رام الله ـ «القدس العربي»: قد تكون المرة الأولى التي يلمح فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى تأييده للهبة الفلسطينية علانية. جاء هذا في الخطاب الذي ألقاء قبل أيام أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف. لكن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري التي دعا فيها إسرائيل إلى «التعاون مع الجهات الفلسطينية التي يمكنها العمل معها» سممت الأجواء من جديد كون مثل هذا التصريح يحمل في طياته الكثير من التفسيرات.
الرئيس محمود عباس اتهم إسرائيل بتحويل المواجهة بين البلدين إلى صراع ديني وهدد أنه ستكون لذلك آثار مدمرة. ودعا إلى انشاء آلية لحماية الشعب الفلسطيني. لكن الجديد قوله أنه «لا توجد أي فائدة من المفاوضات من أجل المفاوضات. نحن نطالب بإنهاء الاحتلال حسب مقررات المجتمع الدولي وحتى ذلك الوقت نطالب مجلس الأمن بتحمل المسؤولية واتخاذ قرار بتشكيل آلية خاصة لحماية الشعب الفلسطيني».
وفيما يتعلق بالهبة الشعبية اعتبر أنه لطالما حذر طوال سنوات مما يحدث في القدس ومحيطها من تشديد الطوق والمس بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين. كما حذر مما تفعله الحكومات الإسرائيلية منذ عام 2000 انها تغير الوضع الديمغرافي في القدس وتزيد من المستوطنات والحفريات تحت المسجد الأقصى وتقيم الجدران بهدف الفصل بين الأحياء الفلسطينية إلى جانب اغلاق المؤسسات الوطنية الفلسطينية. لقد حولت السياسة الإسرائيلية الصراع السياسي إلى صراع ديني ستكون آثاره مدمرة. وأعلن عباس ان السلام والأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحقق الا بانتهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس داخل حدود 1967.
وشن الرئيس محمود عباس هجوماً على إسرائيل متهماً إياها أنها تتصرف كدولة فوق القانون دون أي رادع ودون أي حساب. انها تواصل سياسة السيطرة على الأراضي الفلسطينية وسرقة مواردها الطبيعية وبناء المستوطنات والجدران وتشق الشوارع وتقيم آلية مواصلات بهدف تحديد وقائع على الأرض تقوم على الأبرتهايد. وبحماية عسكرية تسمح للمستوطنين بارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين والتعرض لأملاكهم ومقدساتهم في القرى والمدن الفلسطينية. ووصل الوضع حد اقامة عصابات مسلحة تسمى «تدفيع الثمن» لتنفيذ جرائم القتل والتحريض كإحراق بيت عائلة دوابشة لم يقدموا بعد إلى المحاكمة.
واعتبر الرئيس عباس أن ما يجري قد يكون بمثابة الفرصة الأخيرة لإسرائيل وقيادتها ليعترفوا بالدولة الفلسطينية. فلا أحد يعرف ماذا سيحدث إزاء رياح التغيير التي تعصف في المنطقة.
لكن الجديد كان دعوة وزير الخارجية الامريكي جون كيري لإسرائيل خلال خطاب القاه في واشطن إلى «دعم الجهات الفلسطينية التي يمكنها العمل معها وتنفيذ خطوات على الأرض». فيما طالب الفلسطينيين «بوقف التحريض وعرض شيء آخر غير التصريحات والخطابات وأخذ المصالح الأمنية الإسرائيلية في الاعتبار».
وقال كيري إن «التصعيد بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو مثال على الشكل الذي سيكون عليه واقع دولة واحدة للشعبين. العنف خلال الأسابيع الأخيرة الحق الضرر بالجميع، بالإسرائيليين والفلسطينيين». واوضح «الوضع الحالي غير قابل للوجود» و«الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بمحاولة دفع حل الدولتين».
ويعتقد محللون تحدثوا لـ «القدس العربي» أن مثل هذه الدعوة هي الأخطر من قبل وزير الخارجية الأمريكي الذي فشل مرات عدة في قيادة مفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وليس واضحاً المقصد من هكذا دعوة إلا أن ما يخطر في البال هو محاولة إقصاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعودة قضية البحث عن خليفة له.
غير أن المحللين يعتقدون أن الرئيس الفلسطيني يستثمر الهبة الشعبية الفلسطينية بشكل جيد حتى الآن رغم تعامله بحذر شديد في لغته الدبلوماسية التي يستخدمها خلال تجواله في العالم أو خلال استقبال ضيوفه الدوليين الذي يزورون فلسطين وإسرائيل في محاولة لإخماد الهبة الفلسطينية.
ورغم أن الشارع الفلسطيني سبق قيادته الرسمية والفصائلية بخطوات كبيرة خلال الهبة الشعبية إلا أنه غير راض إلى حد ما عن أداء الرئيس. لكنه غير راض بالمطلق عن الفصائل الفلسطينية التي يعتبرها ماتت تماماً في ظل حالة الخجل التي تتحدث بها ومحاولاتها الحثيثة اللحاق بركب الشارع دون جدوى.
وربما أكثر ما يميز الهبة الشعبية الفلسطينية هذه المرة رغم قساوة الإعدامات الميدانية التي تنفذها قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين المتطرفين من اليهود، هو ابتعادها عن كل ما هو فصائلي. وقيادتها من قبل الشارع نفسه أو بشكل فردي ومن خلال جيل لم يعش الانتفاضتين الأولى والثانية. وهو الأمر الذي أعطاها زخماً إضافياً ليقول الشارع كلمته.
لكن الشارع ذاته لديه الكثير من الأسئلة التي لم يحصل على إجابات لها. مثل هل ستشكل قيادة وطنية موحدة من جيل الهبة الشعبية نفسه؟ وهل ستستمر هذه الهبة الشعبية صعوداً وهبوطاً؟ وهل ستنجح القيادة السياسية باستثمار ما يجري على الأرض باعتباره ورقة ضغط قوية على الاحتلال وحلفائه؟ وهل انتهت الفصائل الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير فعلاً ووجب تجديدها؟
ورغم صعوبة هذه الأسئلة أو الحصول على إجابات مباشرة لها. إلا أن ذلك لم يمنع الشارع من الاستمرار ولم يقف بانتظار إجابات. فمن يشاركون في الهبة الشعبية يعتبرون أنهم يقومون بواجبهم تجاه وطنهم المحتل ووفاء لدماء الشهداء الذين سقطوا خلال الهبة. وتأكيداً على قدسية المسجد الأقصى وأنه للمسلمين وحدهم. وتضامناً مع الأسرى في سجون الاحتلال وكل الشبان والشابات الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي. وانتصاراً للجرحى الذين أصيبوا بالرصاص الإسرائيلي بينهم من تعرض لإعاقة دائمة والجزء الآخر في المستشفيات يتلقى العلاج.
فادي أبو سعدى