كان أحد أصدقائي قد أهداني كتابه الأوّل، وهو يشكو ما تخلّله من أخطاء وهَنات مطبعيّة فادحة. فرويت له مواسيا، قصّة الجاحظ وقد صنّف كتاباً، ورتّبه وبوّبه، ودفعه إلى أحد النسّاخ؛ فعبث به، وبثه في الناس، فاستدعاه الجاحظ، وقال له: «يا هذا إنّ المصنّف كالمصوّر، وإنّي قد صوّرت في تصنيفي صورة؛ كانت لها عينان فعوّرتهما، أعمى الله عينيك، وكان لها أذنان فصلمتهما، صلم الله أذنيك، وكان لها يدان فقطعتهما، قطع الله يديك…» وقلت لصديقي: البركة في هذه الدار التي لاتزال تخاطر بنشر الكتاب الأدبي.
إنّ قضيّة هذا النوع من الكتب، تراوح بين أطراف تشكّل مجتمعة ما سمّته مجلّة «الناشر العربي» منذ سنوات «الثلاثي غير المرح»؛ وهم الكاتب والقارئ والناشر. وأضيف أنا «الرقيب». ولذلك حكاية طريفة أسوقها في خاتمة هذا المقال.
أمّا الكاتب ـ وما أكثر الكتّاب بل ما أقلّهم ـ فيستغرقه أمر الكتابة في عصر تطغى فيه وسائل الإعلام الجماهيريّة ومواقع الاتصال الافتراضيّة، وهي التي لها من سلطة الذيوع والانتشار، ما يجعلها اليوم تنسخ تأثير الكِتاب أو تكاد، أو تجعل انتشاره محدودا؛ خاصّة أنّها أضخم جمهورا وأعلى صوتا وأعتى؛ بل هي أعرف بأساليب الإغراء وطرائق التأثير. وأمّا القارئ فيهمّه أن يكون الكتاب في متناوله، بأيسر السبل وأقلّها تكلفة؛ ناهيك عن قيمته المعرفيّة، فهذه مسألة ذوق؛ والذوق محصّلة خبرة ومِراس. وأمّا الناشر، فأمره مختلف؛ وهو المشغول بمشاكل الطباعة وهموم التوزيع، وسعر الكتاب وما إذا كان يناسب مقدرة القارئ الشرائيّة. وهذه لا شكّ معادلات صعبة، والكتاب مادّة ثقافيّة لانزال نحتاج إليها، وسلعة أو بضاعة في ذات الآن.
على أنّه مهما يَكنِ الموقف من الكتاب، فإنّ البلاد العربيّة ليس بميسورها حتّى وإن فعلت لفائدة الكتاب؛ ما فعلت تشريعا وترويجا، أن تنأى بنفسها عن النظام العالمي الذي يتعامل مع الكتاب من حيث هو «سلعة استهلاكيّة»، محكومة بقوانين السوق؛ من عرض وطلب، وما تطويه من مصالح ورؤى ثقافيّة خاصّة. وفي هذا الأفق حيث تقع قضيّة النشر، وليس بوسع هذا المقال؛ إلاّ أن نتلمّس منها قدرا يسيرا، بمسوِّغ حجمه؛ يمكن أن نطرح قضيّة الكتاب الأدبي من شعر ورواية وبحث ونقد، وما إليها ممّا يداخل الأدب، بطريقة أو بأخرى. وهي قضيّة ترجع في جانب منها، إلى التقاليد الثقافيّة ومؤسّسات التعليم، مثلما ترجع إلى تقاليد التعامل التجاري، سواء قامت على المبادرة الفرديّة أو المشتركة أو الحكوميّة. ولعلّ أوّل ما يلفت الانتباه أنّ صناعة الكتاب الأدبي لا تخضع لخطّة مرسومة، يضعها الناشر؛ وإن استثنينا دُورا قليلة؛ وإنّما لموجات فوريّة مثل شهرة الكاتب والموضوع المطروح، ومؤشّر العرض والطلب. فقد يطغى الكتاب الأدبي المترجم في فترة، وقد تطغى في أخرى كتب التراث الديني. وكان نشره، في أغلب الأحيان دلالة على نضوب الذاكرة، واستقالة من العصر ورهاناته وتحدّياته؛ أكثر منه دلالة على تأصيل التراث أو تأهيله. وفي تونس مثلا كادت بعض دور النشر تنصرف عن الكتاب الأدبي انصرافا كلّيا؛ وهي التي احتفت به في فترة ما؛ بالرغم من أنّ ميدان النشر يضمّ ناشرين مثقّفين، غير أنّ رأس المال عقبة كأداء في طريقهم. ولا يخفى أنّ السيولة النقديّة المتحكّمة في سوق النشر، يملكها التاجر لا المثقّف. وإذا كان الكاتب العربي ـ كما يقول خبير عربي ـ قد تحرّر من السلطة التقليديّة، فإنّه اليوم يستشعر حاجة ماسّة اليوم إلى سلطة جديدة: التاجر أو الناشر. وهذا إنّما يبني اختياره على معيار تجاريّ بالأساس، سواء ناسب «الضرورة» الثقافيّة أو لم يناسبها. وربّما ضغطت على اختياره محدوديّة السوق المحليّة، من جهة، وانفتاحها لدور النشر الأجنبيّة، من جهة أخرى. على أنّه قد يكون من المفيد، كما يقول خبراء النشر، أن يكون دعْم الكتاب العلمي مكّمّلا للخلق الأدبي.
وأمّا الرقيب، وقد سوّغت به عنوان هذا المقال، فأظنّ أنّ خير ما يتمثّله؛ هذا الخبر، وهو من أطرف ما سمعتُ عن الذين يتحدّثون عن كتب لم يكلّفوا أنفسهم حتّى عناء تصفّحها. وقد رواه لي صديق سوري ـ والعهدة عليه ـ فقد ألّف الكاتب الأردني المرموق سليمان الأزرعي، كتابا في النقد الأدبي، وظلّ ينتظر وصْل الإيداع القانوني، حتى يتمكّن من طبع الكتاب. وعندما طال انتظاره، قصد مكتب المدير المسؤول عن قسم الإيداع في وزارة الداخليّة.استقبله المدير بحفاوة، وقدّم له قهوة؛ ثمّ قال له: «آسف يا دكتور سليمان.. كتابك يحتاج إلى مراجعة.. هناك فقرات لابدّ من حذفها.»
وعجب صديقنا سليمان، فكتابه في النقد الأدبي وليس في السياسة أو الجنس أو الدين»الثالوث المحرّم». وقال بسخرية لا تخلو من حدّة:» عجيب أمرك أيها السيّد المدير..أنا واثق أنّك لم تقرا كتابا واحدا في حياتك.» وغضب المدير، وهو يصيح: « أنا.. أنا.. لقد قرأتُ كتبا عدد شعر رأسك.» واستغرق سليمان في ضحكة ماكرة، وقال:» إذن.. أنت لم تقرأ شيئا يذكر في حياتك.. انظر هذا هو شعر رأسي». وخلع القبّعة»البيريه» التي يضعها على رأسه. فقد كان صديقنا سليمان ولا يزال أصلع بالتمام والكمال مثل صحراء بلقع.
كاتب سوداني
منصف الوهايبي