رام الله ـ «القدس العربي»: انفجرت الخلافات من جديد داخل أروقة منظمة التحرير الفلسطينية رغم أنها ليست بالجديدة. فهي ليست المرة الأولى التي يوقف فيها الرئيس عباس مخصصات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بسبب مواقفها السياسية الرافضة لسياسته أو سياسة السلطة الفلسطينية بشكل عام وأداء منظمة التحرير على وجه الخصوص في خضم ما يجري في فلسطين بعد الهبة الشعبية وكذلك في دول الإقليم العربي المحيطة بها.
وأعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن مؤسسة الرئاسة أوقفت مخصصاتها التي تدفع لها عادة عبر الصندوق القومي الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير بشكل مباشر. كما أنها لم تستلم مخصصاتها منذ شهر شباط/فبراير الماضي. أما سبب انفجار الخلافات من جديد فكان مطالبة الجبهة الشعبية باسقالة الرئيس عباس من منصبه.
واعتبرت الجبهة الشعبية أن قرار وقف المخصصات بأمر من الرئيس عباس يخالف كافة التشريعات المعمول بها في المجلس الوطني الفلسطيني وهو الذي يعد برلمان منظمة التحرير. وتعتبر الجبهة الشعبية بمثابة التنظيم الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية بعد حركة فتح، لكن كافة مصاريفها مرتبطة بالصندوق القومي الذي أوقف صرف المخصصات وهو ما سيؤثر سلباً على كافة نشاطات الجبهة.
ولم يتوقف الخلاف في منظمة التحرير عند الجبهة الشعبية فقط. فقد أكدت الجبهة الديمقراطية هي الأخرى وجود قرار يشابه ما جرى للجبهة الشعبية بوقف مخصصاتها، مطالبة الرئيس عباس بالتراجع عن القرار. فيما خرجت إلى العلن خلافات فتحاوية داخلية أبطالها توفيق الطيراوي ووزير التربية والتعليم العالي صبري صيدم.
الجبهة الشعبية في دورها أعلنت أن هيئاتها الداخلية على وشك الاجتماع العاجل لبحث قرار الرئيس والخيارات المتوفرة، سواء للرد على القرار أو الخيارات المتاحة لمقاطعة جلسات القيادة الفلسطينية التي تشارك فيها عادة أو كيفية العيش بدون المخصصات التي جرى وقفها. كما أنها ستتواصل مع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لمناقشة قرار الرئيس وكذلك مع الفصائل الأخرى في منظمة التحرير وخارجها كحركتي حماس والجهاد الإسلامي في محاولة للوصول إلى موقف فلسطيني شامل ضد الرئيس وقراراته.
ويبدو أن السبب الرئيسي وراء قرار الرئيس الفلسطيني «أبو مازن» وانفجار الخلاف مجدداً مع الجبهة الشعبية كان مطالبة القيادي في الجبهة رباح مهنا الرئيس الفلسطيني بالاستقالة من منصبه. وكانت الجبهة الشعبية أعلنت في الخلافات السابقة أنها لا يمكن أن تغير سياستها في القضايا الحساسة التي تهم الشارع الفلسطيني، حتى وإن خالفت رأي الرئيس عباس. ووقف المخصصات محاولة فاشلة للضغط علينا لتغيير سياستنا. وتتهم الجبهة الشعبية كذلك الرئيس عباس بالتفرد في القرار الفلسطيني وعدم وجود مع يستطيع مواجهته في قراراته هذه داخل القيادة الفلسطينية.
واعتبرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن الرئيس عباس تجاوز «الخطوط الحمراء» على الصعيد الوطني وهو أكثر ما أغضب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ودفعه لتجديد القرار القديم بوقف المخصصات الخاصة بالجبهة. كما ترى الشعبية أن الرئيس عباس هو من أوقف تنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير في آذار/مارس من العام الماضي وأهم قراراته وقف التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال.
لكن ما فجر موقف الجبهة الشعبية هو اللقاء التلفزيوني للرئيس مع القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي ووفد التعزية الفلسطيني بمقتل رئيس الإدارة المدنية التابعة للاحتلال. وذهبت الجبهة الشعبية أبعد من مطالبة الرئيس بالاستقالة بالمطالبة بمحاسبة الرئيس على ما ارتكب من أخطاء وعزله من قيادة منظمة التحرير التي تمثل الشعب الفلسطيني وليس الرئيس وحده.
على الجانب الآخر أعلن ناطق رسمي بلسان المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أن المخصصات الشهرية للجبهة من الصندوق القومي الفلسطيني قد تم وقفها بقرار من رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الرئيس محمود عباس.
وقال المكتب السياسي للجبهة في بيان: «ان هذا القرار تعسفي وخاطئ من أساسه ومن شأنه أن يعكر صفو العلاقات الوطنية ويحرف الأنظار عن الأخطار المحدقة بالشعب الفلسطيني في ظرف نحن أحوج فيه إلى تعزيز هذه العلاقات وتطويرها في مواجهة سياسة حكومة إسرائيل والجرائم التي تمارسها بشكل يومي ضد الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال بدءا بجرائم مصادرة الأراضي لفائدة النشاطات الاستيطانية ومرورا بسياسة الترانسفير والتطهير العرقي وسياسة التهويد خاصة في القدس ومحيطها وفي مناطق الأغوار الفلسطينية وانتهاء بالانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان وسياسة القتل والإعدامات اليومية، التي تمارسها قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية بعدوان حزيران 1967».
ووجه بيان المكتب السياسي الدعوة إلى الرئيس محمود عباس بالتراجع الفوري عن هذا القرار على اعتبار ان مخصصات فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من الصندوق القومي الفلسطيني ليست منّة من أحد، بل حق مكتسب بقرار من المجلس الوطني الفلسطيني وليس لأحد مهما كان موقعه التصرف بهذا الحق سوى المجلس الوطني نفسه. وهو إجمالاً الحديث ذاته الذي خرج من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
أما على الصعيد الفتحاوي الداخلي فإن الخلافات خرجت إلى العلن من جديد من بعض أقطاب الحركة. وبرزت الخلافات بعد أن طالب اللواء توفيق الطيراوي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومسؤول ملف المنظمات الشعبية في الحركة بإقالة وزير التربية والتعليم العالي في حكومة الوفاق الوطني صبري صيدم لتعيينه بصري صالح وكيلاً لوزارة التربية والتعليم.
وقال الطيراوي في تصريحات له الاربعاء أن بصري صالح عمل مع ناصر الشاعر المقرب من حركة حماس، وكان ينشط ضد الوطنيين، وساهم في دعم «الانقلابيين». ولم يتوقف الطيراوي عند مطالبة الوزير بالاستقالة بل أنه وجه اتهاماً للوكيل الجديد في وزارة التربية والتعليم بصري صالح، بمسؤوليته عن التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة عمله في عهد وزيرة التربية والتعليم السابقة لميس العلمي. كما طالت الوزير صيدم انتقادات لاذعة من الطيراوي الذي اتهمه بالاعتماد على أنصار الانقلابيين في وزارته الجديدة وتعمد الإهمال بحق من وصفهم بالوطنيين في الوزارة.
ورغم أن الطيراوي أكد أن الرئيس عباس أوقف تعيين الوكيل الجديد للوزارة بقرار رسمين إلا أن الوزير صيدم أصر على التعيين رغم قرار الرئيس لتزداد حدة المواجهة بين القطبين الفتحاويين وهو ما اعتبره الطيراوي خرقاً ورفضاً في آن واحد وحتى تحدياً لقرار الرئيس عباس.
ويبدو المشهد الداخلي الفلسطيني الأكثر قتامة منذ زمن طويل الأمر الذي يؤرق الشارع الفلسطيني خوفاً من المستقبل المجهول في حال حدوث تغيير على المشهد السياسي في فلسطين وفي ظل الهبة الشعبية وازدياد حدة التطرف اليهودي ومشاهد الدماء في معظم دول الطوق العربي.
فادي أبو سعدى