الذراع اليمنى لصباحي يشبه السيسي ببوتين… وزاهي حواس يشبهه بأمنحوتب

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي» كان الموضوعان الرئيسيان في صحف أمس الثلاثاء 1 يوليو/تموز هو التفجيرات التي تمت أمام قصر الاتحادية في حي مصر الجديدة، وكلمة الرئيس السيسي بمناسبة الذكرى الأولى لثورة الثلاثين من يونيو/حزيران، ونجحت في تحويل اهتمامات الغالبية الساحقة من المصريين عن متابعة مسلسلات وبرامج التلفزيون ومباريات مونديال البرازيل إلى السياسة مرة أخرى، لعدة ساعات تابعوا فيها ما حدث في بعض البرامج وعادوا بسرعة لمتابعة المسلسلات والبرامج، رغم مأساوية الحادث وخطورته بسبب مقتل اثنين من كبار ضباط المتفجرات في مديرية أمن القاهرة، وهما العقيد أحمد أمين عشماوي والمقدم محمد أمين لطفي، وبتر يدي النقيب طارق عبد الوهاب وإصابة ثلاثة عشر من رجال الشرطة .
وكان قد تم العثور على ثلاث قنابل بدائية الصنع في الحديقة المواجهة للقصر وليس تفخيخ القصر، كما ادعى بيان صدر عن أجناد مصر في الثامن عشر من يونيو، ورغم مأسوية الحادث فإنه أثار ردود أفعال شديدة الغضب اتهمت الشرطة بالاستهتار، ما أدى إلى هذه الخسائر الفادحة فقد شاهد المصريون عملية تفكيك العبوات البدائية من ضباط كبار وخـــــبراء، من دون اتخاذ الاحتــــياطات الواجـــبة مثل، ارتداء بدلات واقية ظهر بها أحدهم في ما بعد، واستخدام أجهزة حديثة مثل، مدافع مياه تم عرضها في برنامج العاشرة مساء على قناة دريم، الذي يقدمه زميلنا وائل الإبراشي وكذلك روبرت.
وتم عرض كيف أن اللواء علاء عبد الظاهر مدير إدارة المفرقعات، الذي أصيب في الحادث كان ينحني ليشاهد كيف يفكك أحد الضباط العبوة، أي أن العملية ليست تفخيخا للقصر ولا هم يحزنون، إنما عبوات ملقاة في حديقة أمام القصر، وواحدة أمام نادي هليوبولس، لكنه الاستهتار والثقة الزائدة وعدم الانتظار حتى تصل المعدات التكنولوجية المتوافرة للتعامل الأمني.
أيضا ألقى الرئيس عبد الفتاح السيسي كلمة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لثورة الثلاثين من يونيو، أكد فيها أنه لا تهاون في مقاومة الإرهاب وسيتم بالتعاون مع الدول العربية، كما استخدم تعبير العروبة أكثر من مرة، وأكد على ضرورة تحمل المشاق لمدة عامين لتجاوز الأزمة الاقتصادية.
وأشارت الصحف إلى القبض على أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومعه قنبلة ومسدس خرطوش في شارع مصر حلوان الزراعي، أي خلف منزلي وكان في طريقه لزرع القنبلة بجوار مبنى المحكمة الدستورية العليا القريبة.
وواصلت الصحف الاهتمام بمظاهر رمضان والاحتفال به والشكوى من انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار، واخبرنا زميلنا الرسام الكبير في «الأسبوع» محمد الصباغ أنه كان قد ظهر هلال لرمضان غريب الشكل ووسطه مواطن بائس ومفلس ويصيح أهلا رمضان، وهو ما ذكرني بنكتة عمرها حوالي ثلاثين سنة عن مواطن كانت دار الإفتاء قد طلبت منه رؤية الهلال من جبل المقطم فلما شاهده صاح أهو شفته فأمروا بإعطائه مئة جنيه فقال وأدي هلال تاني.
وانتهت أمس الثلاثاء امتحانات الثانوية العامة وتم توقيع الصلح النهائي برعاية شيخ الأزهر بين قبيلتي الدابودية والهلايل في أسوان، وأكدت الحكومة نبأ الزيادات في أسعار الكهرباء والطاقة، وافتتح رئيس الوزراء إبراهيم محلب المحور المروري الجديد في ميدان المؤسسة في شبرا الخيمة شمال القاهرة، الذي سينهي أزمة التكدس على طريق القاهرة ـ إسكندرية الزراعي.. والى بعض مما عندنا..

حرص بوتين على أن تكون
أم معاركه ضد الإعلام المستقل

ونبدأ بالمعارك والردود وبدأها يوم السبت من «الأهرام» مساعد وزير الخارجية السابق السفير معصوم مرزوق القيادي في التحالف الشعبي الذي يترأسه زميلنا وصديقنا حمدين صباحي وكان ثاني هجوم له في مقاله الأسبوعي في «الأهرام» وإن كان غير مباشر على الرئيس السيسي. ففي الأسبوع الماضي قام بعملية إسقاط على النظام الحالي عندما أخذ يشرح ويحلل في النظام الفاشي الذي أقامه في إيطاليا موسيليني، بما يوحي بأوجه شبه مع ما يحدث في مصر الآن. وفي المقال الحالي قام بعملية إسقاط لنظام الروس الذي أقامه ليربط بينه وبين ما يحدث في مصر، وبين الرئيس السيسي، في مقارنات غير مباشرة لكنها واضحة جدا وتجعلنا نتساءل عن المدى الذي وصل إليه الأمر في الدائرة المحيطة بحمدين، وهل أصبح هناك توجه سياسي محدد لها لا يعرفه الناصريون الآخرون، أم ماذا يحدث بالضبط، وما هي قواعد هذا التوجه ومن هم حلفاؤه، وهل أصبح حمدين أسير هذه الدائرة، أم يحاول امتصاصها وعدم التصادم معها؟
والله أعلم لأنني لا أستطيع أن أقطع برأي، خاصة بعد أن أصبحت الحركة الناصرية في حالة سيولة وتخبط أكثر.. معصوم قال:»عندما تولى فلاديمير بوتين الرئاسة عام 2000 بدأ الوضع الاقتصادي في التحسن، وارتفع مستوى معيشة الإنسان الروسي بشكل غير مسبوق في تاريخه، وفي الوقت نفسه عاد الانضباط إلى المجتمع الروسي بشكل معقول، وأحكمت الدولة قبضتها، وهكذا قيل انه كلما تراجعت الحريات في روسيا ازداد النمو الاقتصادي، ونجح بوتين في تسويق صيغته في معادلة الاستقرار والنمو والاستبداد وبدأ الترويج لعودة الجدارة لأنظمة الحكم الشمولية وقدرتها على قيادة حركة تنموية سريعة وفعالة للمجتمعات. لقد أصبح بوتين ضابط المخابرات السابق معبودا للجماهير، ويتمنى غالبية الروس بقاءه رئيسا مدى الحياة، وذلك يسعد بلا شك كل الحكام المستبدين، حيث أن تجربة بوتين تؤكد صلاحية النظام الاستبدادي في تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
حرص بوتين على أن تكون أم معاركه ضد الإعلام المستقل، الذي شهد تحررا أو انفتاحا هائلا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، إلا أن بوتين تمكن من السيطرة فعليا على أهم شبكات التلفزيون الخاصة، سواء من خلال ترهيب وسجن بعض أصحابها أو بدفع بعض الأثرياء التابعين لنظامه لشراء هذه المحطات، ليس هذا فحسب وإنما تعددت حوادث اغتيال الصحافيين المعارضين لنظام بوتين. نجح بوتين كذلك في السيطرة على البرلمان باستخدام سيطرته على الإعلام والمحافظين والمحليات بشكل عام، بما مكن حزبه في روسيا الواحدة من الحصول على أغلبية كاسحة في الدولة، ولم يتوقف الأمر عند إضعاف الأحزاب ومطاردة القيادات البارزة فيها، بل امتد ذلك إلى منظمات المجتمع المدني التي تدخلت الدولة بكافة الوسائل للتضييق على نشاطاتها، خاصة باستخدام السلطة القضائية التي أصبحت احدى أدوات الرئيس السياسية في مواجهة معارضيه.
لقد كان شعار حملة بوتين الرئاسية عام 2007 هو تحقيق الانضباط، وقد حملت لغة خطابه ارتفاع النعرة الوطنية مع إشارات عديدة لمؤامرات غامضة يعدها الغرب بهدف التدخل في الشؤون الداخلية الروسية، ولذلك زادت ميزانيات الجيش والشرطة وأجهزة الأمن أضعافا مضاعفة خلال السنوات الماضية».

كامل عبد الفتاح: أحذر هالة سرحان
من التعرض لآثار الحكيم

وثاني المعارك من نصيب زميلنا في «الوفد» كامل عبد الفتاح يوم الأحد وكانت دفاعا عن الفنانة الجميلة آثار الحكيم بسبب قضيتها التي رفعتها ضد الفنان رامز جلال بقوله عنها:»فنانة مثقفة مهذبة وليس لها شلة إعلامية أو فنية، وقوتها تستمدها من احترامها الدائم لنفسها ومن قدرتها على ألا تظهر على الناس فنيا أو إعلاميا إلا إذا كانت هناك ضرورة موضوعية، لذلك تواجه الآن حربا شرسة من شلل الوسط الفني والإعلامي، ومن جماعات التربيطات الشيطانية، والسبب أن السيدة الفاضلة آثار الحكيم رأت ضرورة مقاضاة رامز جلال بعدما سببه لها من صدمة نفسية وعصبية بسبب مقالبه السخيفة. وليس من حق هالة سرحان أن تفرش الملاية لآثار الحكيم على شاشة المحور وتهمز وتلمز بشأنها. وأعتقد أن هالة سرحان عليها أن تحذر من التعرض بهذا الشكل لفنانة محترمة مثل آثار الحكيم، والأفضل أن تهمس لنفسها «اللي بيته من قزاز ما يرميش الناس بالطوب». أعتقد أن المواجهة بين آثار الحكيم ورامز وشلته هي مواجهه بين القيمة والفهلوة بين الاحترام وشغل الثلاث ورقات».

مؤامرة الحريم في التاريخ المصري القديم

وإلى معركة أخرى شنها فجأة الدكتور زاهي حواس ضد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وشبهه بالفرعون بيبي الثاني، في كلمة له ألقاها في متحف باورز في سانتانا بولاية كاليفورنيا الأمريكية ونقلتها إلى «المصري اليوم» يوم الاثنين زميلتنا الجميلة علا عبد الله قال زاهي:»ما حدث في مصر منذ سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك حتى انتخاب السيسي أشبه بما يعرف بمؤامرة الحريم في التاريخ المصري القديم، حيث تسببت الجواري في وفاة الفرعون بيبي الثاني منذ أربعة آلاف ومئتي سنة، منهيا فترة حكمه التي استمرت تسعين عاما، أي ضعف مدة حكم مبارك ثلاث مرات، وأن الفترة التي تلت وفاة بيبي الثاني شهدت اضطرابا وانقساما حتى جاء إلى السلطة منتوحتب الثاني، وهو رجل عسكري مثل السيسي ونجح في توحيد مصر وبدأت سلسلة جديدة من الإصلاحات التي استمرت ثلاثمئة سنة وأن الفارق الكبير أن السيسي تم انتخابه».

لا بأس في النفاق إن عاد بالنفع على الوطن

وهكذا أصبح هناك تنازع تاريخي على السيسي هل هو أحمس المصري الشهير بعبد الفتاح، كما يؤكد دائما وزير الهجرة والمصريين في الخارج الأسبق، الدكتور فؤاد اسكندر في عهد مبارك، أو بيبي الثاني أم منتوحتب كما يؤكد الدكتور زاهي، وهو المتخصص في التاريخ الفرعوني؟ أم هو خالد الذكر كما يشبهه الكثيرون. وهو ما أشار إليه يوم الاثنين ايضا في مقاله في «اليوم السابع» صديقنا يحيى حسين عبد الهادي ـ ناصري ـ الذي تصدى لفساد عهد مبارك في عز سطوة ابنه جمال، إذ قام يحيى بمقارنة لطيفة عن فوائد النفاق والمنافقين في عهد عبد الناصر وفي أيام السيسي بقوله:»كان الزعيم الأسطوري جمال عبد الناصر محبوبا ومهابا، إذا فعل شيئا قلده مرؤوسوه حبا واقتداء واقتناعا، أو نفاقا ولأنه كان حاكما سويا صالحا فإن تقليده ولو نفاقا كان يعود بالنفع على مصر. كان جمال عبد الناصر مثلا حريصا على التفاخر بأنه يلبس من إنتاج مصانع المحلة، فكان مرؤوسوه حريصين ولو نفاقا على أن تكون ملابسهم من إنتاج هذا الصرح المصري العظيم. وعرف عن عبد الناصر انحيازه للفقراء، فكان المسؤولون يتسابقون في اتخاذ إجراءات لصالح الفقراء. من المؤكد أن بعضهم كان يفعل ذلك نفاقا وتقربا للزعيم. لا بأس فقد استفادت مصر واستفاد فقراؤها من هذا النفاق، وكان عبد الناصر بتباهي بأن أباه كان موظفا بسيطا في مصلحة البريد، فتسابق المسؤولون في البحث عن فقراء عائلاتهم والتمسح والتفاخر بهم اقتداء أو نفاقا، فأصبحت سنواته بعدم التمايز بعد عقود طويلة من التمايز بالأنساب والأحساب، كل ذلك كان تفريغا لفائض عند البعض لصالح الوطن. فإذا قفزنا نصف قرن لنصل إلى زمننا الحالي سنجد أن المعنى متقارب. عرف عن الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه يبدأ عمله السابعة صباحا والبركة في البكور، فتسابق المسؤولون لابتكار فعاليا ومؤتمرات صحافية مبكرة يلهث وراءها الصحافيون متثائبين. من الطبيعي أن يكون هؤلاء المسؤولون منافقين، ما الضرر؟ لا بأس وركب السيسي الدراجة وهو فعل محمود بلا شك، فإذا المسؤولون يتسابقون في شراء الدراجات حتى لو كانوا لا يعرفون ركوبها.
أما مدير أمن دمياط فقد جمع بين الحسنين، أي ركوب الدراجة والسابعة صباحا إذ قام سيادته بجولة مفاجئة بالدراجة في السابعة صباحا ومعه حرسه الخاص على دراجاتهم أيضا، بلا أي أسلحة، وأعلنت صفحة مديرية أمن دمياط أن مدير الأمن يسير على خطى الرئيس السيسي ويقوم بجولة تفقدية لأحوال الأمن راكبا دراجته وسط مشاعر الفرح التي كانت واضحة في عيون أهالي دمياط. زار الرئيس السيدة المتحرش بها واعتذر لها فصدرت التشريعات وتحرك الأمن وأسرعت النيابة، فتراجع التحرش. نتيجة ممتازة حتى لو خالط الصواب في الأفعال بعض النفاق. وكان آخر تلك المبادرات الطيبة، إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تبرعه بنصف راتبه ونصف ثروته لصالح مصر، فتسابق المسؤولون ورجال الأعمال والإعلاميون والشخصيات العامة والوزراء والمحافظون ورؤساء الجامعات في السير على خطاه.
من المؤكد أن معظم هؤلاء فعلوا ما فعلوه حبا في مصر والسيسي أو اقتداء به أو تقليدا له، وليس من حق أحد أن يشق عن قلوبهم ويفترض غير ذلك حتى لو كان بعضهم قد فعل ذلك نفاقا فما الضرر! الضرر الوحيد هو أن يحصل المنافقون على جائزة نفاقهم وذلك بلا شك هي مسؤولية الرئيس، ماذا لو فعلها السيسي ونشر إقرار ذمته المالية على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وبالمناسبة فإن ذلك إلزام دستوري وفقا للمادة 145 التي تنص على أنه يتعين على رئيس الجمهورية تقديم إقرار ذمته المالية عند توليه المنصب وعند تركه وفي نهاية كل عام وينشر الإقرار في الجريدة الرسمية. النتيجة المتوقعة أن المسؤولين كافة بالدولة سيقلدونه حياء أو اقتناعا أو التزاما أو حتى نفاقا، وماذا لو فعلها السيسي وأعلن الإجراءات التقشفية التي اتخذها بالفعل بشأن مخصصات الرئاسة وسياراتها وطعامها حتى يقتدي به الوزراء والمسؤولون أو ينافقونه؟ أليس ذلك أفضل لمصر من أن يوجه المنافقون فائض نفاقهم إلى اتجاهات ضارة بالوطن؟».

تحقيق العدالة الاجتماعية مطلب غائب

هذا ما اقترحه صديقنا يحيى حسين وتلك هي تفسيراته لفوائد التقليد أو النفاق واستغلالها لصالح الوطن وهي مقبولة، لكن زميلنا المفكر الاقتصادي البارز ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام أحمد السيد النجار ـ يساري ـ أراد إكمال الصورة بأن طالب بأن يقوم الرئيس بتنفيذ برنامج العدالة الاجتماعية حتى لا يستغل أحد الأوضاع لصالحه بأن قال مفسرا يوم الاثنين ايضا:»شكلت العدالة الاجتماعية كمطلب اقتصادي اجتماعي أحد الشعارات الرئيسية للثورة المصرية الكبرى في 25 يناير/كانون الثاني 2011 وكذلك موجتها الثانية الهائلة في 30 يونيو/حزيران 2013، وبقدر ما تتسم الثورات عادة باتخاذ إجراءات حاسمة لتحقيق الأهداف التي انفجرت من أجلها، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية وهو مطلب الثورة المصرية الرئيسي ظل مطلبا غائبا، بحكم أن الثورة أطاحت برأس نظامين ولم تحكم، فالثورة المصرية ببساطة هي ثورة المئة فريق، وكلهم ثاروا ضد مبارك لإسقاط نظامه، ولم توجد قوة قائدة تصبغ الثورة بلونها وتصل من خلالها للسلطة مباشرة، ونجحت كل تلك القوى في إسقاط مبارك والصف الأول من نظامه، لكنها لم تنجح في التوافق بشأن تسلم السلطة، لوجود اختلافات ايديولوجية وسياسية بين تلك القوى، وانتهى الأمر بترك تحديد السلطة لصناديق الاقتراع، أيا كانت درجة صدقيتها ونزاهتها، واتت الصناديق في الانتخابات الرئاسية عام 2012 برئيس من قوي يمينية محافظة لا تؤمن بالعدالة الاجتماعية أصلا وتعتبر التفاوت بين البشر ووجود الدرجات والطبقات قدرا قسمه الله للبشر ولا ينبغي التدخل فيه سوى عبر الزكاة التي لا تغير شيئا من واقع الاستقطاب الطبقي الحاد، وأتت الصناديق في عام 2014 برئيس أعلن اعتزامه تحقيق العدالة الاجتماعية لكنه لم يفصح عن برنامج محدد لتحديد هذا الهدف لتبقى صدقية وعده متروكة للتجربة العملية المباشرة، التي لم يظهر منها حتى الآن سوى الالتزام الذي قطعه الرئيس بتطبيق الحد الأقصى للأجور وتفاوتت رؤية ومساعي النخبة السياسية بشأن هذه القضية، فاليسار والناصريون لديهم موقف تاريخي أصيل وكافحوا دوما من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية بكل تجلياتها، وهناك أجزاء أخرى من النخبة وجدت أن هذا الشعار العدالة الاجتماعية له شعبية هائلة، فأعلنت تبنيها له لاعتبارات جماهيرية وربما بصورة خادعة».

تزاوج المال بالسلطة من مظاهر عهد مبارك

وإذا تحولنا إلى «وفد» اليوم نفسه سنجدها، في كلمتها التي تعبر عن رأيها وعن رأي الحزب، تشارك النجار تحذيراته ومخاوفه بقولها:»في سبيل رصد الخطى المرتبكة داخل الركب الثوري، لا ينبغي إهمال وجود معارضة وطنية ناشئة تفتحت في ظل ثورة شعبية، ومن ثم ارتكزت على مبادئها سعيا إلى شرعية حقيقية، غير أنها أفرزت من بين ثناياها أطرافا تتبنى من المواقف ما يجد منابعه الفكرية في النهج ذاته الذي ميز النظام البائد، الذي نهضت الثورة بالأساس لتزيله، فليس تزاوج المال بالسلطة في صفوف الحزب السياسي إلا الامتداد الطبيعي لأحد مظاهر عهد مبارك، ومن ثم تعاني الأحزاب النخبوية وما تتيحه من أدوات تستهدف النيل من قواعد شعبية رسخت عبر تاريخ طويل من الكفاح الوطني، فكان الرصيد في قلوب وضمائر المصريين. وفي الاتجاه الخاطئ أيضا مواكب إعلامية ما عاد لوجودها نفع في ظل نظام يستند إلى شرعية حقيقية، فبينما نسعى إلى بناء نظام سياسي ديمقراطي، وقد اتخذنا إلى ذلك سبيلا قانونيا، ومن الإرادة الشعبية شرعية حقيقية، فإذا بالخطاب الإعلامي يحتفظ بممارسات تمتد جذورها إلى نظام مبارك الفاسد، فشاع بيننا الوسطاء ممن يتحدثون بالإنابة عن الرئيس السيسي والحكومة، وكل من ينتمي إلى النظام الحاكم من دون سند من شرعية، اللهم إلا رغبة عارمة في المزايدة على مواقف وطنية شجاعة لم يلتزم فيها الوفد إلا الانحياز لمبادئه وثوابته مدافعا عن المصالح العليا للوطن».

العلاقة بين صندوق الانتخاب والديمقراطية

وكأن «الوفد» كانت تشير إلى مقال خطير نشرته يوم الاثنين نفسه «المصري اليوم» لأستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس الدكتور مراد وهبة عن خطورة الوسطاء، فأستاذ الفلسفة الراعي للديمقراطية أخذ يحرض ضدها وضد الأحزاب السياسية بأن شجع النظام على العمل ضدها وعدم الاعتراف بالانتخابات، وكانت حجته هي تصريح اللواء مراد موافي مدير المخابرات العامة الأسبق بأنه توقف عن حضور مشاورات الأحزاب لتكوين تكتل انتخابي، لأن كلا منها لا يعنيه إلا مصلحته وهو ما يعني تكرار تجربة الإخوان المسلمين، وأمسك الدكتور مراد في كلمة تكرار لينطلق منها إلى الترويج لفكرته بأن قال:»مع هشاشة الأحزاب وعدم توافقها، فالفوز بالضرورة هو للإخوان والسلفيين، ومن ثم تنتهي ثورة 30 يونيو/حزيران، ومع فوز هؤلاء ينفي وجود برلمان على وعي بمعنى التقدم، وعندئذ تواجه أزمة أي تناقضا بين التخلف والتقدم، أظن أن اللواء موافي على صواب فقد كان شعار ثورة 25 يناير/كانون الثاني لا للأحزاب لا للإخوان، إلا أن هذا الشعار انتهي في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 28/1/2011 عندما استولى الإخوان على الثورة ثم بعد ذلك على احكم وبعد ذلك توارت الأحزاب. وعندما أسقطت جماهير 30 يونيو ذلك الحكم بزغت الأحزاب وهي في حالة ترهل وضعف، وبدأت الجماهير تشعر بأزمة في مواجهة الانتخابات البرلمانية. السؤال إذن ما العلاقة بين صندوق الانتخاب والديمقراطية؟ ان له معنيين معنى حرفيا ومعنى مجازيا، المعني الحرفي أن صندوق الانتخاب هو المعيار الأوحد للديمقراطية، سواء كانت الدولة ديمقراطية أو لو تكن، أي أن المعني الحرفي بأخذ الشكل الظاهري للديمقراطية دون مضمونها، ومضمونها مؤلف من أربعة مكونات في مقدمتها العلمانية بمعني التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق، ومغزى هذا التعريف أن الدين من حيث هو معتقد مطلق يمتنع عن التحكم في الوضع السياسي القائم والحاصل على الضد من ذلك، إذ المعتقد المطلق وارد في المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهذه المادة تلزم الدولة بألا تسمح لأي حزب بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية إلا إذا كان حزبا إسلاميا، وتأسيسا على ذلك يمكن القول بأن ليس ثمة علاقة بين صندوق الانتخاب والديمقراطية، وتأسيسا على ذلك يمكن القول بأن المحكمة الدستورية العليا هي المنوطة بحل الأزمة».

اللواء مراد موافي يحرض ضد إجراء الانتخابات

وهكذا تنكشف باستمرار تلك المجموعة من المثقفين الذين صدعوا رؤوسنا دائما بالهجوم على ثورة 23 يوليو/تموز سنة 1952 ونظام خالد الذكر واتهامه بالديكتاتورية والقضاء على مكتسبات الليبرالية في العهد الملكي، والدكتور مراد من ضمن هؤلاء المهاجمين اليوم يأتي ليحرض حتى ضد إجراء الانتخابات، ويطالب بإلغاء الدستور ويقترح توريط النظام في معركة يبدو فيها وكأنه يحارب الدين بأن يلغي مادة الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، لأنها تبرر قيام الأحزاب على أساس ديني، أي أنه يبرر الاتهامات التي يوجهها الإخوان للنظام بأنه ضد الإسلام، فكيف يدعي أنه يحاربهم كما أنه لا يهتم مطلقا بأن تحدث ثورة دموية بدون أي مبرر، ومع ذلك فإن اللافت هو حجم معلوماته عن ثورة يناير وشعاراتها بأنها كانت لا للأحزاب ولا للإخوان، وهذا شعار لم يحدث أن تم رفعه ولم يسمع به أحد إلا الدكتور مراد، لأن الشعار عيش حرية كرامة وطنية وعدالة اجتماعية، ولكن لأنه يحرص على إلغاء الأحزاب فقد حاول إقناع الرئيس السيسي بأنه بذلك ينفذ مطالب ثورة يناير وكأنه لا يعرفها ولم يسمع بها ولم يقف الأمر عند عدم معرفته بشعارات ثورة يناير واخترع شعار لم ترفعه وإنما وصلت محاولته إلى مواد الدستور ذاته، فبينما أورد نص المادة الثانية ليتخذها ويطالب بإلغائها فإنه يتجاهل باقي مواد الدستور التي تحظر إنشاء الأحزاب على أساس ديني أو طائفي أو جهوي، وفي الحقيقة لابد من التحذير من فئة من يطلقون على أنفسهم وصف علمانيين ويرون أن الصراع ضد الإخوان وبين السلفيين على أسس سياسية فرصة لتحقيق مطالبهم بفصل الدين عن الدولة ودفع البلاد إلى أزمة كبرى».

ماذا تغير بعد الثورة؟

وفي «المصريون» يحدثنا رئيس تحريرها التنفيذي محمود سلطان عن الرئيس الذي نسي بطاقته الشخصية قائلا:»في احد انتخابات نقابة الصحافيين المصريين ـ كانت على مقعد النقيب ـ دخل صحافي رياضي «شهير» يعمل في «الأهرام»، ليدلي بصوته في إحدى اللجان، وكنت شاهدا بنفسي على هذه الواقعة: طلب منه القاضي القائم على الصندوق، بطاقته الشخصية للاطلاع عليها، وهو اجراء قانوني.. رمق الصحافي الشهير القاضي بنظرة استعلاء واضحة، والتفت إلينا وكأنه يطلب منا، أن نهمس في أُذن القاضي، لنحذره ونعرفه: هو بـ»يكلم مين بالضبط».. ثم أدار ظهره للمستشار وتباطأ في الرد عليه، ريثما يفهم القاضي مع «من يتكلم». غير أن الأخير جدد طلبه: بطاقتك من فضلك! واضطر الصحافي الرياضي الشهير إلى أن يخرج بطاقته ولكن بـ»قرننة» مستفزة.. وسمح له بعدها بالإدلاء بصوته ثم انصرف من مقر اللجنة. نظر القاضي إلينا مستغربا.. ثم سأل: هو مين ده؟ فرد زميل لنا وقال: ولا حاجة.. صحافي «بتاع ألعاب».. ولكنه مشهور شوية. هذه الواقعة حدثت في انتخابات نقيب الصحافيين عام 1997 تقريبا.. وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة (2014) التي فاز فيها المشير عبد الفتاح السيسي.. أدلى وزير بصوته في لجنته الانتخابية بدون أن يظهر بطاقته الشخصية، ولم يطالبه أحد بذلك.. وسط تهليل وفرحة المشرفين الذين تسابقوا في التقاط الصور التذكارية معه! وإذا اعترض ضابط شرطة بلباس مدني مواطنا في الطريق.. فيا ويله ويا سواد ليله.. لو تجرأ المواطن، وطلب من الضابط الاطلاع على هويته.. وقس على ذلك حال مداهمة قوات الأمن للبيوت.. إذا طلب صاحب البيت من القوة الاطلاع على إذن النيابة   هذا كان يحدث قبل ثورة يناير 2011.. ويحدث الآن بأسوأ مما كانت عليه في عهود ناصر والسادات ومبارك.. فماذا تغير إذن بعد الثورة؟! يوم أمس الأول 29/6/2014.. قطع الرئيس التونسي المرزوقي نحو 120 كيلومترا من العاصمة تونس إلى بلدية سوسة، لتسجيل اسمه في جداول الناخبين، في الانتخابات العامة والرئاسية المقررة في أكتوبر/تشرين الاول ونوفمبر/تشرين الثاني القادمين. عندما وصل المرزوقي مكتب التسجيل، طالبته إحدى الفتيات المشرفات، بالاطلاع على بطاقة هويته.. لم يغضب ولم «يتقرنن».. وقال لها: نسيتها ولا أتذكر حتى رقمها.. واعتذر ثم  انصرف قائلا: سأعود مرة أخرى مصحوبا بالبطاقة.
إنه رئيس الجمهورية.. ومع ذلك لم يرسل من ينوبه استعلاء أو على الأقل بزعم أنه مشغول بهموم الدولة.. وذهب بنفسه.. وقطع 120 كم، ويفشل في تسجيل اسمه لنسيانه بطاقته الشخصية.. ويعود أدراجه إلى تونس العاصمة. إنه موقف مدهش ويثير الإعجاب وتستحقه «أم الربيع العربي» تونس.. التي حافظت على ثورتها، وقدمت نموذجا لقطع الطريق على الأجهزة الأمنية المتربصة بثورتها وتتحين الفرصة للاقتداء بأم الدنيا مصر».

حسنين كروم:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية