الحلقة الأخيرة… متاهة الروتين

حجم الخط
1

ليس عدلاً أن نتابع مسلسلا لمدة تسعة و عشرين يوما بسبب التزامنا الرّمضاني بالمكوث في البيت، و تنظيم أوقاتنا حسب ما تقتضيه المناسبة بين توزيع ساعات يومنا بين العبادات و الطبخ و السهرات ، ثم تضيع علينا الحلقة الأخيرة لأنها تبث يوم العيد. أحيانا تضيع منا حلقتان ما قبل الأخيرة و الأخيرة.
نشعر بلامبالاة المبرمجين بمشاهديهم، لأن الأهم على ما يبدو بالنسبة لهم هو أن تكون نسبة المشاهدة عالية خلال شهر رمضان، و أن تبث كل حلقات المسلسلات كاملة، ثم بعد فترة من إعادة بث أعمال قديمة تدخلنا في متاهة الرّوتين صباحا و مساء…
شيء واحد لا أفهمه هل الحلقة الأخيرة لا تعنينا؟
هل نهاية أي عمل لا تهم ما دام العيد قد حلّ؟ بمعنى آخر هل فرحة العيد تغنينا عن معرفة نهاية حكاية تابعناها خلال شهر؟
قد يقول البعض أنه بالإمكان أن نشاهد الحلقة الأخيرة عند إعادة المسلسل كله، في فترة أخرى. لكن هل من المنطقي أن نهدر الكثير من الوقت لأجل أن نتابع الحلقة الأخيرة؟
هل من المنطقي أن نلجأ ليوتيوب لنشاهدها؟ أو نعيد مشاهدة العمل كله لنعرف نهاية الحكاية؟
أي نعم إنها مشاغل العيد، و زيارات الأقارب و الأصدقاء و زحمة الضيوف و طقوس العيد هي التي تشكل بالدرجة الأولى ما يجعل التلفزيون المنسي الأول بعد إحتضاننا له خلال فترة الصيام. لكن على القيمين على البرمجة أن يعرفوا أن هذا المشاهد من حقه أن يعرف خاتمة مسلسلاته التي تابعها خلال شهر.
ليس سيئا أن تعاد الحلقات الأخيرة بعد العيد تماما، لإرضاء المشاهدين…بل إنّي أرى أن في إعادتها إحتراما للجمهور الذي بقي وفيا خلال شهر كامل لعمل أحبه و تابعه.
أقول ذلك و أنا أرى أننا في الغالب مجتمع لا تعنيه النهايات…
نحب من الحب بدايته، و لا ندرس عواقب نهايته.
نحب إقتناء الأشياء لتذوقها و لا يهم أن نرميها فيما بعد.
يكشف سلوكنا هذا عقدة عريقة في تكويننا و تركيبتنا الإجتماعية.
نحتفي بزيجات لها عناوين برّاقة، بنت فلان الفلاني تتزوج إبن فلان الفلاني ، عرس كبير بطنة و رنة ثم لا يهم إن جاء الطلاق نهاية بائسة لكرنفال كبير أخذ منا الكثير من الوقت و التحضيرات و المصاريف.
كل شيء يشبهنا، مثلنا مثل الدراما التي نشاهدها في الغالب، مثل النهايات التي تسلق سلقا في بعض المسلسلات و ترمى في وجوهنا دون إحترام لأدنى شروط كتابة الدراما و إخراجها.
نحن هكذا، نبدأ الأشياء أيضا و لا ننهيها.
لا يهم أن نبدأ رحلات إستقلالنا بثورات عظيمة كثورة الجزائر، ثم ننطفئ عند أول محطة لبناء وطن. لا يهم أن نبدأ ثورات بعناوين فخمة و شعارات طنّانة كما في تونس و ليبيا و سوريا ثم ننتهي بتدمير تاريخ بأكمله عراقته تعود لسبعة آلاف سنة أو أكثر في عمق الماضي… لا تهمنا النهايات …
الحلقة الأخيرة هي الحلقة التي لا تهمنا دائما، نغلق الأبواب دوما بشكل موارب على فوضانا التي لم نتوصل لترتيبها …
في حياتنا، هناك دوما دراما طويلة، أحداث كثيرة، هزّات بحجم الزلازل المدمِّرة، لكن لا نهايات سوى خراب مبهم، حتى بعض أفراحنا كأنّها سيناريو فاشل مفتعل لأشخاص يرتدون أقنعة.
نشبه أعمالنا، فقد كانت دوما بصماتنا التي نتركها للعيان.
نحن لا ننهي عملا بدأناه بشكل جيد، هناك دوما شيء ما يعكّر صفو نهاياتنا…
في إعلامنا الفني قرأنا الكثير عن نهايات الدراما الرمضانية، و فوجئنا أن أغلب النهايات كانت مخيبة للآمال، أو أنّها مفبركة بشكل جعل المشاهد يسخر من صنّاع الدراما.
بالغ رافي وهبي حين جعل « أم نورس» في مسلسله « العرّاب ، نادي الشرق» تغلق الباب و تتوقف عن انتظار عودة ابنها، بالغ من باب أنه شرّع للحزن كل المنافذ إلى قلوبنا، لكنّه كان أكثر كاتب كتب نهاية منطقية لمسلسل روى حقائق بارونات الإقتصاد تحت ظلال أنظمة دكتاتورية كالتي عرفها معظم العالم العربي …تميّز بشكل كبير و هو يقدّم «العرّاب « بروح شرقية لدرجة الإدهاش. لكن بريقا من الأمل لمع و نحن نقرأ أن المسلسل له جزء ثانٍ…
و خلف ذلك المشهد الجارح و « أبو عليا» ( جمال سليمان) يترنّح في دمائه مخترقا برصاصة في الظهر نقرأ أبعاد الجريمة في مجتمعنا، النهاية التي نتحاشى أن نراها بوضوح، القتل العمدي لكل ما تمّ بناؤه بأوهام ثورية سابقة، أو بأوهام سياسية مستوردة، أو بأوهام ثقافية أيضا، و تلتقي نهاية « العرّاب» لحاتم علي بنهاية « غدا نلتقي» لرامي حنّا، حيث يذهب كل واحد منهما لأقاصي المعضلة العربية برمزية قاتلة. لكن الأمر يأخذ منحى جماليا في كلتا النهايتين، و هذا هو الفرق بين الصناعة الدراميّة المكتملة و التصوير الإستعجالي لحلقات مسلسل يجب أن ينتهي بانتهاء رمضان …
سخرت مواقع التواصل الإجتماعي من مشهد هيفاء وهبي و هي متوجهة للإعدام بماكياج كامل في مسلسل « مريم» حتى ظننت أن المسلسل ختم بمشهد كوميدي و ليس بمشهد مأساوي، ثم تساءلت هل المأساة ضرورية في نهاياتنا إن لم يتطلبها العمل الدرامي؟
لماذا يكتب كاتب السيناريو دوما نهاية يظنُّ أنها ستعجب الجمهور؟ أو لماذا يوهم نفسه أن « الجمهور عاوز كده؟»
لعلّ الجمهور اليوم له ميولات أخرى، و لم يعد بحاجة إلى نهاية « تشيللو» و لا لنهاية « 24 قيراط» إنّه بحاجة لحزن حقيقي و فرح صادق، و بحاجة أكثر إلى ما يشبهه لا ما يشبه قصص الغرب المقتبسة بتشويهات خيالات مؤلفينا …
لكنّ الأرجح أنّه قبل كل شيء يريد قصصا تشبهه، إذا ليس من المنطقي أن نحزن مع « ماغي أبو غصن» و هي ترتدي ثوبا داخليا ورديا غامقا و هي تعيش الحداد على أخيها الوحيد، و تفكّر هي و زوجها بممارسة الحب لإنجاب بديل للأخ المنتحر…
في الحياة، حين ينتحر فرد من العائلة ينتكس باقي الأفراد و من حَولَهم، و يصبح الكابوس واقعا يوميا لا ينتهي … و في « تشيللو» لا حزن ماغي و لا حزن فيفيان أقنعانا…لا شيء أقنعنا سوى الأناقة اللبنانية، و الضيع الجبلية اللبنانية التي أخذت البابنا بسحرها و جمالها…غير ذلك وقع العمل في هشاشة توزيع الأدوار و قول ما لا يجب قوله، و سير الأحداث كأنّها قطع « بازل» غير مركبّة صح!
و لأنّ النهايات لها أهمية إختصار العمل الدرامي كله، فقد توقف عندها الكثيرون، و اُنتِقدت بشكل لاذع و ساخر في الغالب…لكن لنكن إيجابيين أكثر و نتوقع أعمالا أكثر نضجا في الموسم القادم، بنهايات أكثر منطقية، و واقيعة، و ما دامت بعض الأعمال تنجز حلقاتها و تعرض في رمضان نفسه، أتمنى أن يفتح صُنّاع العمل باب المشاركة في كتابة النهايات للجمهور، أو تُقترح عدة نهايات و يترك للجمهور الإختيار، أو تحسم النهاية بشكل يتقبله العقل.
هذا و أعود لموضوعي الرئيسي الذي انطلقت منه، لو لم يكن هناك « يوتيوب» و مواقع أخرى تبث حلقات المسلسلات ، كيف كان لنا أن نرى الحلقات الأخيرة التي بثت في العيد؟
أم أن بث الحلقات الأخيرة خلال العيد عمل مقصود لتفادي انتقادها؟ أو لحث الجمهور لمتابعة الأعمال الدرامية مرة أخرى بحيث يستثمر المسلسل الواحد أكثر من مرة؟ أو لسبب آخر نجهله؟
كل شيء وارد …ففي عالم التلفزيون قد نجد « شخصا» واحدا يقرر بدل ملايين الجماهير و « يعلفهم» بالطريقة التي يراها مناسبة لهم…فيما علينا بطريقة ألطف و أجمل أن نهمس في أذنه و أذان المتفرجين أن الأمر ليس بهذه البلاهة.

شاعرة و إعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية