توفي هذا الأسبوع الروائي الأمريكي الكبير فيليب روث بسكتة قلبية، عن عمر يناهز 85 سنة، تاركاً وراءه فراغاً كبيراً، وميراثاً روائياً ثميناً. العجوز المشاكس الذي أخطأته جائزة نوبل، هكذا يصفه الكثير من محبيه وأصدقائه.
حصوله على الجائزة كان حتماً سيشرفها، ويجعلها تعلو وتسمو، لكن حساباتها الضيقة تضع دوماً سداً منيعاً بينها وبين الكتّاب الكبار الأحرار. فقد ظهر على الكثير من قوائمها، لكنها في كل مرة تخطئه، كما أخطأت قبله مارسيل بروست، سيلين، بورخيس، إيطالو كالفينو، ريلكه، فيرجينيا وولف، طه حسين، لوركا، حنا مينه، وغيرهم، ربما لأن لغتهم لا تتناسب كثيراً مع النموذج الذي تريده هذه المؤسسة وتسعى إلى إشاعته وترسيخه.
عقلية نوبل لم تتغير مطلقاً وحساباتها السياسية متوقفة أيضاً عند حدود ميتة تنتصر فيها لمنطقها الذي يسجنها، بدل الانتصار للأدب وكثيراً ما فاجأت متابعيها كأن تعطيها لمغنٍ شعره لا يرقى إلى شعراء العصر. وهذه السنة حجبتها بكل بساطة، لخلاف داخلي؟ أم أنها لم تجد ولا كاتباً يستحقها؟ مع أن الأسماء العالمية التي تتكرر سنوياً عليها كثيرة.
لهذا لم ينشغل فيليب روث بها كثيراً. أهملها لأنه كان يعرف بأنها لن تُمنح له إلا إذا باع حريته في نقد الدين والجنس والسياسة الأمريكية. وظل يكتب بلا التفات إلى الوراء ولا يولي أي انتباه لمقاسات الجوائز. فقد عالجت أعماله الأدبية، التي بلغت الثلاثين، الإنسان في مختلف تحولاته الصعبة داخل مجتمع يربّي البشر على الكذب والجريمة والنفاق، ببعد ديني أو مصلحي أو عنصري.
يظل الإنسان بالنسبة لفيليب روث، أهم لغز، لا يمكن فك أسراره بسهولة. الشيء الوحيد الذي يقهر الإنسان هو تلاشيه الطبيعي، كالشيخوخة، والمرض، والمعوقات الجسدية المختلفة التي خصص لها الكثير من نصوصه الروائية. من رواياته، البصمة الإنسانية، التي اقتبستها السينما وصنعت جزءاً من شهرته، وأثارت جدلاً حول مشكلة الهوية، التي، حتى عندما نحاول تغييرها، هناك دوماً شيء ما يركض وراءنا، نتفادى العنصرية بارتداء دين جديد، فنسقط في اللاسامية بحكم الانتماء اليهودي.
عندما يتقصدك مجتمع مريض سيجد لك مدخلاً لتصفيتك بسبب ديني أو عرقي أو حتى لغوي. وهذه الرواية هي الجزء الأول من الثلاثية الأمريكية، التي تضم أيضاً: تزوجت شيوعياً والسكينة الأمريكية، وقد اقتبستها السينما بعد أن حصلت على جائزة بوليتزر. ثم رواية كولمبس، خروج، ومؤامرة ضد أمريكا التي اقتبستها بدورها السينما، بينما نميسيس التي ظهرت في 2010 تتناول حالة تحلل إنسان بسبب مرض مستعصي العلاج، وفيها الكثير منه.
اتهم بمعاداة السامية لأنه انتقد الطبقة الوسطى اليهودية الأمريكية التي تربّى فيها ويعرفها جيداً. فقد كانت حريته اللغوية من أكبر رهاناته الأدبية، ولم تمنعه لا التقاليد ولا الأديان من أن يكون كما أراد. فقد تحدث بشكل عار عن الإنسان في تحولاته مع المرض ومع الخساسة والخيانات والخوف والأطماع. صراحته تلك، جلبت له الكثير من الأعداء، وردود الفعل السيئة كانت ربما هي السبب الذي منعه من الحصول على نوبل.
فقد اتهم من أصدقائه ومحيطه الديني اليهودي، بمعاداة السامية لدرجة أن أطلق عليه اسم « اليهودي المعادي للسامية» وهو أمر كان قاسياً عليه، ولكنه تخطاه. معظم أعماله تتناول شخصية الأمريكي اليهودي في مجتمع ليس دائماً رحيماً. فهو حفيد مهاجر من أوروبا الشرقية، وتعرف على كل السلوكيات اليومية.
انتقدها بجرأة في علاقتها بالحياة والمال والأنانية، من خلال أسلوب عنيف ومباشر ضد العفة الأمريكية الكاذبة. لم يتوان عن استعمال سلاح السخرية. تناول الجنس بحرية وأظهر كل العقد التي تتخفى من وراء الدين. وهو ما جعل الأوساط الدينية اليهودية أيضاً تقوم ضده بكل أدواتها التي جعلت منه اليهودي السيىء. وأصبح المتهم رقم واحد دينياً، واعتبر من المرتدين. وقد طالب الكثير من الحاخامات بإسكاته. وحتى نعته بالعدو، والمعادي للسامية.
أحد الحاخامات صرّح بأنه لو كنا في القرون الوسطى لكان لليهود معه شأن آخر. كانت هناك نية حقيقية لدفنه تحت الصمت لأن إشاعة أنه كان معادياً للسامية حرمته أيضاً من نوبل كما حرمت قبله سيلين، وهو أمر يطرح على الكتابة جانبها الأخلاقي: هل الجائزة تعطى لنص ناجح أم لخطاب ايديولوجي؟ وإذا كانت معاداة السامية عند سيلين واضحة، ليس في كتاباته الروائية ولكن في هجائياته التي لخصها في كتابين أساءا له عبر التاريخ، لكن ذلك لم يمنعه من الدخول في لابلياد مع عدم نشر كتابيه المعاديين للسامية، كما دخل روثمان، منذ فترة وجيزة إلى البلياد التي تشكل ذاكرة البشرية الأدبية. يبقى من الصعب اتهام فيليب روث بمعاداته للسامية لأنه لم يكن كذلك.
صحيح أنه انتقد المجتمع اليهودي في أمريكا الذي تشكل فيه وانتقد المؤسسات اليهودية الدينية، لكن من دون أن يكون معادياً للسامية. معاداة السامية شيء آخر إذ هي احتقار واضطهاد شعب فقط لكونه يدين باليهودية. وفيليب روث بعيد عن هذا كلياً. المؤسسة الدينية كما في كل الديانات لا تتحمل أبداً من ينتقدها، ويبيّن نفاقها، ويعري ممارساتها التحتية. كيف نخفي اليوم الاعتداءات الجنسية في عمق الكنائس التي مارسها رجال دين كبار وتحولت إلى قضايا استلمتها العدالة وحاكمت الجناة. كيف نخفي بعض ما يمارسه فقهاء الظلام في النساء المسبيات والأطفال. كل هذا يحدث، يتحمله الأفراد بأمراضهم وليس الديانات. نعم كان فيليب روث يهودياً أمريكياً، لكنه كان واحداً من أكبر كتّاب أمريكا المعاصرة والإنسانية الذين كشفوا بجرأة المستور في مختلف مناحي الحياة.
وإلى الجحيم جائزة نوبل التي حرمته منها بسبب مواقفه الجريئة، فقد خسرت موعداً آخر مع الإنسانية. جماهيره الواسعة هي أكبر حائط صد. أعماله الروائية بيست سيلر، بلغت درجة عليا في المبيعات. سيظل فيليب روث في الذاكرة الجمعية الإنسانية، الروائي الاستثنائي الذي راهن على الإنسان أولاً وأخيراً في مواجهة مصير بشري تراجيدي يكاد يكون محتوماً.
واسيني الأعرج