تقاطعت دعوة شعبية لمقاطعة شركات الاتصالات في بداية فبراير، مع حملة متواصلة لمقاطعة كل من منتجي البيض والبطاطا، نتيجة ارتفاع الأسعار غير المبرر.
يحدث ذلك في الأردن، ومع أنه من الصعب الحكم على تمدد فكرة المقاطعة في المجتمع، إلا أن الواضح أن الحملة المتواصلة أسفرت عن نتائج إيجابية بدفع الأسعار لبعض الانخفاض، وتحفيز الحكومة للتدخل للبحث عن سعر يرضي كلا من المستهلكين والمنتجين، ولكن السعر الذي كان يرضي المستهلك قبل الحملة، لم يعد مقبولاً بعدها، ويبدو أن سقف الطموحات والتوقعات أخذ يتصاعد، ومهما تكن النتائج، فالأردنيون يؤشرون بوضوح لعدم رضاهم عن الحكومة، لا حكومة الرئيس الملقي وحدها، ولكن لكل الطبقة السياسية التي تنتج الحكومات المختلفة، والمعادلات القائمة لصناعة الحكومة في الأردن.
تلحق المقاطعة خسارة بقطاع المزارعين، الذين بدورهم يتحملون خسائر موسمية نتيجة تراجع الأسعار في مواسم أخرى، والمشكلة ليست لدى المستهلك أو المنتج على السواء، ولكن في الحلقة الوسيطة التي تفرض نفسها بين الطرفين، وتمثل تحالفاً للحكومات المتتابعة مع رأس المال في الأردن، بحيث تتخفف الحكومة من مهامها في دعم المنتجين من جهة، وحماية المستهلكين من جهة أخرى، لتتفرغ من أجل تسهيل مهمة الوسطاء، سواء من التجار الكبار، الذين يتمسكون بهوامش أرباحهم وبغض النظر عما يعود للمنتج أو ما يتكبده المستهلك.
الدور الحكومي يواجه تحدياً رئيسياً بخصوص الثقة، والثقة في هذا السياق لا تعني الإجراء شبه الروتيني في الأردن عندما تتقدم الحكومة ببرنامجها لمجلس النواب، ولكنها ثقة مباشرة، فإذا كانت الحكومة لا تستطيع أن تؤدي جميع أدوارها، أو أنها تؤدي هذه الأدوار بطريقة انتقائية، فإن المواطن في المقابل (سينزع شوكه بيديه) وهو تعبير شعبي شائع في الأردن تفهمه الحكومة، وربما لا تفهمه، في الأردن.
المقاطعة طويلة المدى لبعض المنتجات الغذائية من جهة، والرمزية لشركات الاتصالات، التي توافقت مع الحكومة على فرض ضريبة بقيمة دينارين (نحو ثلاثة دولارات) شهرياً على استخدام تطبيقات التواصل المجانية على الإنترنت، جرى اقتراحها والتحشيد لها ومتابعتها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الأردن شهد أجواء غير متسامحة مع الناشطين على مواقع التواصل في الآونة الأخيرة، ويبدو أن آلاف المستخدمين بدأوا يكتسبون وعياً فطرياً، أو توعية قانونية أسهمت في تجنبهم الملاحقة القانونية التي يدور حولها العديد من الأسئلة الدستورية والقانونية وحتى العملية، ويبدو أن الأردن بتشكيلته التقليدية القديمة يشهد تغيرات جذرية ستؤتي ثمارها عاجلاً أو آجلاً، فالأردن الذي بدا طويلاً يدير آلية مستقرة، تخضع لصيانة متواصلة تضبط عملية تدوير المشاكل والحلول، يجد نفسه اليوم أمام تحديات غير مسبوقة، ولا يمتلك في عقله أو فكره السياسي والنخبوي أدوات فاعلة للتعامل معها، فالآلاف من الأردنيين يعملون اليوم بصورة طوعية من أجل إدامة أسلوب المقاطعة، بوصفه أحد أدوات التعبير والاحتجاج، وإذا كانت مقولة أن الأردنيين وصلوا لمرحلة الوعي بمدى خطورة واستحالة ركوب موجة الربيع العربي، فإن ذلك لم يكن ليعني في أي وقت أنهم لا يملكون حلولاً أخرى، وتصورات ربما لم تكن واردة سابقاً.
الخسائر المادية، وفي مختلف التقديرات، يمكن أن تعتبر محدودة، والقضية لا تقف عند حدود لعبة العض على الأصابع الدائرة بين المستهلكين والوسطاء والمنتجين في المواد الغذائية، أو بين مستخدمي الهواتف الخلوية وتحالف الحكومة مع شركات الاتصالات، فهذه كلها تفاصيل وأعراض لحالة جديدة، والجوهري في الأمر يتعلق بالحالة نفسها، وبطرح استراتيجية شعبية جديدة تستغني حتى عن الواقع الهلامي والشبحي للتنظيمات السياسية والحزبية، وهو ما يؤكد أن اللغة المشتركة التي صبغت علاقة أغلبية الأردنيين مع مؤسسة الحكم أصبحت اليوم تحتاج إلى مراجعة، فكثير من الكلمات والمعاني تضيع في الترجمة، ولم تعد النبرة الشعبية التي يستخدمها بعض مذيعي البرامج الصباحية في الإذاعة أو برامج التلفزيون واستراتيجية التنفيس المتوازن كافية لردم الهوة التي تحدث بين النخبة السياسية وبين المواطنين.
قبل أيام خرج رئيس الوزراء في لقاء تلفزيوني ولم يكن المواطنون يتابعون ما يقوله، فمن ناحية لم يختلف خطاب الرئيس الحالي هاني الملقي عما أشبعه حديثاً وشرحاً وتوضيحاً سلفه عبد الله النسور، وجميع الحجج والتفسيرات المقدمة من الحكومة تحولت إلى مجموعة من المحفوظات الوطنية التي يمكن أن يتصدى لها أي شخص تقريباً في الأردن، وكثير من المتابعين انصب تركيزهم على لغة الجسد للرئيس الملقي، وبالمناسبة، فهو لا يستطيع أن يتحكم بصورة جيدة في ايحاءات حركة يديه وتعبيرات وجهه، ويظهر أن الرئيس الذي تمكن من الوصول إلى مناصب متقدمة في مسيرته السياسية والمهنية من عمر مبكر، بوصفه ابناً لأحد رؤساء الوزراء السابقين، لا يدرك أن الشروط الجديدة للعلاقة بين المواطنين والحكومة لم تعد تستطيع أن تهضم هذه اللغة والطريقة في التعامل، التي يمكن بكل بساطة أن يستخدمها رئيس مع مرؤوسيه، ولكن ليس رئيساً للحكومة يفترض أنه أكبر الموظفين في المملكة تجاه المواطنين.
تراجعت شعبية الملقي، الضعيفة أصلاً، بعد هذه المقابلة، ويواصل فريقه بطريقة أو بأخرى الوقوع في الأخطاء التي تستجلب وتحرض النقد الشعبي الواسع، وتحتاج الحكومة لمراجعة كبيرة في المرحلة المقبلة، الانصات للشارع والتعرف على لغته الجديدة من الضروريات وليست رفاهية أو خياراً في هذه المرحلة. كانت التقديرات الأمنية والسياسية أن الأردن ليس جزءاً من موجة الربيع العربي لأسباب كثيرة، وإن يكن ذلك صحيحاً إلى حد بعيد، إلا أن ذلك لا يبرر الاسترخاء الذي ركنت له حكومة النسور ومن بعدها الحكومة الحالية على أساس ثقتها بأن رياح الربيع العربي جاوزت الأردن نهائياً، وكانت هذه الرؤية شجعت حكومة النسور سابقاً على استئناف اجراءاتها في الجباية والاجراءات الاقتصادية التي يراها المواطن مبالغة في التعويل عليه، مع أن المواطن نفسه، وهذا ما يدركه الكثيرون، ليس سبباً في جزء كبير من هذه الأزمة، وأن جزءاً كبيراً منها يرجع أصلاً لتقديرات سياسية خاطئة تعلقت بملفات اقليمية مختلفة.
تقييم دعوات المقاطعة والالتفات بجدية لتفاعلها الاجتماعي، ومراجعة النظرة القائمة للعمل الشعبي ذي الطبعة السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن يدخل أجندة الحكومة، أما الارتياح لقصة نهاية الربيع العربي وسوء سمعته لدى الأردنيين فذلك رهان غير منطقي ولا يقوم على أي أساس عقلاني، فالأردن نظراً لخصوصيته يتحرك بوتيرة مختلفة عن بقية الدول العربية، وكما تجاوز حمى الاستقلال وانقلاباته العسكرية في الخمسينيات فإنه تجاوز الربيع العربي لأسباب قريبة من ذلك، دون أن نتناسى أنه شهد هباتها الخاصة في 1989 و 1996 والتي ما زالت تخضع لقراءات خاطئة ومبتورة في الأردن.
كاتب اردني
سامح المحاريق