■ بعد فترة وجيزة من تنحيه عن السلطة تحت ضغط ملايين المتظاهرين في ميادين مصر، لحقت بحسني مبارك تسمية رئيس الصدفة، فالرجل الذي كان طموحاته تدور حول التقاعد في وظيفة ملحق عسكري في إحدى السفارات المصرية في أوروبا، أصبح نائباً للرئيس لسبب يتعلق أصلاً بعدم قدرته على اختطاف أي قدر من الأضواء من السادات الذي وصلت حالة تضخمه الذاتية إلى مرحلة مرضية.
وبعد حادثة المنصة أصبح مبارك رئيساً وربما تمكن، إلى حد بعيد، من اصطناع تاريخ شخصي يتناسب مع وضعه الجديد عندما اختزل حرب أكتوبر في الضربة الجوية، ولكن نجاحه لم يكن تاماً، فاستدعيت قضية رئيس الصدفة من جديد بمجرد تنحيه.
حسني مبارك ليس الوحيد الذي تنطبق عليه مقولة رئيس الصدفة، فالسادات أيضا كان رئيساً بالصدفة، أو على الأقل، بسلسلة متلاحقة من الصدف والملابسات والظروف التي لعبت لصالحه، وفي الرابع من يونيو 1967 كان يمكن لكثير من المصريين أن يتوقعوا عشرين إسما من الخلفاء المحتملين لعبد الناصر، من دون أن يكون السادات من ضمنهم، والأمر نفسه مع عبد الناصر، ولنقل مع أي رئيس عربي أتى لسدة الحكم من خلال انقلاب عسكري يحتمل النجاح والفشل، والقائمة تتسع لتشمل حافظ الأسد ومعمر القذافي، أما في حالة بشار الأسد، فالصدفة مركبة، لأن مشروع رئاسة سوريا أتى بعد أن لقي الوريث الأول باسل الأسد مصرعه في ظروف غامضة.
حتى صيف 2011 لم يكن رئيس حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسي يتخيل أنه سيصبح رئيساً لمصر، وربما أتى اختياره من قبل مكتب الإرشاد لأسباب شبيهة باختيار مبارك والسادات، وينطبق ذلك أيضاً على اللواء عبد الفتاح مدير المخابرات الحربية في ذلك الوقت، فالرجلان لم يكن مشروع الرئاسة بالنسبة لهما يختلف عن مشروع الوصول إلى كرسي الرئاسة بالنسبة لمدير أي وحدة صحية أو مشرف مكتبة عامة، ويمكن القول إن المصريين كانوا يتخيلون وصول مرشح مثل الناشط الحقوقي خالد علي بوصفه الوجه المكشوف للثورة في الانتخابات الرئاسية الأولى أكثر مما كانوا يعتقدون أن السيسي الذي لم يكن اسمه معروفا للإعلام يمكن أن يصبح رئيساً بعد عامين.
وصول شخص إلى منصب الرئاسة في أي بلد ديمقراطي مسألة يبدأ الاعداد لها قبل سنوات من إعلان الترشح، ويخضع الأشخاص الذين ترى أحزابهم أنهم يمتلكون المؤهلات اللازمة للعديد من المراحل، التي تمثل انتخاباً داخلياً يفرز في النهاية الشخصية ذات الحظوظ الأفضل، وربما ما زالت المنافسة بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما لتمثيل الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية 2008 ماثلة في الأذهان، فأوباما يمتلك خبرة سياسية بدأت من منتصف التسعينيات، وكان أثناءها يحضر نفسه لمناصب متقدمة في الولايات المتحدة، وبالتأكيد فإن فكرة الدفع بنفسه رئيساً كانت سابقة على خوضه الانتخابات التمهيدية على مستوى حزبه بفترة من الزمن.
في بعض البلدان فإن المسيرة السياسية تأخذ اتجاهات مختلفة، ولكن المرشحين لا يظهرون فجأة على سطح الحياة السياسية، أردوغان مثلا بدأ حياته السياسية في نهاية السبعينيات، وكان عمدة لأستانبول سنة 1994. ومن منصب مشابه، محافظا لأردبيل سنة 1993 ومن بعدها طهران، أتى أحمدي نجاد إلى منصب الرئاسة في ايران بعد نحو 12 عاما.
الرؤساء لا يظهرون فجأة في دول أخرى غير العالم العربي، حيث يبدو أن كثيراً ممن تولوا مناصب الرئاسة في البلدان العربية كانوا بدون أي خلفية عن الطريقة التي يجري اتخاذ القرار السياسي بموجبها، عدا، عن الجهل المدقع بالتوازنات الدولية وبالمعارف القانونية والدستورية اللازمة من أجل إدارة دولة، وفي هذا السياق، يمكن أن توضع تجربة السنوات الأولى من حكم جمال عبد الناصر في مصر، وطريقته في التعامل مع ملفات بالغة الحساسية بكثير من البراءة السياسية المكلفة للغاية، فحتى وضعه في الجيش لم يكن قريباً من القيادات المسؤولة عن تسيير الأمور واتخاذ القرارات الحيوية، ومثله، يمكن أن يوضع جميع القادة العسكريين الذين تولوا مناصب الرئاسة في البلدان العربية، وجميع من خدمتهم الظروف بمفاجأة الفراغ في الموقع الأول.
الرئيس الصدفة وصف يمكن أن ينطبق على أشخاص يمتلكون الخبرة السياسية، ولكنهم لم يكونوا يوماً في وارد احتمالات الرئاسة، وعادة ما يفتقدون الحضور النفسي والثقة الذاتية التي يكتسبها أي مرشح رئاسي أثناء فترة تأهيله وترشحه، السبسي الذي استدعي من التقاعد في تونس يمكن أن يكون نموذجاً مثالياً لذلك.
المفارقة أن الدول العربية ذات الأنظمة الوراثية تشهد استقراراً أكبر، لأن من يتولون منصب الرجل الأول عادة ما يأتون ضمن سياق أنضجهم بالتجربة وبنفسية متأهبة، وعادة فإن تغيرات جوهرية في السياسة الداخلية والخارجية تكون مستبعدة لدى انتقال السلطة، ولذلك فإن الربيع العربي لم يؤثر إلا في إطار محدود بالمغرب والأردن، أما الدول النفطية، فبجانب الاستقرار في الثوابت والأطر لعقود طويلة، فإن عوامل التحفيز مثل الفقر والقهر الاجتماعي لم تكن حاضرة لتصطنع البيئة الضرورية للتغيير السياسي.
الرئيس الصدفة ليست لديه الرغبة في تأهيل الوضع العام للخروج برئيس يستطيع التعامل مع مناصبه، ثم أن الجمهوركيات العربية في مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن، ضربت بعمق الحياة السياسية القادرة على إنتاج قيادات مؤهلة، في إطار انخراطها ضمن مشاريع توريث وصلت بالوضع السياسي إلى مرحلة العقم الكامل، واجتهدت بعض الأنظمة لتؤسس عملية لضرب المشاريع التاريخية والواعدة، التي يمكن أن تخرج بمنافسين محتملين للوريث، ولذلك يمكن تفهم أن ينبذ التكنوقراط في مصر لمصلحة أبناء لجنة السياسات مثل أحمد عز ورشيد أحمد رشيد، ولم يكن الوضع مختلفاً في أي من الجمهوركيات الأخرى.
رؤساء الصدفة بمختلف تنويعاتهم لا يمكن أن يؤسسوا لترتيبات تستطيع أن تحرك القوى السياسية وتخرجها من خانة الكماليات.
وبوتين اليوم هو النمــــوذج الذي يـــراه الرؤساء العرب لإعادة إنتاج أنفسهم، ولكن من دون أن يقدموا تبريراً مقنعاً يعززه الأداء السياسي والإداري والإنجاز الاقتصادي والأمني، وحتى لو كانت هذه الصورة قابلة للتطبيق، فإنها ستزيد من عمق المأزق الذي تعايشه الدول العربية ومن ورائها عشرات الملايين من الضحايا الحاليين والمحتملين، لأنها ستجعل الأمن والاستقرار في المنطقة مشابهاً للدورات الاقتصادية التي لا يمكن الإفلات فيها من ضربات الركود والكساد.
الرئيس الصدفــــة مسألة لازمت الدول العربية إلى اليوم وكانت أحد ملامح القصور في استيعاب الديمقراطية وتطبيــــقها، وقبل ذلك الإيمان أو الاقتناع بها أصـــلا، ويثير الخوف أن هذه الظاهرة كانت أفضـــل ما يمكن الوصول له في دولٍ ظهرت بالصدفــة بعد سايكس ـ بيكو التي عبرت عن خطوط الاشتباك العسكرية بين القوى الاستعمارية أكثر من تعبيرها عن المعطيات الطبيعية والجغرافية والسكانية في المنطقة.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق