للمرة الأولى في تاريخ مجلس الأمن يظهر التناقض من أحد أعضائه بالطريقة التي حدثت مع التصويت المصري على مشروعي القرارين الفرنسي والروسي.وهو الأمر الذي اعتبرته دول الخليج العربي، خاصة السعودية بمثابة الخذلان المصري للتحالف القائم معها، وعلى الرغم من أن تبليغ أرامكو للجانب المصري بتعذر مواصلة الإمدادات النفطية الشهرية أتى قبل التصويت المصري، إلا أن الموضوع جرى توظيفه ليظهر بوصفه رداً للفعل على الموقف المصري في مجلس الأمن، وتسارعت وتيرة التراشقات التي بدأت بين الإعلاميين من الطرفين لتتحول إلى حملات عفوية على مواقع التواصل الاجتماعي تنذر بالدخول في أزمة فعلية بين الخليج ومصر.
الخلافات حول الموضوعين اليمني والسوري ليست أمراً جديداً في الملف المصري بالنسبة لدول الخليج، وربما لا تستطيع دول الخليج أن تتفهم دوافع القاهرة بخصوص سوريا، وبما يتخطى أصلاً قدرة الرئاسة أو مجلس النواب المصري على التحرك تجاه مواقف موائمة للتوجهات الخليجية، فثمة جوانب عاطفية ومعنوية ترتبط بعقيدة الأمن القومي المصري، وبالإضافة إلى ذلك فإن النموذج السوري للدولة هو الأقرب للنموذج المصري، على الرغم من جميع أوجه التباين الشكلية، وإلى حد بعيد، تبقى حقيقة تخوف المصريين من التفكك في سوريا، وتفضيلها لقوة مركزية تستطيع أن تمسك بزمام الأمور في دمشق، مرتبطة بواقع استراتيجي في المنطقة يمكن أن يسهم في مزيد من التراجع لمكانة مصر القيادية التي تسعى القاهرة لاستعادتها، بغض النظر عن جميع الظروف غير المواتية على المستويين الاقتصادي والسياسي.
التصعيد في سوريا وأثره على المنطقة من شأنه أن يضيف للمصريين مصدراً جديداً للقلق، والتبرير المصري للتصويت على القرارين الفرنسي والروسي، على الرغم من تناقض المصالح بين الطرفين، أتى لتركيز مصر على المحتوى الذي اشتمل على التهدئة، الذي تعتبره مصر مبرراً كافياً من أجل الوقوف مع القرارات الأممية، فالقاهرة لم تكن معنية بالتفاصيل على الأرض والآثار الأخرى التي ستترتب على القرارات الأممية لأنها في المرحلة الحالية لا تمتلك القدرة على التأثير على مجريات الأحداث في سوريا، وهو ما يدركه الحلفاء في الخليج، ويعرفونه جيداً، ولكنهم يدركون إلى حد بعيد الأثر المعنوي الذي يمثله التصويت المصري في جانب مقترح القرار الروسي. مصر ستقف مع الطرف الذي يستطيع أن يقوم بالحسم على الأرض، فهو ما سيجنب القيادة المصرية الحرج مع الفعاليات الشعبية المصرية التي تتعاطف مع المأساة الإنسانية السورية، وترى مصر أن الطرف القوي هو الذي سيكفل التهدئة التي لا تعنيها نوعيتها أو شكلها وإن كانت مستعدة للتحرك بكل ما تمتلك من فائض قوة وعزيمة سياسية تجاه الحل الذي من شأنه أن يحافظ على قوام الدولة السورية بشكله التقليدي. لم تعتد الدول العربية، حتى في مرحلة عزلة مصر، بعد اتفاقية كامب ديفيد، على المواقف الاسترضائية من قبل القاهرة، فالانسحاب المصري من العمق الافريقي وهو المشكلة الاستراتيجية التي تتكبد مصر تكلفتها حالياً، لم يترافق مع سلوك مماثل على الساحة العربية، وفي أزمة الخليج 1990، وبغض النظر عن تقييم الموقف المصري في القمة العربية بالقاهرة آنذاك، إلا أنها تدلل على السلوك التقليدي لمصر على الساحة العربية وتمسكها بوقع صاحبة الرأي الفاصل والقول النهائي، وتبدت أعراض السلوك المصري الذي تأسس أصلاً حتى قبل مرحلة جمال عبد الناصر في إصرار القاهرة على الاحتفاظ بمقر الجامعة العربية ومنصب أمين عام الجامعة، واعتبارها أي حديث حول أن يكون الأمين العام من جنسية أخرى غير المصرية من باب اللغو أو التطاول. مصر لا ترى تناقضاً بين القرارين لأنها ببساطة تفترض وجودها خارج الصراع في سوريا وعليها، وإذا لم يكن من الممكن بالنسبة للمصريين رفض المقترح الفرنسي، فإنهم أيضاً لم يكونوا ليتحملوا التكلفة السياسية لدعم المقترح الروسي، فالمتقرحان من القراءة الأولية يبدوان متعلقين بالظروف الإنسانية، ولكنهما يخدمان في الوقت ذاته مصالح معينة على الأرض.
استعادة القاهرة لمحيطها العربي بوصفها قوة مؤثرة تستطيع أن تحدث التوازن مع تركيا وإيران مسألة مستبعدة حالياً، وذلك لا ينفي وجود طموح مصري لأداء أفضل في المنطقة، ولكن عملياً تبقى التحديات الاقتصادية القائمة تشكل عاملاً كبيراً للضغط على مصر، وبجانبها تتواصل الأزمة المكبوتة مع إثيوبيا والمرشحة للتفاعل على نطاق واسع في القارة الافريقية، والإثيوبيون يستطيعون لأسباب سياسية وأخرى شعبوية التأثير في افريقيا أكثر من المصريين الذين تعتبرهم شعوب وسط القارة قوة استعمارية سابقة عملت أثناء القرن التاسع عشر على فرض وجودها العسكري تجاه منابع النيل، بينما تعتبرها الدول في غرب وجنوب أفريقيا دولة عربية وأوسطية أكثر مما هي افريقية في حقيقة الأمر. لم يكن على القاهرة تحمل الظهور في مجلس الأمن في هذه المرحلة، فالدفعة المعنوية التي تأسست على أرضية التواجد في مجلس الأمن في المرحلة الراهنة تبددت أمام استحقاقات كبيرة دفعت بمصر لمواجهات في غير وقتها.
الدول الخليجية لا تستطيع حالياً، على الأقل، أن تتجاهل ضرورة مصر في المعادلة وأهميتها في الصورة، ولكن الأمور لن تعود لسابق عهدها، فالقاهرة تبقى حليفاً يحمل تعهدات تجاه أمن الخليج من التهديدات الإيرانية، بينما تجد القاهرة نفسها خارج الشأنين السوري واليمني، فلا أحد في مصر كلها يستطيع اتخاذ قرار بإرسال الجنود المصريين في حرب واسعة وراء الحدود باستثناء المخيلة الشعبية التي تستدعي مواجهة مع إثيوبيا، واليمن تحديداً تشكل للمصريين عقدة نفسية مقيمة منذ المرحلة الناصرية.
انتهاء فترة العلاقات الدافئة مع الخليج لا يعني أن تبدأ مرحلة من التصعيد تجاه القاهرة، فالمنطقة تعايش مرحلة من الإرهاق غير المسبوق، وحتى الافتراقات الكبرى التي حدثت بعد غزو الكويت، مع الاعتراف بآثارها الغائرة، كانت قابلة للاحتواء والإجراءات التجميلية واللمسات البروتوكولية.
القاهرة تبقى العاصمة المؤثرة بالنسبة للخليج العربي، والخليج العربي كانت قصته خلال عقود من الزمن تتمثل في الصراع مع الوصاية المصرية ومن ورائها الولاية الإيرانية، وأتت أزمة الربيع العربي لتحدث بالنسبة للخليجيين تحولاً جديداً بانتقال مراكز الثقل الدبلوماسية للعواصم الخليجية، في وسط التشاغل الذي عايشته القاهرة ودمشق كعاصمتين مركزيتين في المنطقة العربية، والمشكلة أن هذه النقلة أتبعتها هزة عميقة في أسواق النفط العالمية، الأمر الذي يهدد قدرة الخليج على توفير الزخم اللازم من أجل المناورة الدبلوماسية الضرورية، والوضع الراهن يجعل منطقة الخليج بحاجة للحلفاء، على الرغم من وجود تباينات كبيرة في وجهات النظر، ولكنهم في النهاية، يعتقدون بأن المصريين لن يقبلوا مهانة الاعتداء على الخليج من قبل الإيرانيين بأي شكل أو صورة، علماً بأن القاهرة، في المقابل، تستطيع أن تتواصل مع الإيرانيين في أي تحالف مستقبلي، ويمكن أن تكون أرضيته سوريا في حالة قدمت طهران الضمانات اللازمة بخصوص أمن الخليج، وفي البحر الأحمر أيضاً.
كاتب أردني
سامح المحاريق