عندما تتقاطع المناسبات للاحتفال بها والتذكير بمآثرها، تنشط الذاكرة أكثر لكي تستعيد التاريخ في جانبه الأقل غموضا وإشكالا.
فحضور أكثر من مناسبة في لحظة واحدة للتذكير بها والتنويه بما جرى فيها ومحاولة تحليل معطياتها، يعطي إمكانية الوقوف على معقولية التاريخ والاقتراب أكثر من الذاكرة الواضحة التي تروي صور الأحداث والمواقف، كما جرت فعلا أو قريبا من ذلك. الفاتح من نوفمبر 1954، هو يوم تاريخي في حياة الجزائر والجزائريين، ويجري الاحتفال به هذه السنة مقرونا باحتفال العالم كله بمرور مئة سنة على الحرب العالمية الأولى، التي شارك فيها الجزائريون إلى جانب القوات الفرنسية ضمن جيش المستعمرات. فقد كانت الثورة التحررية الجزائرية وطنية في سياق تطور التاريخ العالمي الذي صنعته الحرب العالمية الأولى أو الحرب الكبرى كما يطلق عليها فترة ما بين الحربين.
وعليه، فالوقوف اليوم لتَذَكّر حدث ثورة نوفمبر 1954 متزامنا مع الحرب العالمية الأولى 1914-1918 يوفر للباحث فرصة تخطي النزعة الوطنية الضيقة، وتخطي النظرة الشَّعْبوية التي أسرت وقيَّدت تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، وأجبرته أن يكتفي بذاته لا صلة له بالمحيط الدولي والفعل الأجنبي، وكأن الثورة التحريرية حدث فوري وتلقائي لا سابق له، ومن ثم حرمت الجزائريين من التواصل مع تاريخهم الحقيقي وليس الموهوم، كما حاولت دائما الكتابات الرسمية أن تكرسه. إن ربط الصلة بين الثورة التحريرية بالحرب الكبرى يضفى معقولية وإمكانية فهم التاريخ المعاصر، سواء من جهة الفرنسيين أو من ناحية الجزائريين، فقد شارك جميعهم في مواجهة ومحاربة ألمانيا وحلفائها في جبهات القتال وميادينها، لكن نتائج الحرب كانت مختلفة، وهنا مفارقة تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، من حيث أن فرنسا دخلت المأزق التاريخي الذي أجبرها على أن تساير التاريخ المعاصر الذي يأبى الاستعمار، العبودية والاستبداد، أو أن يسعى الجزائريون في إطار حركتهم الوطنية التحررية تلبية نداء العصر الجديد على خلفية الوعي السياسي الذي امتلكوه بمشاركتهم في الحرب الكبرى.
كان ما بعد الحرب بالنسبة للجزائريين هو البحث عن الاعتراف بجهودهم فيها الذي أخذ شكل الصراع السياسي والرمزي يرمي إلى استخلاص الحقوق السياسية والاجتماعية وتحسين الوضــــع القـــانوني، وعلى مستوى الرمزي بانتزاع اسم الشهيد المسلم ليدرج في قائمة «ماتوا من أجل فرنسا»، يستحق بعدها الضريح الفردي الخاص به ويبقى ذكرى في ذاكرة الأمة، ويطلق اسمه على أحد الأحياء أو المؤسسات التي تشيدها الدولة، ويدمج في ثقافة تَذَكُّر أمجاد الأمة. هذه الحقيقة الجديدة في حوليات التاريخ الفرنسي مع مستعمراتها هي التي رشّحت الوضع نحو بداية مرحلة تصفية الاستعمار، فقد كان لسوء تقدير رفات من ماتوا في الحرب الكبرى في صفوف الجزائريين دوره في حث النخبة الأهلية على شق طريق مناهضة الاستعمار والسعي إلى ردم صور وأشكال الظلم والغبن والحيف.
ومع تشكل أول حركة وطنية بدأ البحث الدائم عن الاعتراف الشرعي بكيان جزائري في إطار فيدرالي قائم على ملامح أمة وشعب ومجتمع. كانت الحرب العالمية الأولى، حدثا تاريخيا غير مسبوق، دخل العالم بسبب ذلك، من العصر الحديث إلى التاريخ المعاصر. فقد تداعت أحداث الحرب إلى كافة معمورة العالم، كما طالت آثارها ونتائجها كافة بلدان الكرة الأرضية على مختلف الصُّعد والجوانب والمجالات. إن الحرب الكبرى، كما كان يطلق عليها في ذلك الوقت لغاية عام 1939، كانت حربا أوروبية في بدايتها وتطّوراتها، لكنها انتهت إلى حرب عالمية، بعد أن اتسعت رقعتها إلى كل شعوب العالم، المستعمِر كما المستعمَر، في أوروبا كما في أمريكا وآسيا وأفريقيا.
وقد أسفرت الحرب الكبرى عن نتائج وآثار كبرى، لعلّ أهمها إرساء منظمة دولية جديدة تعمل على حفظ السلام والأمن في العالم. وبداية من مؤتمر السلام في باريس عام 1919، بدأت شعوب العالم تتطلع إلى التحرر والاستقلال وبناء الدول القومية.
ضراوة الحرب الكبرى وويلاتها دفع كبار العالم في ذلك الوقت إلى تسخير وإحكام سياسة دولية لتجنيب الإنسانية حربا أخرى تفلت من أي تحَكَّم وتقَوِّض كل ما بنته البشرية طوال التاريخ. وكانت وثيقة ولْسن المعروفة بالنقاط الأربع عشرة، الوثيقة الأساس التي ساهمت بشكل قوي وفعّال في تحديد مقوّمات السياسة الدولية الجديدة، خاصة منها مبدأ تقرير المصير والاحتكام إلى المؤسسة الدولية الجديدة المعروفة بعصبة الأمم ومقرها مدينة جنيف، رمز الحياد الإيجابي وقلب العالم.
في سياق ذلك التاريخ المعقد والمأزوم شرعت الشعوب المستعْمرَة عبر رموزها السياسية ومثقفيها ومحاربيها إلى الكفاح الوطني من أجل التَّحرر والاستقلال، وراحت تشكل الحركات الإصلاحية والوطنية، من أجل الاعتراف بها ككيانات وطنية ذات سيادة تستحق أن تكون عضوا في المجتمع الدولي الآيل إلى التشكل والتكوين.
كانت الجزائر مستعمرة فرنسية، وكان الأهالي الجزائريون من الشعوب التي شاركت في الحرب الكبرى دفاعا عن الإمبراطورية الفرنسية وحياضها، ومن وحي وأتون هذه التجربة التاريخية في حياة الجزائريين اجترح بعضهم النضال والكفاح السياسي للمطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية وبتحقيق الاستقلال الوطني. ومنذ تلك الحقبة المدلهمّة في حياة الجزائريين والعرب والعالم، لم ينقطع الجزائريون عن النضال والكفاح السياسي ثم المسلح عن المطالبة بالاعتراف الدولي بالكيان الجزائري كأمة، مجتمع ودولة. فقد كانت الحركة الوطنية الجزائرية تمتلك الوعي بحقيقة السيادة وعلى دراية بمفاهيم السلطة والاستقلال والدولة، التي بلورها الفكر السياسي الحديث والمعاصر. كانت الحركة الجزائرية تتحرك من قلب الحدث ومن صلب التجربة التاريخية الحديثة، تناضل وتكافح سلطة استعمارية غاشمة، وأي انتصار عليها يساعد على دفع بقية الشعوب المستعمرة إلى النهوض والشروع في المطالبة بالحقوق والحريات والسيادة الوطنية. ولعلّ هذا الدور الذي اضطلعت به الحركة الوطنية الجزائرية بعد الحرب الكبرى هو الذي سوف يساهم بعد الحرب العالمية الثانية في توكيد حق الشعوب في النضال، كأفضل سبيل إلى استعادة الاستقلال أو تحقيق شرعية بناء الدولة القومية الحديثة.
حفل سّجل التاريخ الســــياسي الجـــزائري طوال وجود الحركة الوطنية بمبادرات إلى المؤسسات الدولية والتماس حق تقرير المصير والاعتراف الشرعي بالاستقلال منها.
ومن المبادرات المبكرة في مجال المطالبة بحق الاعتراف بالكيان السياسي وتحقيق المصير، الرســــالة/ المذكرة التي بعثت بها اللجنة الجزائرية التونسية إلى مؤتمــــر قبل انعقاده يوم 18 يناير 1919 وإلى الرئيس الأمريكي ولسن بالذات وعريضة الأمير خالد إلى الرئيس نفسه وفي السنة ذاتها. ومذّاك ورموز الحركة الوطنية ما انفكوا يلتمسون المراجع السياسية العليا إلى غاية الحرب العالمية الثانية.
وقد ارتبطت نهاية الحرب العالمية الثانية في الجزائر بأحداث 8 مايو 1945، التي قُمِعت فيها مظاهرات الجزائريين الذين خرجوا للمطالبة بالحرية والاستقلال، في سياق احتفال دول العالم باندحار النظام النازي وانتصار قوات الحلفاء. فقد شهدت ناحية الشرق الجزائري مجازر ارتكبها النظام الاستعماري راح ضحيتها الآلاف من الجزائريين والعشرات من الفرنسيين.
وسرعان ما استقطب هذا الحدث المدلهم في حياة الجزائريين والفرنسيين الصحافة الدولية والرأي العام في الجزائر، كما في فرنسا وتَكَرَّس كمحطة تاريخية لتصفية الاستعمار وانحسار وجوده في ما كان يعرف بأقاليم ما وراء البحار ونواحي ما وراء البحار، خاصة في أفريقيا. فقد عاد الآلاف من الجزائريين المسلمين والأفارقة من جبهات القتال في أوروبا، بعد ما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، يحدوهم الأمل في تحرير أوطانهم من الظلم الاستعماري واستغلاله للشعوب. بداية من هذا التاريخ تحدد مصير فرنسا في الجزائر وفي أفريقيا أيضا.
وفي لحظة تقاطع مناسبة وطنية وأخرى عالمية، يمكن إعادة زيارة جديدة للتاريخ من أجل تخليص تاريخ الثورة التحريرية، ليس من الاستعمار فحسب، بل من الأغراض الوطنية التي علقت به كنبات طفيلي يتسلقه كل من رام منصبا أو نفوذا أو شهرة أو شهادة العضوية في هيئة قدماء المحاربين، أو انتزاع تزكية من وزارة المجاهدين. فقد طغى هذا الجانب على تاريخ الثورة لحد الاغتيال الحقيقي لها، عندما تعجز أجيال جزائرية من فهم الثورة التحريرية إلا في الوثائق والأرشيف والكتابات الفرنسية.
٭ كاتب وباحث جزائري
د. نور الدين ثنيو