عالج أكثر المفكّرين والكتّاب العرب المعاصرين مضمون الفكر العربي أو محتواه، أي منظومة الآراء والأفكار والمثل الأخلاقيّة والمعتقدات المذهبيّة والسياسيّة والاجتماعيّة التي يُفترض أنّ العربي عامّة يتحرّك بها وفي فضائها؛ ولم تُعن سوى قلّة منهم مثل الراحل محمّد عابد الجابري، بالأداة المنتجة لهذه الأفكار أي العقل العربي أو الفكر العربي من حيث هو أداة تفكير «مخصوصة» حيث مجال البحث ابستيمولوجي وليس إيديولوجيّا.
هذا الفصل القاطع يثير جملة من الأسئلة الشائكة: إلى أيّ حدّ يستقيم الفصل بين العقل أو الفكر بوصفه أداة للإنتاج النظري وبين هذا الإنتاج نفسه؟ أي كيف يتشكّل هذا العقل خارج «منتوجه»؟ بل أليس العقل نفسه محصّلة ثقافة ما يكوّنها ويتكوّن فيها وبها؟
والإجابة عنها تقتضي مهادا نظريّا، فالعقل أداة للتفكير لاشكّ؛ بيْد أنّ الأداة ليست معطى جاهزا أو «ستاتيكيّا» ثابتا سكونيّا، وإنّما هي نتاج عمليّة تاريخيّة بطيئة معقّدة متحوّلة. وعليه فإنّ الفصل بين الأداة ومحتواها ليس أكثر من إجراء منهجيّ. والأداة والفحوى أو المحتوى يتجاذبان ويتدافعان إلى حدّ قد تمّحى فيه الحدود والماهيات، ولا نميّز هذا من ذاك حتى لو انسلخ عن جلده. ومع ذلك فإنّ الجابري، ونحن اليوم نحتاج، في خضمّ هذه التجاذبات السياسيّة الإيديولوجيّة بين العرب أنفسهم، وبينهم وبين قوى الهيمنة الإقليميّة والعالميّة، وهي تتهدّدهم في كيانهم؛ إلى إعادة قراءته هو وغيره من كبار المفكّرين العرب. نقول هذا بالرغم من أنّ الجابري ظلّ حتى آخر ما كتب، يصرّ على الفصل بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن مستأنسا بلالاند. والأوّل هو الملكة التي يستطيع بها أيّ انسان أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الأشياء مبادئ كليّة ضروريّة هي نفسها عند الناس جميعهم؛ وأمّا الثاني فهو مجموع المبادئ والقواعد التي نستأنس بها في استدلالاتنا.
هذا العقل المكوِّن أو النظام المعرفي الذي يؤسّس الثقافة العربيّة في السياق الذي نحن به، هو الذي استأثر بعناية الجابري على إدراكه بأنّه عقل يفترض عقلا مكوَّنا؛ الأمر الذي يضعنا في قلب معادلة يصعب حلّها، فكيف نستبعد من مجال بحثنا الإيديولوجيا أي جملة الآراء والنظريّات والمذاهب التي تشكّل مضمون الفكر العربي، ونحن ندرك أنّ معالجة العقل العربي [الأداة] لا تستقيم بمعزل عن هذا المضمون؟ والمسوّغ لهذا السؤال أنّ الثقافة العربيّة هي ككلّ ثقافة مجموعة من الأنظمة الرمزيّة المخصوصة تجد تفسيرها ودلالاتها في الأصل الرمزي للمجتمع، وليس في العقل العربي الذي هو جزء من هذه الثقافة. والجابري نفسه لا ينكر، بالرغم من إصراره على استبعاد الإيديولوجيا؛ أنّ قواعد العقل تجد مصدرها الأوّل في الحياة الاجتماعيّة التي تشكّل أوّل أنواع الواقع الحيّ الذي يحتكّ به الإنسان أو يعيشه. بل هو يعود بنا إلى معنى العقل في العربيّة من حيث هي ظاهرة اجتماعيّة، فيثبت اقتران العقل أساسا بالسلوك والأخلاق استئناسا بمختلف الدلالات التي يضفيها القاموس على مادّة (ع.ق.ل). والحقّ أنّ المعاجم العربيّة وهي لا تؤرّخ للكلمات، وإنّما تقفز بها من عصر إلى عصر، لا تأخذ بالاعتبار العامل الزمني في تطوّر اللغة. والقدامى إنّما اقتصروا على تقسيم اللغة تقسيما مكانيّا وليس زمنيّا، بل منهم من جرّدها من رقّ الزمان والمكان معا؛ وكأنّها قانون نافذ على الدهر. ومع ذلك فإنّ المعاجم لا تربط كلّها بين دلالات العقل والسلوك، ففي بعضها مثل القاموس المحيط إشارات دقيقة إلى أنّ العقل هو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصها، أو هو مطلق الأمور، أو لقوّة يكون بها التمييز بين القبح والحسن، أو لمعانٍ مجتمعة في الذهن، ومقدّمات تستتبّ بها الأغراض والمصالح، أو هو نور روحانيّ به تدرك النفس العلوم النظريّة والضروريّة. وقد يتسنّى في ضوء ما تقدّم، وهو يحتاج إلى كثير من التفصيل القول إنّ العقل لغة يرتبط بالمعرفة، ولا يخرج عن وظيفة الحسن/ النافع. وقد لا يكون ثمّة مسوّغ قويّ لقول الجابري إنّ الأخلاق في الفكر اليوناني تتأسّس على المعرفة، وفي الفكر العربي تتأسّس المعرفة على الأخلاق. فربّما صحّ هذا في حقبة دون أخرى، ولكن أن نجعله قانونا نافذا؛ فمسألة أخرى. والمعرفة نفسها لم تكن في كلّ المراحل تمييزا في الموضوعات، بل كانت اكتشافا للعلاقات التي تربط ظواهر الطبيعة بعضها ببعض. وفي كتاب برونوفسكي «ارتقاء الإنسان» إحالة لطيفة على علاقة الفنّان بعالم الرياضيّات في الحضارة العربيّة. والمثال الذي يقدّمه هو النماذج الهندسيّة والطرر الزخرفيّة العربيّة التي تتمثّل كما يقول ذروة استكشاف العربي لأعماق الحيّز ومستويات التماثل فيه؛ أي الحيّز ذو البعدين لما يسمّى الآن المستوى الإقليدي. وقد يكون من الواضح أنّ العقل العربي لم يكن في كلّ مراحل التاريخ محكوما بالنظرة المعياريّة للأشياء، بل بنظرة موضوعيّة أيضا، تبحث في الأشياء عن قوانينها الخفيّة ومكوّناتها الذاتيّة. وهي نظرة تتجلّى في النظم المعرفيّة الثلاثة: المعرفي البياني والمعرفي العرفاني (الغنوصي) والمعرفي البرهاني. ولا يخفى أنّها نشأت كلّها في جوّ دينيّ كلاميّ، الأمر الذي وسم كثيرا من تصوّراتها وتمثّلاتها، فالنظام المعرفي البياني مثلا توخّى منهاجا في إنتاج المعرفة قوامه قياس الغائب على الشاهد أو الفرع على الأصل، دون أن يسوق ذلك إلى القطع بأنّه يعني رؤية للعالم قائمة على الانفصال واللاسببيّة؛ لأنّ هذا النظام أفاد كثيرا من النظام المعرفي البرهاني، وتحديدا من فلسفة أرسطو ومنطقه. وفيه تستوقفنا المنهجيّة المتوخّاة في ردّ الظاهرة الطارئة إلى جذر متأصّل أو مثالي، وتقدير المحدث والمستجدّ بمدى موقعه قربا وبعدا من المثال. والنظام المعرفي اليوناني الذي تأثّره البلاغيّون العرب القدماء، وتأثّروا به؛ إنّما قام على رؤية للعالم أساسها الترابط السببي. وهو ما يفسّر نظرة الجاحظ العقلانيّة أو عبد القاهر الجرجاني مثلا، حيث نقف على انتقال من مقدّمات يضعها العقل مثل وظيفة الإبانة والفهم، إلى نتائج تلزم عنها منطقيّا. إذن هي أنظمة تتقاطع أكثر ممّا تتدافع، وقد أفاد منها السنّة والشيعة سواء بسواء، في تأسيس العرفان على البرهان. ولعلّها تفسّر في جانب منها التناظر بين الزمن الثقافي وزمن اللاشعور في مقترب الجابري، حيث اللاشعور ينشئ زمنه الخاصّ الشبيه بزمن الحلم؛ إذ تتداخل المسافات وتتقوّض الحدود، فلا مقدّمات تسنده بحيث يرتبط اللاحق بالسابق، ولا سببيّة تنتظمه بحيث يمكن القول إنّ الأسباب نفسها في الظروف نفسها تفضي حتما إلى النتائج نفسها. وكذلك شأن الزمن الثقافي، فهو عنده متداخل متموّج يمتدّ في هيئة لولبيّة حيث تتعايش مراحل ثقافيّة مختلفة، على نحو ما تتعايش في غياهب اللاشعور رغبات مكبوتة مختلفة. وهذه مقارنة تلوح مغرية، على أنّ العنصر الأساسي في الشعور اليقظ هو التوتّر بين الذات والموضوع، يحتجب في الحلم، ولا يحتجب أو يختفي تماما في الزمن الثقافي؛ كما أنّ عالم الحلم أسطوريّ لا يعرف الماضي ولا المستقبل، بل هو تركيبة مهوّشة مهوّسة تنتظم أحداثها وصورها محكومة بنزوات الحالم ورغائبه ومخاوفه؛ في حين أنّ الزمن الثقافي لا يجري على هذه الوتيرة، فهو «زمانيّ»، وليس «لا زمانيّا» كالحلم.
قد يكون مردّ الإشكال إلى أنّ الجابري شأنه شأن عرب آخرين، مأخوذ بمقولة ادوارد هيرو التي حفظناها في المرحلة الثانويّة في حصّة الفلسفة «الثقافة هي ما يتبقّى بعد أن يطوي النسيان كلّ شيء». فهي تُتّخذ مسلّمة للجمع بين العقل والثقافة على أساس أنّهما مظهران لبنية واحدة أو متجانسة. ومن ثمّة يُحصر العقل العربي في هذا الحدّ الجامع المانع، فهو ما خلّفته الثقافة العربيّة في الإنسان العربي، بعد أن نسي وينسى ما تعلّمه في هذه الثقافة. وما يبقى هو الثابت، وما يُنسى هو المتغيّر أو المتبدّل بتبدّل الأزمنة. والمثال الذي يسوقه أنّ كثيرا من شعراء الجاهليّة، وعلماء الإسلام والكتّاب والفقهاء والمؤرّخين هم موتى لم يموتوا بعد؛ فلا يزالون «يعيشون» ويقفون معنا على خشبة مسرح واحد، هو مسرح الثقافة العربيّة الذي لم يُسدل الستار فيه بعد، ويسِمون نظرتنا إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ؛ فإذا لا وعي الذات هو خطاب الآخر وكأنّه صعود عموديّ نحو الماضي أو ما يترسّب في الذات من ذكريات وأحلام. لكن هل من شأن هذا أن يسوّغ قوله ببنية لا شعوريّة ثابتة في ظلّ المتغيّرات؟ وكيف لا يتأثّر الثابت بالمتغيّر وهما «يتعايشان» في لا شعور الفرد ولا شعور الجماعة؟ وبأيّ حق نغفل الثقافة الشعبيّة من أمثال وقصص وخرافات وأساطير، وقد قرّر الجابري منذ المقدّمة صرف النظر عنها؛ وهي ما هي في فكرنا جميعا؟ بل أليس النسيان نفسه «ذاكرة مخذولة» أو هو «ذاكرة مقلوبة» وشكلا من أشكال حضور الغائب؟
* كاتب تونسي
منصف الوهايبي