن أيضا لسنا ممن دخلوا المعتقلات في عهده لنختصمه، كما يفعل المكتوون بناره، لكن في المنتصف يتربص الذين يشوهون الرجل لاعتقادهم بأنهم أحق بالملك منه وللأسف لم يتبق من النقد للحقبة الناصرية سوى أصوات هؤلاء، ويحق لك وأنت جالس على ضفاف التاريخ أن تشاهد ما فعله جمال ورفاقه، حسب زاوية جلوسك لكن أعلم أنها ليست الحقيقة الكاملة. جرّب أن تنظر من زوايا أخرى يقف فيها من أفقرتهم الملكية وأذلهم الاستعمار، أو أولئك الذين يتحسرون على قلاع صناعية أحالتها البيروقراطية إلى خرابات يسكنها الغربان والديون، أما إذا كنت تريد الحديث بالسياسة فسأتفق معك على أن الرجل لم يكن ذلك الداهية الذي يتلاعب بكل الخيوط ولديه أخطاء يمكن مناقشتها بالنقد لا الشتيمة، لكن يكفى أنه أعاد الاعتبار لصورة الزعيم الوطني لهذا كل اختلاف حوله بمثابة تأكيد على أهميته».

مجلس النواب

وإلى تهديدات الدكتور علي عبد العال بفصل عدد من أعضاء المجلس المعارضين والتحذير الذي أطلقه محمد أمين وهو من مؤيدي السيسي في «المصري اليوم» بأن عبد العال سيتسبب في احراجه أمام العالم إذا سافر لأي دولة وسأله الصحافيون عما يحدث في مصر من فصل لأعضاء المجلس المعارضين وقال تحت عنوان «سري وعاجل للرئيس»: «كانت أياما وردية بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني طالب فيها البعض بإلغاء حصانة النواب خارج المجلس حتى لا يُساء استخدامها، والمفاجأة أن بعض هؤلاء كانوا نوابا من قبل وأصبحوا نوابا في ما بعد. المجلس اعتبر كل هذا الكلام حماسة ثورية، ولم يلتفت للطلب. الآن لم تعد هناك حصانة للنواب لا خارج المجلس ولا تحت القبة وإن كانت الحصانة مقررة بحكم القانون. وأتخيل أن تكتب أي جهة من الجهات تقريرا سريا وعاجلا للرئيس بشأن وقائع الفصل السابقة للنواب والتهديد بفصل آخرين حاليا. وأتخيل أن هذه الجهة يجب أن تُسجّل أن ما يحدث في البرلمان سيكون سؤالا أساسيا للرئيس في أي زيارة خارجية ماذا يحدث عندكم؟ وأي ديمقراطية تتحدثون عنها وأنتم تفصلون النواب؟ فما جريمة هؤلاء النواب؟ فلم يحدث أن تحدث رؤساء البرلمان هكذا «تتفق أو تختلف معهم» منذ صوفي أبوطالب ورفعت المحجوب وصولا إلى فتحى سرور فلا هم تحدثوا عن اختطاف المجلــس ولا عن التهديد بالفصل، كانت أقصى عقوبة هي الحرمان من الجلسات فصلاً تشريعياً، أما الفصل فلم نسمع به في آبائنا الأولين فقد اخترعه الدكتور عبدالعال وأظن أنه «سُبة» لا «سُنة»، والأمر الآن يتعلق بصلاحيات الرئيس ويتعلق بسمعة مصر إن كانت سمعة البرلمان لا تشغل الدكتور علي عبدالعال، وأندهش أن البرلمان العربي لم يتحرك، وأستغرب أن البرلمان الدولي لم يهتز، صحيح لا أريد التحريض على رئيس مجلس النواب ولكن لمَن يشكو النواب؟ بجوارنا نواب الكنيست العرب مزقوا القانون العنصري وألقوا به في «وجه» نتنياهو، والمثير للغرابة أن النواب المطلوب فصلهم جملة وقطاعي لم يمزقوا أي قانون ولم يلقوا به في وجه أحد».

مشاكل وانتقادات

وإلى المشاكل والانتقادات، ومنها حالة القلق التي تنتاب ملايين الأسر بسبب نتائج الثانوية العامة وانتهاء المرحلة الأولى من تنسيق القبول في الجامعات بمجاميع عالية وبدء المرحلة الثانية، وهو ما قال عنه في «الأهرام» شريف عابدين: «على عكس ما يتوقع البعض بأن معاناة طلاب الثانوية العامة وأسرهم تنتهي مع إعلان نتيجة الامتحانات، هذا الاعتقاد في غير مكانه من زوايا عديدة، فالمعاناة تبدأ بعد النجاح والتفوق في ظل المجاميع المرتفعة التي لا تضمن دخول الكلية التي يتمناها الطالب، وبعيدا عن الإحباط الذي قد يصيب البعض بسبب إخفاق الطالب في الحصول على المجموع المناسب بأقل من نصف أو ربع في المئة، وهي صدمة تكون قاسية على الطالب والأسر، وهم يشاهدون ضياع الفرصة بسبب نصف درجة. بعدها تأتي المهمة الأخرى، وهي البحث عن كلية في الجامعات الخاصة للالتحاق بكليات القمة ويضطر الطالب إلى تسجيل اسمه في أكثر من جامعة، والانتظار حتى يتم تحديد موقفه وفق التنسيق الداخلي وإمكانية القبول».

رفع أسعار الغاز الطبيعي

أما ثاني المشاكل فكانت رفع أسعار الغاز الطبيعي، الذي قال عنه وزير البترول والثروة المعدنية المهندس طارق الملا لأحمد إسماعيل في «الشروق»: «إن قرار زيادة أسعار الغاز الطبيعي للمنازل يهدف إلى علاج التشوهات السعرية الناجمة عن فرق التكلفة التي يدفعها مستخدمو أسطوانات البوتاجاز، وتلك التي يتحملها مستهلك الغاز الطبيعي. إن الدراسات التي أجرتها الحكومة مؤخرًا أثبتت أن متوسط استهلاك الأسرة المصرية الواحدة من البوتاجاز يعادل أسطوانة ونصف الاسطوانة «وهو ما يكلف نحو 75 جنيها شهريا» طبقا للأسعار الجديدة المطبقة منذ منتصف يونيو/حزيران الماضي».

إنتبهوا أيها السادة

أما محمد زكي في «الوفد» فينبه إلى ظاهرة الانتحار في مقاله الذي عنونه بـ«انتبهوا أيها السادة»: « ربما تكون الظروف الاجتماعية والحالة الاقتصادية الصعبة سر انتحاره، وإنهاء رحلته في الحياة، فالشخص المُقبل على الانتحار يصل لمرحلة يفقد فيها الأمل والصبر، ويتمكن البؤس الشديد، وإحساسه بفقدان قدرته على إيجاد الحل، والشعور بالفشل الذريع، ما يجعله غير قادر على مواجهة المجتمع، فتنغلق الأبواب في وجهه، ولا يرى سبيلاً إلا أن ينُهي حياته بالانتحار! وهناك أساليب شتى للانتحار تسجلها محاضر الشرطة كل يوم، ولكن في الآونة الأخيرة نسمع عن استخدام بعض الشباب «الحبة القاتلة» التي تستخدم في حفظ الغلال كوسيلة سريعة ورخيصة للانتحار، ولكننا نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الظاهرة، بدون أن نضع الحلول لمنع تداول هذه الحبة القاتلة. فهذه الحبة تباع في الصيدليات البيطرية أو محلات المبيدات الحشرية، بدون أن تخضع لأي رقابة للحد من عمليات بيعها وتداولها، حيث أن آلاف الفلاحين يعتمدون عليها في تخزين الحبوب والغلال، بينما يستخدمها الشاب في جرائم الانتحار، لدرجة أن أهالي الضحايا أطلقوا عليها « حبة الموت الرخيص» نظراً لرخص ثمن تلك الحبات وانتشار تداولها بدون ضابط ولا رابط. الحبة القاتلة أو ما يطلقون عليها «الحبة الفسفورية» المصنوعة من «فوسفيد الألومنيوم» يوجد منها 18 منتجاً في الأسواق بأسماء تجارية مختلفة، وهي تتسبب في الوفاة سواء من تناولها بغرض الانتحار أو استخدامها كأحد الجواهر السامة، حسب قانون العقوبات، التي يتوجب سرعة منع تداولها، وتجريم استخدامها بسبب أضرارها القاتلة، حيث لا تترك المادة الفعالة أي أثر على الجسم، فيأخذها المنتحر سريعاً وبعد دقائق تبدأ معاناته مع الألم، ثم تبدأ معاناته مع الموت البطيء! في الوقت الذي حظرت فيه عشرات الدول العربية والأوروبية استخدامها مازالت وزارة الزراعة تصرح بدخولها مصر، ولا تمنع استيرادها».

مسيحيون ومسلمون

وإلى القضية التي تبرز من حين لآخر وتؤدي إلى احتقان طائفي، رغم أنها فردية وخاصة باختفاء فتاة مسيحية وتزوجها من شاب مسلم، وإعلانها إسلامها إلى أن وقعت حادثة جديدة ومثيرة خصصت لها جريدة «وطني» القبطية تحقيقا موسعا أعده نادر شكري ومادلين نادر عن الطالبة الجامعية أماني جاء فيه: «عادت الفتاة القبطية المختفية أماني مجدي في مركز زفتي محافظة الغربية، التي اختفت في ظروف غامضة في شهر مايو/أيار الماضي أثناء ذهابها لأداء امتحان نهاية العام في كليتها في جامعة بنها، وكانت أسرة الفتاه تجمهرت في الكاتدرائية المرقسية في العباسية أمام المقر البابوي للمطالبة بعودة الطالبة التي تغيبت منذ يوم الخميس الماضي، وكانت الأجهزة الأمنية أخبرت الأسرة آنذاك أنها أشهرت إسلامها، ولكن الأسرة لم تيأس ورفضت الاتصال الأمني وطالبت برؤية ومقابلة الفتاة، ولكن الأجهزة الأمنية رفضت وكانت أصوات قبطية تعالت الفترة الأخيرة بعودة جلسات النصح والإرشاد الديني، بسبب تزايد عملية اختفاء القبطيات، بدون وجود حل، مطالبين بحق الأسر لقاء بناتهم لمعرفة الظروف وراء عملية الاختفاء، وبعيدا عن تفاصيل عودة الطالبة، وهو أمر من حق الأسرة الاحتفاظ به، لأنه عادة تكون مطالب أمنية أو لرغبة الأسرة في تهدئة الموقف. والنقطة الثانية هي الإصرار من قبل الأجهزة الأمنية التي تعلم دائما أماكن الفتيات المختفيات في التعتيم ورفض حق الأسرة الاطمئان على ابنتهم، وعدم خضوعها لتهديد. وفي الواقعة الأخيرة بالتحديد الأجهزة الأمنية أبلغت الأب، أن الفتاة أشهرت إسلامها لتعود الفتاة بدون إشهار إسلامها، وهو يثير التساؤلات حول الموقف الأمني في تقديم معلومات مغلوطة، والتحايل في إخفاء وقائع في قضية تمس السلم المجتمعي.
وإذا كان الأمن وافق على لقاء الأب أو كاهن بالفتاة لانتهى الأمر بدون أي مشكلة. النقطة الثالثة أن الفتاة عادت وهي ترفع رأسها وتضحك ويحضنها الجميع لتهنئتها. يفتح ملف عودة جلسات النصح والإرشاد والقمص أغاثون طلعت نجيب أن «هذه الظاهرة أصبحت في تزايد مُستمر في الآونة الأخيرة، ولها تأثير سلبي على الحياة الأسرية المســـيحية والســلم الاجتماعي والوحدة الوطنية، لذلك نطالب بعودة جلسات النصح والإرشاد، التي كان معمولاً بها سابقًا في الدولة على مر عقود وكان لها التأثير الإيجابي في حل هذه المُشكلات، وللأسف تم إيقافها منذ سنوات قليلة، ما تسبب في تفاقم المزيد من هذه المشاكل المتعلقة بهذه الظاهرة في أماكن مُختلفة وفي إيبارشياتنا بصفة خاصة، وعلى الرغم من استغاثة أصحاب الحالات والكنيسة بالقانون والقائمين عليه».

الإسلام لا ينكر الأديان الأخرى

وفي «المصري اليوم» كتب وزير الثقافة السابق والمؤرخ حلمي النمنم مقالا مهما عنوانه «الإسلام لا يعني إنكار المسيحية ولا اتهامها» هاجم فيه المتشددين الإسلاميين الذين يتعمدون مضايقة المسيحيين بالتركيز على آيتين في سورة آل عمران وقال: «في أي احتدام أو صدام طائفي أو محاولة افتعال صدام «إسلامي- مسيحي» في مجتمعنا، يبرز رأي لدى أفراد من المسلمين يؤدي إلى انزعاج لدى كثير من المسيحيين في مصر، وفي بلاد المنطقة، إذ يذهب هؤلاء إلى أن القرآن الكريم لا يعترف بغير الإسلام، ولا يرى دينا غيره. ويستند هؤلاء للآية القرآنية الكريمة رقم 19 في سورة آل عمران «إن الدين عند الله الإسلام» وكذلك الآية رقم 85 من السورة نفسها «ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه»والحق أن كثيرا من المتشددين كانوا يتعمدون ترديد الآيتين الكريمتين من بين آيات القرآن الكريم، التي تتجاوز ستة آلاف آية ليس اعتزازا بهما ولا تفقها وتعمقا في فهمهما، ولكن لمكايدة غير المسلمين وضغطا على أعصاب المسيحيين في مسألة أو شأن لا يقبل الضغط ولا يجوز فيه؛ ذلك أن القرآن الكريم لم ينزله الله لمكايدة فريق من الناس، ولا الطعن في عقيدة وأتباع الديانات الأخرى، وتحديداً اليهودية والمسيحية. ونحن تلاميذ صغار في المدرسة تعلمنا أن المسلم من سلم الناس من لسانه ومن يده سوف نلاحظ تعبير الناس وليس تعبير المسلمين ومن ثم فإن المكايدات اللفظية والكلامية لا تعد من الإسلام لأنه مقصود بها الإيذاء، إيذاء مشاعر الآخرين في معتقدهم الديني وفي ضميرهم».

«الحبة القاتلة» وسيلة رخيصة وسريعة لتزايد حالات الانتحار وعشرات الدول العربية والأوروبية تحظر استعمالها

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية