رغم ان كتب التاريخ في متناول الجميع ـ وطبعا رخيصة الثمن ـ إلا أن ثلة من الكتاب العرب، إما تتعمد ألا تقرأها او انها قرأتها، لكنها تمعن في خلطها او تزويرها لتشويه صورة خصوم من يدينون لهم بالولاء والعكس صحيح.
اكبر عملية تزوير للتاريخ الحالي ـ بعد تزوير تاريخ فلسطين بالطبع ـ كانت محاولة تصوير حوثيي اليمن على انهم يد ايران الخفية والعلنية، التي تحاول زعزعة الاستقرار ـ غير الموجود اصلا ـ في جنوب الجزيرة العربية، والخنجر الفارسي الذي سيضرب دول الخليج في خاصرتها بايعاز من ايران، اضافة الى الايعاز الى الآلات الاعلامية وادواتها لتشويه صورة تلك الطائفة، عبر تصويرها بأنها خارجة عن الملة، وأنها دخيلة على اليمن، ولهذا ارتأيت ان أعود بالتاريخ قليلا لتوضيح حقيقة ما يحدث لهذه الطائفة المجني عليها من الجميع، سواء من ايران او من اعدائها في المنطقة.
حركة الحوثيين ـ نسبة الى مؤسسها حسين الحوثي، الذي قتل على يد القوات اليمنية عام 2004، التي ينتمي اعضاؤها الى المذهب الزيدي، او من يعرفون باسم «انصار الله» حاليا و»الشباب المؤمن» سابقا، تأسست عام 1992، اي في عهد الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وقد اسسوا حركتهم هذه نتيجة ما تعرضوا له من تهميش وتمييز من الحكومة اليمنية انذاك، ولم يكن صراعهم مع الحكومة اليمنية له اي بعد اقليمي او طائفي، ولكنهم خرجوا على الحكومة نتيجة عدم الرضا عن سياسات النظام اليمني الداخلية والخارجية، اضافة الى استهداف متعمد لمذهبهم ورموزه وتاريخه في اليمن، وكانوا اكثر الناس معارضة لنظام علي عبدالله صالح. والحوثيون زيدية وليسوا على المذهب السائد في جمهورية إيران الإسلامية ولا جنوب لبنان، ولا يعتبرهم الشيعة على مذهب «الاثني عشرية» ولا مذهب «آل البيت»، رغم انهم يحتفلون بعيد الغدير ويقيمون عاشوراء. يقول محمد بدر الدين الحوثي «نحن لب الزيدية عقيدة وفكراً وثقافة وسلوكاً. ونسبة الزيدية إلى الإمام زيد بن علي عليه السلام، هي نسبة حركية وليست نسبة مذهبية، كما هي بالنسبة لأتباع الإمام الشافعي (رضي الله عنه) وغيره من أئمة المذاهب. ومن ادعى أننا خارجون عن الزيدية ـ سواء بهذا المفهوم الذي ذكرناه أو غيره ـ فعليه أن يحدد القواعد التي من خلالها تجاوزنا المذهب الزيدي وخرجنا عنه، ولكن بمصداقية وإنصاف. أما من يدعي أننا إثنا عشرية فهو جهل واضح لأن لكل مذهب أصولاً وقواعد تميزه عن المذاهب الأخرى، ومن لم ينطلق من تلك الأصول والقواعد فليس تابعاً لذلك المذهب، وإن كانت هناك قواسم مشتركة بيننا وبين الإثني عشرية فهي موجودة كذلك بيننا وبين بقية المذاهب كلها، فالذي يرى أننا اثنا عشرية بمجرد إقامة عيد الغدير، أو ذكرى عاشوراء أو نحو هذا فهو جاهل ومغفل لا يستحق النقاش معه»، وهذا تصريح واضح بان الزيدية لا علاقة لها بالاثني عشرية الشيعية، رغم انها ليست تهمة.
حكم ائمة الزيدية شمال اليمن طوال الف عام تقريبا، واستمر حكم الائمة في شمال اليمن حتى 1962، حين اطاحت بالامام البدر ثورة تهيمن عليها شخصيات سنية واستمر الصراع في السبعينات بين انصار الزيدية والجمهوريين السنة، لكن الزيدي علي عبدالله صالح حكم اليمن اعتبارا من عام 1978 واقام الوحدة مع دولة اليمن الجنوبي الاشتراكية، ثم قمع في 1994 محاولة قادها جنوبيون للانفصال مجددا، كما خاض ست حروب مع الحوثيين، من خلال حلفائه في تجمع حاشد القبلي وزعمائه آل الاحمر.
وبعد أن استمر القمع ضد الزيدية، بدأ الحوثي بعسكرة الحركــــة، وحث أعضــــاءها على شراء الأسلحة للدفاع عن أنفسهم ضد الحلفاء، وعندما أقر نظام صالح حرب إدارة بوش على الإرهاب وغزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، رأى حسين الحوثي أن الفرصة باتت سانحة لتوسيع ندائه لتنظيم الشباب المؤمن، من خلال مهاجمة تحالف صالح مع الولايات المتحدة.
اما سبب ظهور الحوثيين على الساحة فله علاقة بالمد الوهابي الى اليمن، خاصة عقب عودة رجل دين كان مقيما في السعودية، وهو مقبل الوداعي عام 1979 الى قرية دماج في صعدة معقل الحوثيين وتأسيسه هناك مدرسة وهابية بدعم من الحكومة اليمنية وآل الاحمر والسعودية، سماها «دار الحديث» ودعمت الحكومة اليمنية والسعودية هذه المدارس التي انتشرت في كل انحاء اليمن، مما استفز اتباع المذهب الزيدي، خاصة ان الوادعي كان يقول ان اصحاب المذهب الزيدي «أهل بدعة». وبدأ طلاب الوادعي بهدم مساجد واثار الزيديين في صعدة، وجاء الرد الزيدي متأخرا في التسعينات بتأسيس حزب الحق لمقاومة الوهابية سياسياً، وحركة «الشباب المؤمن» بقيادة حسين بدر الدين الحوثي، وركزوا على إعادة إحياء النشاط الزيدي، اجتماعيا ودينيا في المنطقة، فبنوا المدارس الدينية التي سموها «المعاهد العلمية» في صعدة والجوف وصنعاء بأموال من زيدية أثرياء وأعادوا طباعة مؤلفات بدر الدين الحوثي التي يرد فيها على مقبل الوادعي.
خاض الحوثيون بين 2004 و2010 ست حروب مع صنعاء، خصوصا في معقلهم الجبلي في صعدة، كما خاضوا حربا مع السعودية بين 2009 ومطلع 2010 في اعقاب توغلهم في اراضي المملكة، والزيديون يشكلون نسبة اكثر من ثلث السكان في اليمن تقريبا. وحولت هذه الحروب حركة الحوثي من ناشطين طلابيين إلى متمردين محنكين.
كما أنها حولت أيضاً قاعدة دعم الحوثيين من بين طلبة الجامعات الزيدية، إلى جميع اليمنيين المتضررين من سياسات صالح في الشمال. وقد تمكن الحوثيون من اغتنام النقمة التاريخية على نفوذ آل الاحمر ضمن حاشد وفي شمال اليمن، مع العلم ان حاشد طالما اعتبرت الدعامة الاقوى للحكم في صنعاء.
استمرت عملية تشويه الحوثيين في اليمن، حيث اتهمتهم الحكومتان اليمنية والسعودية وحزب التجمع والاصلاح ـ الذي لا يخفي علاقاته بالسعودية وآل الاحمر ـ بانهم يتلقون الدعم من ايران ـ والسعودية اتهمتهم بتلقي دعم من دولة قطر ايضا في اوائل عام 2014 ـ ولم يثبت ذلك، لكن هذا لا ينفي انهم يتلقون حاليا او منذ عام 2012 دعما إيرانيا ماديا محدودا.
وكان جيفري فيلتمان، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى عام 2009 قد قال: «العديد من أصدقائنا وشركائنا حدثونا عن تدخل خارجي لدعم الحوثيين، وسمعنا عن دعم إيراني لهم.. لأكون صادقا معكم، نحن لا نملك مصادر مستقلة عن أي من هذا». وحسب دراسة لمعهد الدراسات الاستراتيجية في واشنطن صدرت عام 2011، لم تقدم الحكومة اليمنية بقيادة علي عبدالله صالح دليلا قاطعاً بشأن التدخل الإيراني، وحسب الدراسة فإن الحوثيين يحتاجون للدعم المالي، ولكن المساعدات المالية يصعب إثبات حصولها.
وأشارت برقية ويكيليكس برقم (09SANAA2186) إلى إمداد الجيش اليمني للحوثيين بالسلاح، ووفقا لتقرير مجموعة الأزمات الدولية، فإن رئيس جهاز الأمن القومي تحدث قائلاً: «إيران لا تسلح الحوثيين فأسلحتهم يمنية معظمها قادم من المقاتلين الذين حاربوا الاشتراكيين عام 1994 ومن ثم بيعت للحوثيين».
مما سبق نرى ان الحكومة اليمنية انذاك وحاليا، اضافة الى دول مثل السعودية وحلفائها، أرادت صبغ الصراع مع الحوثيين بصبغة طائفية لتلقي الدعم المالي والمعنوي من دول مجاورة، لتصوير الصراع بانه جزء من حرب إقليمية وتهديد للأمن العالمي، للتغطية على مواجهة التنظيمات الإرهابية التي كانت وما زالت تعج بها الاراضي اليمنية. ويرى المتتبع للاحداث في اليمن ان هناك نوعا من التعبئة كان وما زال ضد الحوثيين ومحاولة استغلال مظلوميتهم من قبل مراكز القوى في اليمن لتأليب الرأي العام العربي والعالمي عليهم فظلموا مرتين من ايران التي لا تعترف بمذهبهم، ومن دول المنطقة التي لا ترى فيهم سوى طائفتهم.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
احمد المصري