أن تنتمي إلى جنس من البشر أو إلى بلاد أو إلى ديانة أو إلى حزب سياسي فذلك قد يكون ضروريا في تصنيفك في هوية تجمعك مع غيرك أو تفرقك عنه، لكن ما يجعل الانتماء صريحا هو علامات الانتماء. علامات الانتماء هي الأشياء التي تُظهر أن الإنسان ينتمي إلى جماعة أو إلى عقيدة أو إلى فن أو إلى مهنة.. سنهتم في ما يأتي لا بعلامات الانتماء في ذاتها، بل بما تشنه الجماعة المهيمنة غالبا على تلك العلامات من حروب قد تستخدم فيها العلامات المضادة.
يحمل المرء علامة الانتماء إلى جنسه حملا طبيعيا. هما علامتا الذكورة والأنوثة ولسبب من الأسباب الأخلاقية أخفت الشعوب هاتين العلامتين الطبيعيتين وسترتهما باللباس، ويستدل المرء عن جنس غيره بعلامات بديلة كالوجه والصوت وبعض تفاصيل الجسد وحتى اللباس. وفي فترات من التاريخ، كرست السلطة الذكورية بذرائع الأخلاق والدين والسياسة، وهي ذرائع في تعامل دائم الهيمنة على الإناث، فشنت حربا على علامات الأنوثة. من بينها أنها اعتبرت تلك العلامات «عورات» مشينة، وبدأ هذا الاسم يعم إلى أن شمل العلامات الثانوية من الوجه إلى الصوت، بل حتى إلى أي علامة عن وجودها الفيزيائي. لعب اللباس والصمت وحجب الجسم دور الساتر، وحجبت المرأة كليا عن عالم الرجال الغرباء، وعاشت الأنثى بين الحجب والاحتجاب دهرا فقط، لكي تخفي علامات الأنوثة التي باتت علامات للتهتك. وصار الجنس في اللغة يعني مع معناه الانتمائي الأول علاقة الخنى بين الرجل والمرأة خارج المؤسسات الشرعية، وهذا في أكثر من لغة طبيعية (العربية، الإنكليزية والفرنسية ).
في بعض اللغات الطبيعية كالعربية يحمل المؤنث علامة وجودية صريحة، ويعتبر فرعا على المذكر الذي لا يحمل علامة وجودية (علامته عدمية) ويعد أصلا في مقولة الجنس النحوية. وفي مقولة الجمع يعامل معاملة المؤنث العاقل معاملة « غير العاقل». ونحن لا ندري ما الذي حدث قديما في كلام العرب، حتى يصير الأمر في جمع النسوة كما عليه الأمر في جمع الأشياء والمجردات، لكننا نعلم أن هذه التسمية مقصودة في النحو، وكذلك قياس عاقل النسوة على غير العاقل من الأشياء: أن يحمل الجمعان العلامات ذاتها لا يُنظر إليه في عالم خارج اللغة بالحياد المطلوب في عالم داخل اللغة.
لا نعدم في التراث النحوي العربي حربا من نوع آخر يخوضها بعض النحاة – بلا وجه حق طبعا- على دمج المخنث في مقولات المذكر. يريدون أن يلحقوا بعصا سحرية «المُخنث» بمقولات المؤنث لا المذكر ، ولن تجد في العلم ما يبرر لهم ذلك، بل تجده في الاعتداد بالجنس الذكوري الصافي.
مارس السادة الذكور في التاريخ على العبيد عقابا شديدا بالخصي، وهو نوع من تعطيل العلامة أو إبطال دورها، لا البيولوجي وحسب، بل وظيفتها التمييزية المبدئية.
لن يصيروا رجالا كالرجال ولا نساء كالنساء، ولا حتى مخنثين كالمخنثين، ولدوا سودا أو نكبتهم الحرب رغم «صفاء بشرتهم» بالعبودية، ثم ينكبون في جنسهم عقابا أبديا لانتمائهم إلى جماعة بشرية خذلتها الطبيعة باللون، أو إلى رهط من البشر خذله التاريخ بالهزيمة.
لكن مع العلامات اللغوية يحمل الذكور والإناث علامات أخرى في اللباس، وفي المشية وفي تسريحة الشعر، وهي لا تشتغل علامات إلا إذا احتجنا إلى اشتغالها كذلك، وعادة ما تقوى الحاجة إلى استعمالها حين يحدث تقارب أو تقاطع في استعمالاتها. فعلى سبيل المثال يثير التشابه في اللباس بين الجنسين مواقف وتعليقات ويحمل من الرسائل والدلائل الكثير، وتطرح لدى الشعوب المحافظة (التي يهيمن عليها الذكور) ردود فعل عنيفة أحيانا غالبا ما تكون أخلاقية تحمل على مقولة «تشبه الرجال بالنساء» وتشبه النساء بالرجال» ولهذا التشبه يلعنون. واللعن ضرب من العقاب المسلط، ولكنه عقاب أرفع من البشري لأنه نازل من الله على عباده المارقين. فالرب خلقهم على سمت وكأنهم باللباس بما هو علامة، أرادوا أن يتحللوا من جنسهم الأصلي، أرادوا أن يردوا قضاء الله فصاروا ملعونين كالشياطين. بالإضافة إلى علامات الانتماء إلى الجنس، هناك علامات الانتماء إلى الفئة العمرية. فالشباب هم الفئة العمرية الأكثر اهتماما بعلامات تميزهم، وهم أكثر الناس ميلا إلى الانفصال عن البقية بتسريحة الشعر أو بحلاقته، أو بلباس خارق للعادة أو بكلام مختلف. الكلام علامات مميزة عند الشباب ويبدأ التميز بطريقة التقطيع المختلفة في نبرتها عن طريقة التقطيع العادية لكلمات بعينها. وعندئذ يصبح اللعب على النغمة وعلى تفخيم الأصوات وترقيقها حاملا مع دلالتها القديمة دورا فيه إشعار بالانتماء إلى شريحة الشباب المختلفة. ليست هذه الطريقة بديلا لهجيا ثقافيا كالذي يمكن أن نلحظه في الاختلافات اللهجية بين لهجة الساحل ولهجة الداخل عندنا في تونس مثلا، بل هو بديل اختياري شريحي يفيد النطق به الانتماء إلى شريحة معينة، كتلك التي نجدها في صفوف المارقين عن القانون أو المساجين، الذين تكون لديهم طريقة مخصوصة في تقطيع الكلام، وحتى في ابتداع الكلم، وفي اللعب على المجاز الجديد وتشفير الخاص من الكلام. لهذا السبب يميل الشباب في لهجته إلى طرق كلام هؤلاء المارقين عن القانون، وحتى إلى طرق لباسهم فهم يعبرون بذلك عن هامشية مقصودة، وعن خروج عن المألوف لدى الجماعة النمطية. يقول دافيد لو بروتون في دراسة عن المراهقين: «إن المراهقين، في السياق الفرداني لمجتمعاتنا، هم صناع وجودهم… هم يبتدعون معتقداتهم وخُطوط تَوجههم. سلطتهم القصوى أنهم يختارون بأنفسهم ولا أحد يملي عليهم كيف يسلكون». ويرى الدارس نفسه أن «الجسد هو الأداة الرمزية لكي يُعبر بنفسه عن نفسه لدى الآخرين، ولكي يترجم الاستياء والمرح من أن يكون ذاته».
الحرب على العلامات التي يتخذها الشباب للاستياء من القواعد والأنساق هي حرب ضروس. وتمارس المدرسة سلطتها على اللباس وحلاقة الشعر وتمنع الشباب تلامذة وطلبة من أن يختاروا ما أرادوا، وعادة ما يكون الأبُ في صف القانون المدرسي لا لأنه قانون، بل لأنه معيار نظامي يرد الشباب إلى المجتمع الكلياني. لا تعاقب المدرسة كل شاب يحمل كره جيل التلاميذ لجيل أستاذهم التقليدي في لباسه أو حتى في درسه، بل تعاقبه إن هو تكلم أي أبدى علامات نطقية لرفضه ذاك.
الحرب على العلامات الانتمائية لم تتقطع منذ وُجد الإنسان وحمي وطيسها على علامات القناعة، أي تلك التي ترتبط بالانتماء إلى دين أو سياسة أو ثقافة معينة. وهذه الحروب ما يزال حولها جدلٌ كبير طرفه الأول عالق بالحريات الأساسية وطرفه الثاني عالق بالإرهاب. لكن أغرب الحروب على علامات القناعة أن المسيطرين أو الأغلبية كانوا يلزمون الخاضعين أو الأقلية على أن يحملوا علامات تميزهم، أي أن يحملوا علامات على ضعفهم في عيون المستبدين بهم، هي أخبث الحروب العلامية.
الحرب على علامات الانتماء هي حرب فيها فن على حد عبارة الفيلسوف الصيني سان تزو لأنها» تخضع العدو بلا نِزال».
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
توفيق قريرة