«الدستور» تشن هجوما عنيفا على الأزهر وتطالب بتولي مستشار السيسي مشيخته

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: ثلاث قضايا رئيسية شدت اهتمامات الأغلبية والصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 4 أبريل/نيسان، الأولى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لأمريكا ومقابلته الرئيس دونالد ترامب. والثانية أزمة نادي الزمالك واهتمام جماهيره بها، وكذلك اهتمام جماهير النادي الأهلي، والناديان هما الحزبان الرئيسيان في مصر وصاحبا الأغلبية الشعبية الكاسحة، الأهلي في المقدمة والزمالك في المرتبة التالية له. والثالثة هي الارتفاعات المستمرة في الأسعار والشكوى لله من الحكومة وأفعالها، والدليل على ذلك ما أخبرنا به الرسام محمد عبد اللطيف في «اليوم السابع» بقوله إنه كان يسير في أحد الشوارع فشاهد شخصين أحدهما يصرخ: اللهم بلغنا أول الشهر والثاني يضحك.
وفي ما عدا ذلك فإن باقي المشاكل حظيت كل منها باهتمام فئات معينة، البعض اهتم بالمقاطعة التي تحدث للأسماك بعد الارتفاع الجنوني لأسعارها، ولأنها سلعة سريعة التلف فإن البائعين يصرخون مناشدين الناس عدم المقاطعة لأنهم يغلقون محلاتهم ويسرّحون العاملين فيها، وأنهم ضحايا للتجار الكبار. ولوحظ أن وزارة الداخلية عن طريق شركتها «أمان» بدأت في بيع الأسماك في منافذها بجانب السلع الغذائية الأخرى في عدد من المدن، كما أنها تخطط لافتتاح عشرات من المنافذ، وسط دهشة الناس من الحديث عن مشروعات المزارع السمكية العملاقة في عدد من المحافظات التي تم افتتاحها منذ عدة شهور، وقيل وقتها إنها ستكفي الإنتاج المحلي والفائض للتصدير.
وحدث اهتمام أيضا بالعمليات العسكرية الناجحة في جبل الحلال وتطهيره من العناصر الإرهابية، وكذلك بالمعركة الدائرة بين المؤيدين لإعادة جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، تنفيذا للاتفاق الموقع بين الرئيس السيسي والملك سلمان، وإحالته إلى مجلس النواب، لأنه صاحب الاختصاص لا محكمة القضاء الإداري العليا، التي حكمت ببطلانه، وإن كان هناك ميل شعبي واضح لإعادتهما للسعودية، وإنهاء هذه المشكلة. وسيلاحظ القارئ اهتماما منا بردود الأفعال المستمرة على تجربة الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر ليس بسبب انحيازنا إليها، وإنما لأنها التي تسيطر على اتجاهات الغالبية الآن وتفرض على النظام السير في اتجاهات قريبة منها خوفا من الاصطدام بهذه الأغلبية ومصالحها، ولا يمكن لأي متابع غير مصري فهم ما يحدث في بلادنا إلا بفهم هذه القضية. وإلى ما عندنا..

عهد عبد الناصر

ونبدأ بعهد الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر ونظامه وسياساته، حيث لا يزالان حيين بين الأغلبية الساحقة، رغم وفاة عبد الناصر منذ سبعة وأربعين عاما. لدرجة أن رجل الأعمال وصاحب «المصري اليوم» صلاح دياب قال يوم الاثنين في عموده الذي يكتبه تحت عنوان «وجدتها» ويوقعه باسم نيوتن: «الكثيرون يستسهلون التكفير، أعتبر ذلك تطرفا لا أميل إلى تكفير «داعش» نفسه أراه تنظيما يفهم الدين بشكل خاطئ، يتخذ من العنف وسيلة للتعبير عن نفسه لن يكون التنظيم الأخير من نوعه، كما أنه لم يكن الأول، سبقه تنظيم «القاعدة»، «الجهاد» «الجماعة الإسلامية» وغيرها من التنظيمات المتطرفة، مثلما هناك تكفير ديني هناك أيضا تكفير سياسي، ومثلما هناك تطرف ديني هناك تطرف سياسي، فدواعش الدين تقابلهم في السياسة دواعش السياسة. دواعش الناصرية يتربصون بكل من يقترب من القطاع العام، يهاجمون كل من يعترض على وسائل اشتراكية انتهت صلاحيتها، وأثبتت فشلها في نصف الكرة الأرضية، مثلما فشلت عندنا. أعلن عبدالناصر أنه يتبناها في خمسينيات القرن الماضي كان حسن النية، اعتقد أنها الطريق إلى تحقيق العدالة. تمنيات عبدالناصر للطبقة المسحوقة لا خلاف عليها لا خلاف على مقاصده كلها نبيلة دون أدنى شك، كان زعيماً عظيماً ولا خلاف، الخلاف كله كان وما زال على وسائله، أثبتت التجربة أن تمنيات عبدالناصر للطبقة المسحوقة وفرتها لهم بلاد أخرى بوسائل مختلفة مثل، بريطانيا ألمانيا السويد إيطاليا كندا أمريكا، وفرتها في التعليم، في الرعاية الصحية، المعاش العادل. عملت ثاتشر على خصخصة كبريات الشركات البريطانية واحدة تلو الأخرى: شركة الخطوط الجوية البريطانية، السكك الحديد البريطانية، البريد الملكي، شبكة الهاتف، كل شركات الفحم، شركة «رولس رويس» لصناعة السيارات، وفرت حياة كريمة للطبقات الفقيرة هذا ما أراده عبدالناصر في مصر، لكن وسائله خذلته. نجحت ثاتشر في تحقيقها بوسائل مختلفة قال أينشتاين: هل تتوقعون نتائج مختلفة مستخدمين الوسائل نفسها؟».

الزمن الجميل

أما الدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في مصر فقال في مقاله الأسبوعي في «الأهرام» وكان عنوانه «ما هو الزمن الجميل» وأبرز ما قاله فيه: «لقد بدأت هذه الفترة بعد وقت قصير من صدور بعض الإجراءات التي اتخذتها حكومات ثورة 1952 لوضع حد للنظام الإقطاعي في مصر: اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وقد تضمن ذلك دون شك نوعا من «التحرير» الحقيقي لعدد كبير من المصريين، كقانون الإصلاح الزراعي وتعميم مجانية التعليم، وقد ابتهج كثيرون أيضا وأنا منهم بقرارات التأميم في 1961 «وإن كانت أيضا قد أغضبت كثيرين» كان هذا هو الوقت الذي بدأ فيه أيضا استخدام لقب «السيد» في مصر بدلا من البيك والباشا، وكان من المدهش حقا كيف طبقه الناس بسرعة وقبلوه بسهولة. من المدهش أيضا كيف اقترنت هذه الأحداث المبهجة ببزوغ الكثير من المواهب الفذة في مختلف جوانب الحياة الثقافية المصرية: في الأدب والشعر والمسرح والسينما والموسيقى والغناء، ففي هذه الفترة ظهرت الأعمال الأولى ليوسف إدريس «أرخص ليالي» التي بهرتنا باتجاهها الجديد في القصّ، وفي تركيزها على شرائح اجتماعية، كان أدباؤنا يهملونها بدرجة مدهشة حتى ذلك الوقت ظهرت أيضا مدرسة جديدة في الشعر «صلاح عبدالصبور وعبدالمعطى حجازي» تمردت على القواعد التقليدية في القصيدة العربية ولمعت مواهب عبد الحليم حافظ وكمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد الموجي، كما ظهرت فرقة المسرح الحديث «برئاسة زكي طليمات» التي قدمت للناس وجوها كثيرة تربعت بعد ذلك على عرش التمثيل لفترة طويلة كسناء جميل سعيد أبو بكر عبد المنعم إبراهيم وسميحة أيوب الخ».

القضاة ومجلس النواب

وإلى معركة القضاة مع مجلس النواب بسبب تمريره اقتراح تعديل قانون القضاء، ما دفع هالة فؤاد التي شاركت في ثورة يناير/كانون الثاني لأن تقول في مقالها في مجلة «آخر ساعة» الذي تكتبه تحت عنوان «ضربة قلم»: «لم يمض وقت طويل على الأزمة التي أثارها البرلمان في علاقته بالصحافيين، حتى تبعها سريعا تفجيره لأزمة أخرى ربما تكون أخطر وأشد في تبعيتها ونتائجها، ويبدو أن تجاوز الصحافيين لأزمتهم بهدوء ودون ضجيج وصخب، أغرى نواب البرلمان لإشعال فتيل أزمة أخرى، أقر مجلس النواب قانون تعديل السلطة القضائية رغم علم الجميع أنه لا يحظى بقبول جموع القضاة، إلا أن أحدا لم يستمع لتلك المطالب، وجرى إقرار القانون بسرعة غير عادية، فتحت معها باب الشكوك حول توقيت صدوره والإسراع بتمريره، شكوك كادت تصل إلى حد اليقين من أن الهدف استبعاد شخصيات بعينها على غير هوى النظام، وإطلاق يد السلطة التنفيذية للتغول والإمساك بكل مفاصل البلاد. شكوك مشروعة كافية لتفجير أزمة خطيرة، رغم اعتراف رئيس البرلمان بأن الوضع في مصر لا يحتمل إشعال أزمات جديدة إلا أنه ساهم بقوة في واحدة من أخطر هذه الأزمات».

اعتداء على مبدأ دستوري

ونشرت «الدستور» أمس الثلاثاء في صفحتها الثانية عشرة تحقيقا لعماد سليمان قال فيه المستشار عبد الوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة ساخرا من مجلس النواب: إن النص المقترح لتعديل قانون السلطة القضائية «يتضمن اعتداء على مبدأ دستوري أصيل هو استقلال القضاء، ويفتح بابًا خطيرًا للسلطة التشريعية في العدوان على القضاء»، متهما مجلس النواب بأنه «يكيل بمكيالين». وأضاف أنه لا يجوز للسلطة التشريعية أن تتستر وراء اختصاص منحه لها الدستور، لتمارس نشاطا آخر يمنعه الدستور، ويتعين سد هذا «التحايل»، حسب قوله، مشيرًا إلى أن الدستور أعطى لمجلس النواب سلطة التشريع، لكنه لم يعطها حق العدوان على سلطة القضاء. وتابع أن استقلال السلطة القضائية له مفهوم وثيق الصلة بإحدى الضمانات الأساسية في المجتمع، المتمثلة في حماية حقوق المواطنين وحرياتهم، مشددًا على أن استقلال السلطة القضائية ليس تمييزًا لها، فهي سلطة أصيلة تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية‏،‏ وتستمد وجودها وكيانها من الدستور ذاته لا من التشريع‏. وقال إن المشرّع عادة لا يكشف عن نواياه صراحة في نصوص القوانين، لكن من يتمعن في تضاعيف العبارات يستطيع التوصل إليها، ومعرفتها، موضحًا أن التعمق في دراسة تعديلات قانون السلطة القضائية يكشف عن أن المشرع «أخفى نواياه الحقيقية، وألبسها ثوبا يخفي حقيقتها والهدف منها، لكن يجب على السلطة التشريعية ألا تعزل القضائية عن اختيار من يمثلها». وأن حرية إرادة القضاة تعني حرية الاختيار وهم الأقدر على التمييز، ولا يعهد بهذا الاختيار لشخص واحد، ولو كان رئيس الجمهورية، والأصل العام ألا يحرم القضاة من الاختيار الحر لرؤسائهم.
واعتبر مشروع القانون «سيثير فتنة داخل الأسرة القضائية الواحدة، إذ ما هو المعيار المنضبط لهذا الاختيار إلا الولاء لإرادة من اختاره؟ لأن القضاة لديهم أيضاً طبيعة بشرية»، متهما مجلس النواب بأنه «يطبق الدستور بمعيارين، الأول فيما يخصه باختيار رئيسه، والثاني إهداره عشرة نصوص دستورية عن استقلال القضاء في اختيار رؤسائه، فكيف يشرّع مجلس النواب لاستقلاله هو ثم يمس استقلال السلطة القضائية؟». إن اعتبار مجلس النواب نفسه «مطلق السلطة دستوريًا في مشروع القانون، ينال من مبدأ الفصل بين السلطات ويخل بالتوازن والتعادل بينها، ويقوض دعائم شرعية الحكم فى البلاد، فمن بين مفاهيم مبدأ الفصل بين السلطات – حقيقة لا شعارا – ألا تطغى سلطة على أخرى أثناء ممارسة اختصاصاتها الدستورية». وأن «رئيس الجمهورية في الدستور الجديد لم يعد حكمًا بين السلطات ولم يعد يرأس مجلس القضاء الأعلى، وذلك له دلالته الدستورية فكيف يختار رؤساءه؟»، مضيفًا: «لم يعد هناك فى مصر دستوريًا من له سلطة حل الخلافات التي قد تنشب بين سلطات الدولة سوى القضاء ذاته، الضمان الوحيد للعدل والإنصاف بالقسط». ولفت إلى أن دستور 2014 ألغى نصا تضمنه دستور 1971 بأن «يشكل مجلس يضم رؤساء الهيئات القضائية يرأسه رئيس الجمهورية ويرعى شؤونها المشتركة»، معتبرا هذا «أمرًا له دلالته الدستورية في عميق الفكر الدستوري، بغل يد الرئيس عن التدخل في شؤون العدالة بمعناها الواسع، وليس بصدد قضايا معينة وكلتاهما باتت جريمة بنص المادة «184» من الدستور الحالي لا تسقط بالتقادم، وما يسري على الرئيس كسلطة تنفيذية بشأن هذين الجريمتين يسري من باب أولى على السلطة التشريعية حينما تقدم على تشريع ينال أو ينتقص من شؤون العدالة».

فتنة القضاء المصري

وإلى الشروق وفهمي هويدي ومقاله الذي اتهم فيه النظام بمحاولة السيطرة على القضاء قبل الانتخابات الرئاسية ومما قاله: « في العصر الحديث فإن السلطة إذا أرادت أن تحكم قبضتها على المجتمع فإنها تحقق مرادها من خلال أربعة عناصر هي الجيش والشرطة والقضاء والإعلام. الجيش والشرطة يمثلان القوة المادية، والقضاء يوفر الغطاء القانوني. أما الإعلام فقد ظل سلاح التعبئة والتبرير والتسويق. وإذا كان الجيش والشرطة يمثلان القوة المادية فإن القضاء والإعلام ظلا يمثلان القوة الأخلاقية والمعنوية. واحتل القضاء موقعا خاصا باعتباره حارسا لقيم العدل والحرية. وبسبب ذلك الموقع الفريد، فإن الموقف من القضاء ظل دائما معيارا لمدى رسوخ قوائم العدل والحرية في المجتمع. ونحن نشهد في الوقت الراهن مثلا كيف يقود القضاء حملة التصدي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قراراته التي تنتقص من قيم الحرية في المجتمع. هذه النقطة الأخيرة وثقها وفصّل فيها المستشار طارق البشري في كتابه «القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء» » إذ بين كيف أن ثورة يوليو/تموز 1952 أحاطت بالقضاء وأبعدته عن التأثير، في ما ترى الدولة أنه يمس سياستها. إذ لجأت إلى منع التقاضي في المسائل التي اعتبرتها ذات أهمية سياسية، كما أنشأت محاكم خاصة لنظر القضايا ذات الحساسية السياسية بالنسبة للنظام الجديد (محاكم الثورة مثلا). وفيما عدا بعض الاستثناءات فقد ترك القضاء ورجاله على حالهم، رغم الصدام الذي حدث مع نظام عبدالناصر في عام 1969، وأفضى إلى ما سمي بمذبحة القضاة. لكن الأمر اختلف في المرحلة الساداتية التي بدأت عام 1970 وما تلاها. إذ بدأت السلطة في العبث بالقضاء بعدما ضاقت به (في الفترة بين عام 1984 إلى عام 2000 حكمت المحكمة الدستورية ببطلان مجالس الشعب الأربعة التي شكلت خلالها). ولجأت في عبثها إلى الإبقاء على هياكل القضاء مع تفريغه من مضمونه (أشرف القضاء على الانتخابات التي تم تزويرها). وهو ما حدث مع الأحزاب التي سمح لها بالتعددية، إلا أن دورها بات منعدما. في الوقت الراهن الذي تمت فيه عسكرة السلطة وأصبحت القوات المسلحة لأول مرة في التاريخ المصري تتصدر المشهد السياسي، فإن خطوات التمكين ذهبت إلى أبعد، إذ بعد تذويب الفوارق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حل الدور على السلطة القضائية لكي تمضي على درب الإلحاق، وبعدما قطعت أشواطا عدة في ذلك الاتجاه اقتضى الأمر استكمال عملية الإلحاق، من خلال تعيين رؤساء الهيئات القضائية بقرار من رئيس السلطة التنفيذية. هذه الخلفية تسوغ لي أن أزعم أن مشروع قانون السلطة القضائية الجديد ليس منفصلا عن الخطوات التي سبقته، وجرى فيها إلحاق أهم مؤسسات المجال العام بالسلطة، وحين تتسارع تلك الخطى خلال العام الحالي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية التي تحل في العام المقبل، فإننا ينبغي أن نقرأ المشهد بعين أخرى، إذ حين يفضي كل ذلك إلى التمكين للسلطة وتأميم المجال العام، فلا تفسير له إلا بحسبانه نوعا من ترتيب الأوراق وتأمين الفضاء الداخلي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، وإذا صح ذلك فإنه يثير سؤالا كبيرا حول كيفية التعامل مع ملف الانقسام السياسى والحرب الأهلية الباردة الجارية منذ ثلاث سنوات في بر مصر».

خط الدفاع الأخير

ومن هويدي إلى زياد بهاء الدين الذي شارك في المعركة في مقاله الأسبوعي الذي يكتبه في الصفحة الأخيرة من «الشروق» بقوله: «إنني اتفق مع ضرورة رفض تعديلات القوانين المشار إليها، لأنها تنتقص من استقلال القضاء وهو أصل الضمانات الدستورية كلها، وفي غياب قضاء مستقل فلا قيمة لأي ضمان أو حق دستوري آخر، لأن القضاء هو خط الدفاع الأخير عن كل الضمانات والحقوق، وهو القادر على وقف اعتداء السلطة التنفيذية عليها والتعديلات الأخيرة على أي حال مهددة بالبطلان، بسبب عدم استشارة الهيئات القضائية المعنية قبل إصدارها. وأظن أن كثيرين غيري تناولوا كل هذا بالتفصيل وبتعمق كاف، ولهذا فما يشغلني هنا أن القضية ينبغي ألا تتعلق بهذا التعديل القانوني وحده، بل باستقلال القضاء وعدالته بشكل عام، ما يتطلب أن ننظر للموضوع بشكل أكثر شمولا. من جهة ثانية يقلقني أن يتخذ نادي القضاة موقفا ــ حسب المنشور في الاعلام ــ بضرورة وقوف القضاة جميعا ضد هذه التعديلات ومحاسبة من يخرج عن الصف، هذا قيد على حرية التفكير والرأي، ويجب أن لا يصدر عن مؤسسة تعمل على الدفاع عن الحريات، لكل قاضٍ حرية تكوين رأيه المستقل في شؤون مهنته ولو لم تتفق مع الغالبية. وأخيرا فإن قضيتنا ينبغي ألا تقتصر على مجرد دعم القضاة في معركتهم الحالية، بل التمسك بحق المجتمع في قضاء عادل ومستقل ونزيه في كل الأحوال. وهذا يحتاج من القضاء أن يكون بدوره منحازا انحيازا تاما ومطلقا للعدالة، في كل موقف وكل مناسبة، وأن يكشر عن أنيابه ويتخذ موقفا قاطعا ليس فقط مما ينتقص من أوضاع القضاء والقضاة، وإنما من كل ما يمس سيادة القانون والعدالة في المجتمع، وكل ما يمس حقوق المواطنين وحرياتهم».

مشاكل وانتقادات

وإلى المشاكل والانتقادات ومهاجمة أحمد عبد التواب في «الأهرام» عدد أمس الثلاثاء في عموده اليومي «كلمة عابرة» رجال الأعمال وفسادهم بقوله: «لا يتحمس أثرياؤنا الجدد للأعمال الخيرية والنشاطات التطوعية، إلا عدد محدود خارج السياق العام، ذلك لأن الأغلبية الساحقة منهم شبّوا على أن يضمنوا أولاً الفوائد الفورية، بدءاً من وجود الكاميرات التي تضعهم في قلب المشهد، إلى التسهيلات في البيزنس وفي قروض البنوك، والكرم في نصيب من أراضي وأملاك الدولة بالبخس وإعفاءات الضرائب وتزكيتهم في الانتخابات إلخ.. وفي كل الأحوال فهم لا يؤمنون بالوعود المستقبلية البعيدة، وإنما بالدفع الفوري كما أنهم ينفرون من الكلام عن الدور الاجتماعي لرأس المال. أما الفقراء بالنسبة لهم فهم العمالة الرخيصة، هؤلاء رغم المعارك الشرسة بين بعضهم بعضا على اقتناص الفرص، فإنهم يصطفون معاً بالغريزة ويصيرون كتلة واحدة ضد الآخرين، الفقراء أو حتى الدولة وأجهزتها، حتى إذا كان المطلوب منهم مجرد تعديل للقواعد الجائرة التي يُضار منها غيرُهم، ويخسر منها الوطن ومع التكرار صارت مواقفهم من حقائق الواقع المصري! لذلك يجب أن نصل إلى النتيجة المنطقية بأنه صار من واجب الدولة أن تُحَصِّل بنفسها نصيب هؤلاء الأثرياء في الأعباء العامة الضاغطة بشدة التي تتحملها بالكامل الجماهير الفقيرة ومتوسطة الحال».

مصرنا ما زالت بخير

وفي الصفحة نفسها وفي باب «بريد الأهرام» نشرت الصحيفة تعليقا لأستاذ الطب النفسي الدكتور يسري عبد المحسن بعنوان «هدم النفوس» دافع فيه عن سلامة المجتمع، رغم كل مظاهر الفساد والانحراف التي تنشرها وسائل الإعلام وقال: «إن مصرنا ما زالت بخير، وما زال مجتمعنا هو مجتمع الشرفاء المخلصين العاملين الكادحين على أرض الرسالات السماوية ومهد الحضارات الإنسانية «والخير في أمتي إلى يوم الدين» كما قال رسولنا الكريم عليه أفضل السلام. ويا أصحاب الإعلام والأقلام أنشروا الخير وافشوا السلام وارفعوا راية الحق بالتركيز على الإنجازات والحث على مزيد من العمل الإيجابي بدلا من جلد الذات وهدم العقول والنفوس».

معارك الإسلاميين

وإلى إخواننا في التيار الإسلامي ومعاركهم ومطالبة فرج أبو العز في «الأخبار» في يوميات الصفحة الأخيرة يوم الاثنين بوقف فوضى الفتاوى، بحيث أصبح كل من هبّ ودبّ يفتي وطالب بحصرها في الأزهر وقال: «في اعتقادي أن الجانب المهم في تجديد الخطاب الديني هو تركه لأهل الاختصاص من مؤسسة الأزهر الشريف، وهيئة كبار العلماء، وعدم ترك كل من هبّ ودبّ يتطاول على أصول الفقه وكبار الأئمة والفقهاء، فالمريض عندما يمرض يذهب لطبيب وليس لبقال، مع احترامي لمهنة البقالة. وعندما تريد أن تبني منزلا تذهب لمهندس معماري وليس لطبيب بيطري، على سبيل المثال، والأولى هنا أن تكون الفتوى على أيدي العلماء المختصين، حتى لا نجد من يفتي بحرمة الاحتفال بعيد الأم وغيرها من الخزعبلات التي تصدر ليل نهار تحت مسمى فتاوى».

لا يعملون ويحزنهم أن يعمل الآخرون

لكن صحيفة يومية مقربة جدا من النظام وهي «الدستور» شنت هجوما عنيفا على الأزهر وطالبت بأن يتولى الدكتور الشيخ أسامة الأزهري مستشار الرئيس للشؤون الدينية وعضو مجلس النواب منصب شيخ الأزهر، بدلا من الدكتور الشيخ أحمد الطيب وقالت: «لن يكون بعيدًا أن يحظى بها في يوم من الأيام فهو يستحق أن يكون على رأس المؤسسة الكبيرة ليعيد صياغتها وينفخ فيها من روح تجديده واجتهاده. الكلام عن الدكتور أسامة الأزهري عضو اللجنة الدينية في مجلس النواب، المستشار الديني لرئيس الجمهورية، كما يتم تقديمه في المناسبات العامة. ضعوا المناصب جانبًا اهتموا فقط بما يقوله وبما يكتبه وبما ينشره من أفكار وآراء تُعَرِّضه في الغالب إلى حالة من الحصار التي لا يطيقها أحد. عرف أن أسامة الأزهري الذي استطاع في سنوات قليلة أن يحصد إعجاب الجميع لا يرضى عنه شيوخ الأزهر الكبار الذين يرفضون عدم انتظامه ضمن القطيع الذي لا يرفع رأسه ولا يناقش أو يجادل. يمتلك أسامة الأزهري موقفًا واضحًا من الجماعات التي تتاجر بالإسلام، ويمتلك رؤية واضحة لما يعتري التراث من عيوب، ويعرف كيف يلج إلى ساحة الخطاب الديني بغرض تحديثه، وهي كلها أمور تجعلنا نتفاءل بوجوده ونحول بينه وبين أهل الشر، ليس من الخصوم فقط ولكن من الأصدقاء أيضًا. أحيانًا يُعاقَب أسامة الأزهري على أمور لا يرى هو أنها جريمة، لكن الآخرين يرونها كذلك. قديمًا قالوا إن الموهب مثل الجريمة إذا اكُتشف حاملها لابد أن يعاقب وأعتقد أنها قاعدة مصرية صرفة لا يمكن أن تجدها بهذه الوفرة في دول العالم المختلفة، ولذلك ليس غريبًا عندما أجد من يحاصر أسامة أو يتصيد له التصريحات ويشعل النار من حوله. هذا شاب مستقبله كله أمامه ولن يكون غريبا أن يصبح هو وليس غيره شيخا للأزهر، وإماما أكبر لا أشتبك هنا مع أسامة الأزهرى فلا مساحات للاشتباك بيننا، لكنني أشير إلى هؤلاء الذين لا يعملون ويحزنهم جدًا أن يعمل الآخرون».
وهذا تصعيد خطير ومفاجئ وإحياء لأزمة قديمة تم نسيانها بين الرئيس والأزهر عندما اقترح على الأزهر تقييد الطلاق الشفهي بأن يكون أمام المأذون، وهو ما رفضه الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية وكذلك دار الإفتاء وقالوا إن الطلاق الشفهي يقع، ولكنهم في الوقت نفسه أعطوا لولي الأمر حق تقييده إذا رأى مصلحة في ذلك.

الأزهري وكشك

وإلى الصفحة الرابعة من «الوطن» حيث المقال اليومي الذي يكتبه مستشارها وأستاذ الإعلام الدكتور محمود خليل تحت عنوان «وطنطن» لأنه أخذنا إلى معركة مختلفة فيها ذكريات طريفة وليست بعيدة عن الشيخ أسامة الأزهري. قال عن المرحوم الشيخ عبد الحميد كشك وهو يغمز الشيخ أسامة في الوقت نفسه: «توقفت أمام تقييم الشيخ أسامة الأزهري للشيخ عبدالحميد كشك – رحمه الله- في سياق حواره مع الإعلامي محمد الدسوقي رشدي حول السمات المطلوبة في رجل الدين، أو الداعية الذي ينهض بعبء مخاطبة الجمهور، وصف الشيخ الأزهري خطاب الشيخ كشك بالميل إلى السطحية والابتذال وعدم الاجتهاد في تكوين مدرسة علمية أو فقهية. وجهة نظر جديرة بالاحترام ولا شك، خصوصاً إذا جاءت على لسان رجل هادئ الطبع واضح الأفكار رصين اللغة، مثل الشيخ أسامة الأزهري، لكن ذلك لا يمنعني من تبيان أن الرجل وهو يقيم الشيخ «كشك» عزل الظاهرة عن سياقها ثم أخذ في التقييم، وهو مطب كثيراً ما يقع فيه بعض المحللين. يصح أن ننظر إلى الشيخ «كشك» كظاهرة وقد كان الرجل كذلك فلم أعاصر خطيباً يتقاطر عليه المستمعون بالآلاف كما كان الناس يفعلون معه، ولم يعرف تاريخ «شريط الكاسيت» رواجاً مثلما حدث مع شرائط خطب الشيخ كشك، كان المستمعون إلى الرجل بالملايين في شتى أرجاء مصر والعالمين العربي والإسلامي، ولا خلاف على أن تسفيه القائل واتهام خطابه بالابتذال والسطحية يحمل في طياته اتهاماً لملايين المستمعين بالتهم نفسها، والأكثر حيطة أن يتفهم من يحلل هذه الظاهرة أن خطب الشيخ «كشك» كانت لوناً ضمن مجموعة ألوان كانت تقدم للمستمعين، خلال هذه الفترة، كان هناك من يفضلها وهناك من يعزف عنها ويتجه إلى غيرها، حيث كانت الساحة – وأظن أنها لا تزال- تحتشد بأطياف مختلفة من خطباء الجمعة كان بعضهم يتمتع بشعبية ملحوظة».

ذكريات

وللشباب وهم الأغلبية الآن في مصر والعالم العربي نذكرهم بأن الشيخ كشك كان ضريرا وخطيب مسجد القبة في حي العباسية شرق القاهرة في فترة حكم الرئيس عبد الناصر وكان يهاجم نظامه تلميحا تارة وصراحة تارة أخرى، من خلال مهاجمة وزراء ومسؤولين وأوضاع، لا مهاجمة عبد الناصر شخصيا. وكانت وزارة الداخلية خاصة عندما كان يتولاها المرحوم شعراوي جمعة تبدي نحوه قدرا كبيرا من سعة الصدر، لأن شعراوي رغم أنه كان ضابطا في الجيش ومن جهاز المخابرات العامة كان ذا عقلية سياسية بارزة جدا، وكانت له علاقات واسع بالمثقفين والصحافيين عندما كان محافظا للسويس، وأنشأ هناك المعهد العالي للدراسات الاشتراكية، وكانت عندما تأتيه تقارير المباحث عن الشيخ يتجاوز عنها ويطلب تنبيـــــهه، وإذا استمر يتم اعتقـــــاله فترة ثم يأمر بالإفراج عنه وإعادته للمسجد، وتكررت هذه العملية عدة مرات. وفي عهد السادات تكرر الأمر وحدث أن اشتكى إليه الرئيس السوداني المرحوم جعفر النميري بأن الشـــيخ يهاجمه وأن شرائط الكاسيت منتشرة في عدد من الدول الإفريقـــية والآسيوية، وأذكر أن مقربا للسادات وقتها أخبرنا أنه قال لنميري «أعمله أيه يا جعفر ده بيهاجمني أنا كمان».
وبعد اغتيال السادات تم إلقاء القبض على الشيخ كشك ووجد نفسه مع مئات من السياسيين والصحافيين والكتاب وأساتذة الجامعات، وكان من بينهم الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، ولما علم بأمر وجوده معه سأله «هو أنت بقى بتاع على حزب وداد جلبي يا بوي» في إشارة إلى الأغنية التي غناها الفنان والمطرب الراحل عبد الحليم حافظ. والشيخ كشك هو من حكي هذه الواقعة في خطبة له بالمسجد بعد أن أفرج عنه، ثم صدرت قرارات بمنع عدد من المشايخ من الخطابة في المساجد مثل الشيخ عبد الرشيد صقر وغيره والشيخ كشك رحم الله الجميع».

«الدستور» تشن هجوما عنيفا على الأزهر وتطالب بتولي مستشار السيسي مشيخته

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية