وتبقى حركة مجاهدي خلق غامضة في تركيبتها وفي مجمل سلوكها السياسي، ولكن ما يمكن أن يتم التوصل له من استنتاجات يصب في حقيقة مخيفة مفادها أنها مستعدة للتحالف مع الشيطان من أجل تحقيق أهدافها، وعلى الرغم من تغيبها عن المشهد العام وخاصة بعد سقوط صدام حسين ودخول المعـــارضة الإيرانية بشكل عام في عباءة الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وبالطبع الولايات المتحدة، إلا أن الحركة عادت لتشغل العالم لوهلة من الزمن مع حضور الأمير السعودي تركي الفيصل لمؤتمرها في العاصمة الفرنسية باريس. ومن المرجح أن الحركة التي شطبت من قوائم الإرهاب ضمن صفقة تسارعت بعد الغزو الأمريكي للعراق استقطبت الأمير لحضور مؤتمرها في خطوة من شأنها أن تنقل مجمل الصراع السعودي – الإيراني إلى مرحلة جديدة من المواجهة.
من الناحية المبدئية فإن حركة مجاهدي خلق لا يمكنها أن تعمل على إسقاط النظام الإيراني، وأيضاً يبدو تأثيرها محدود للغاية على مجريات الوضع العام في إيران، فالنظام الإيراني لا يمكن اسقاطه إلا ضمن تبعات هزيمة عسكرية في حرب يبدو أن أحداً لا يمكنه أن يخوضها وأن يتحمل تكلفتها، كما أن تحريك الانتفاضات في المناطق الساخنة مثل أقاليم عربستان وبلوشستان والمناطق الكردية سيعطي النظام الإيراني زخماً في كتلته الصلبة في طهران، وسيجعله يخوض عمليات استعراضية من شأنها أن تعطيه سنداً معنوياً في الداخل الإيراني.
مشكلة الصراع السعودي ـ الإيراني أنه ممتد ومتعدد الفصول، وربما يبدو من الثوابت خلال مرحلة طويلة شهدت متغيرات كبرى جعلت من السعودية هي الخصم المحتمل والدائم والمطمح المستمر والثابت للإيرانيين، ذلك أن الخليج أخذ يعتبر الخاصرة الأضعف في محيط الجوار الإيراني، والمنطقة الوحيدة المحتملة لممارسة النفوذ بالنسبة لطهران.
الجوار الذي كانت تسيطر عليه إيران في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أخذ يتقلص ويخضع لمنافسة شرسة من القوى الصاعدة في تلك المرحلة. فبداية أتى انضواء الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي وظهور دولة باكستان بوصفها منافساً شرساً لإيران ويحمل طموحات لاحتلال مكانة متقدمة في إطار ما يعرف بالعالم الإسلامي، فضلاً عن تاريخية العلاقة المضطربة بين الإيرانيين والأتراك، وبذلك لم يعد أمام الإيرانيين سوى الخليج. ومع ارتفاع أسعار النفط وخوض الإيرانيين حرباً نفطية مع الأمريكيين بعد أزمة إمدادات النفط 1973 تزايدت الطموحات الإيرانية للدرجة التي جعلت الشاه يهدد وزير النفط السعودي أثناء لقاء جمعهما سنة 1976 بتأديب دول الخليج، كما أن الشاه كان يلوح ضمنياً باحتلال منطقة الخليج على ايقاع الانتشاء بالدور الذي رسمه هنري كسينجر له شرطياً للخليج.
لم يطرأ أي تغير من موقف طهران من الخليج بعد الإطاحة بالشاه، فالخميني الذي بقي لاجئاً في العراق لم يتوان عن الدخول في حرب طاحنة مع العراقيين تحت عنوان تصدير الثورة الإسلامية.
وحظي العراق في هذه الحرب على دعم كبير من دول الخليج، وهو ما كان حاسماً في المواجهة الصعبة مع الإيرانيين، خاصة بعدما تبين أن الأمريكيين كانوا يتقاربون سراً من الإيرانيين كما كشفت فضيحة إيران ـ كونترا في منتصف الثمانينيات.
صراع وجودي هو ما يمكن أن توصف به العلاقات التركية – الإيرانية، والتاريخ العثماني ـ الصفوي يدلل على ذلك، ولكن الأمر نفسه لا ينطبق على الصراع الإيراني – الخليجي الذي يستمر على ايقاع حروب خفية حول النفط وأسعاره وطموحات إيران في الاستحواذ على الخليج بوصفه بحيرة نفطية من شأنها أن تعزز نفوذ إيران العالمي. ويبدو أن تراجع تأثير مصر الإقليمي في زمن حسني مبارك أدى إلى تفاقم الطموحات الإيرانية، فغالباً ما يستند الخليج إلى الكتلة التي تمثلها مصر عملياً، ومعها بدرجة أقل الأردن، ولا يبدو أن الخليجيين مقتنعون في هذه الفترة بقدرة كل من مصر والأردن على المبادرة وعلى التحرك في مواجهة الإيرانيين، فالأردن منشغل تماماً بجميع بالونات الاختبار المتعلقة بالحل في الأراضي المحتلة، وتداعيات الأزمة في سوريا والعراق أيضاً، والمصريون عالقون في المتاعب الاقتصادية والتحديات الإفريقية.
حركة مجاهدي خلق ضمن المشهد العام ورقة متواضعة اضطرت السعودية للتعامل معها في ظل تصاعد التحديات الكبيرة التي يمثلها الضغط الإيراني في أكثر من منطقة مواجهة وخاصة سوريا واليمن. ومع تراجع حلفاء تقليديين، مثل باكستان، عن تقــــديم إســــناد للســعودية فإنه يمكن تبرير توجهــــــات الرياض للبحث عن مصفوفة جديدة من التحالفات، وذلك يبدو أنه يمتد اليوم من موسكو لغاية أنقرة، بينما تطرح تل أبيب نفسها حليفاً على أساس مبدأ عدو عدوي صديقي. ومشكلة السعودية أنها تجد في لحظات الحسم الحرجة ميلاً للإيرانيين، وهو ما طرحه محمد حسنين هيكل سابقاً، وعزاه لرؤية الجميع لإيران بوصفها الأكثر تأثيراً وقدرة على المبادرة في الإقليم، على العكس من رؤيتهم للسعودية والذين يرون قوة تأثيرها مرتبطة بأسعار النفط ومعادلاته، وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع وزنها النسبي مع الأزمة الاقتصادية العالمية التي أدت إلى إضعاف الطلب على النفط بشكل عام.
تفاعلت إيران بصورة متوازنة مع الحضور السعودي في مؤتمر مجاهدي خلق وأدركت أن السعودية ما زالت في حالة ترتيب أوراقها الإقليمية وأن بحثها عن تحالف مع عدو صريح للنظام الإيراني يدلل على مشكلات جوهرية في علاقاتها مع الحلفاء، وخاصة في القاهرة حيث يبدو الافتراق في الشأن السوري واضحاً، وهو الأمر الذي لم تحركه زيارة الملك سلمان للقاهرة في أبريل/نيسان الماضي، ولا يعني ذلك إخلالاً بالتعهدات المصرية بأمن الخليج، بقدر ما يعني أن مصر مثل باكستان، يمكنهما التدخل ضد اعتداء إيراني صريح، ولكن لا يمكنهما في المقابل أن يتدخلا لا في سوريا ولا في اليمن حيث يمارس الإيرانيون ضغوطهم بشكل أو بآخر على منطقة الخليج العربي.
السعودية أمام مجموعة صعبة من الخيارات وأكثرها تعقيداً يتمثل في تل أبيب التي حظيت بزيارة، فاسرائيل تمارس غواية سياسية غير مسبوقة تدرك الرياض أنها ستكون مكلفة للغاية في ظل وضع المنطقة المضطرب، ونتيجة لبقاء التعنت الاسرائيلي تجاه المبادرة السعودية للسلام والتي تعتبر أقصى ما يمكن تقديمه لإسرائيل من أجل احتوائها في المنطقة. ولكن هل تدفع الظروف السعودية إلى البحث عن مخرج مناسب بالتحالف مع اسرائيل؟
اللواء المتقاعد أنور عشقي يقود تياراً منفتحاً على فكرة التحالف مع اسرائيل، وأقدم على زيارة إلى الأراضي الفلسطينية التقى خلالها مع شخصيات اسرائيلية في القدس، وهو ما يمثل حدثاً غير مسبوق خاصة أن الفريق الكروي السعودي رفض اللعب في رام الله للابتعاد عن شبهة التطبيع مع إسرائيل وذلك قبل أقل من سنة، وإن تكن وزارة الخارجية السعودية أعلنت تبرؤها من الزيارة لأكثر من مرة، فإن ذلك لا يعني مطلقاً استبعاد أن تقارباً سعودياً مع إسرائيل أصبح قائماً في الأفق، والمسألة ستتحدد أصلاً بقدرة السعودية على بناء تحالفات جديدة في المرحلة المقبلة. ولا يبدو أمام السعوديين إلا الاتحاد الأوروبي باستغلال علاقتهم الوثيقة مع باريس المؤثرة في التوجهات الخارجية لأوروبا، وهو ما يتطلب في المقابل انفتاحاً سعودياً داخلياً في مجالات بقيت خلافية في المجتمع السعودي مثل مشاركة المرأة وسلطة المؤسسة الدينية.
لا أحد يعلم بالتأكيد إلى أين ستمضي الخيارات السعودية مستقبلاً، ولكن بالتأكيد ستكون أبعد وأكثر جذرية من مجاهدي خلق.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق