«السلطان» يشن حربه الأخيرة

■ (تركيا تجد نفسها غارقة في كابوسها المتكرر المتمثل بالقضية الكردية) كان هذا عنوان صحيفة «حرييت» التركية أمس، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني الذي أوقعت الحرب معه نحو أربعين الف قتيل منذ منتصف الثمانينيات.
– حزب الشعب الجمهوري (القوة الثانية في البرلمان بعد العدالة والتنمية) يتهم الحكومة بأنها قدمت الدعم لتنظيم «الدولة» الذي تقول الآن أنه يشكل تهديدا للأمن القومي التركي.
– صلاح الدين دمرداش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي يتهم الحكومة بالتورط في تفجير مدينة سوروج الإرهابي، الذي أوقع عشرات القتلى، كجزء من الإعداد للانتخابات المقبلة.
– البيت الأبيض ينفي أي اتفاق بين أوباما واردوغان لإقامة منطقة حظر جوي، أو منطقة آمنة على الحدود التركية السورية، وهذه تحتاج إلى قرار من مجلس الأمن على أي حال، وإلا تصبح تدخلا أحاديا من دون غطاء شرعي.
– تقارير إخبارية تجمع على أن «حرب تركيا على الإرهاب» تعطي الأولوية لحزب العمال بفارق واسع عن تنظيم «الدولة» الذي لم يعلن، على غير العادة، مسؤوليته عن تفجير سوروج. ومن بين 1300 شخص أعلنت السلطات التركية الأربعاء عن توقيفهم منذ 20 تموز/يوليو، 847 شخصا اوقفوا للاشتباه بعلاقتهم بالمتمردين الاكراد و137 آخرين للاشتباه بارتباطهم بتنظيم «الدولة».
– الغارات التي تشنها تركيا ضد «الاكراد السنة» لا تتفق مع الجهود السعودية لإقامة محور سني في مواجهة إيران، خاصة بعد الإدانة المصرية القوية وتحذيرها من انتهاك وحدة الاراضي السورية، كما تنذر بتصعيد التوتر مع العراق الذي يعتبرها انتهاكا لسيادته.
– تبدو الانتخابات المبكرة حتمية مع فشل إقامة ائتلاف حكومي، ومن غير تحول استراتيجي يعيد «السهم الكردي» إلى اصحابه، ويستنفر المشاعر القومية التركية ضد الأكراد، من الصعب تصور حدوث «انقلاب» في النتائج السابقة لمصلحة حزب اردوغان.
– بالطبع فإن الحكومة التركية تنفي تقديم دعم للتنظيم، حتى بعد الحديث في صحف دولية عن وثائق تؤكد وجوده، وتنفي إشعال الحرب مع الاكراد لأسباب انتخابية، بل وتنفي ايضا ان واشنطن تعارض المنطقة الآمنة.
ويستطيع المراقب أن يواصل إلى ما لانهاية توصيف ملامح هذا المأزق التركي المركب، لكن يكفي التوقف عند النقاط التالية:
اولا- إن الحديث عن أن إقامة منطقة حظر جوي، اذا كان ممكنا اصلا، يسهل إطاحة نظام بشار، يحتاج إلى بعض التدقيق، إذ أن فرض الغرب لمنطقتي حظر في شمال العراق وجنوبه، في التسعينيات من القرن الماضي، فشل لسنوات طويلة في اسقاط حكم صدام، وما كان ليسقطه لولا حدوث الغزو البري الشامل في عام 2003. اما خطر اقامتها، الافتراضي دائما، فانه سيقوض التحالف الدولي لمكافحة الارهاب الذي لم تشمل اهدافه اسقاط انظمة، او اقتطاع الاف الكيلومترات من اراضي دولة، ووضعها تحت سلطة دولة اخرى، سواء كان ذلك لحل مشاكل اللاجئين، وهذه مأساة حقيقية تحتاج حلا دوليا، او تلبية اطماع او هواجس «عثمانية تاريخية»، ليس لها مكان في ارض الواقع.
ثانيا- إن شن اردوغان الحرب في هذا التوقيت على القوات الكردية التي تمثل رأس الحربة في محاربة تنظيم «الدولة»، وحققت مؤخرا تقدما باتجاه مدينة الرقة التي تعد «عاصمته» لا يمكن ترجمته إلا بأنه هرولة لانقاذ التنظيم الذي تتحدث انباء عن قرب انهياره في الرمادي، ومحاصرته في الفلوجة ايضا، ما يجعله في وضع لا يحسد عليه. ولن يغير هذه الحقيقة شن غارة هنا او هناك على أهداف له. وبكلمات أخرى فإن القول بأن تركيا انضمت إلى الحرب على التنظيم ينقصه الدليل والدقة، حيث أن الواقع هو أن الرئيس التركي قرر الهروب إلى الامام، باعتباره الاقل كلفة، عبر شن حربه الخاصة لانقاذ سلطته في الداخل واجندته في الخارج.
ثالثا- ليس من المصادفة أن يتزامن الهجوم التركي مع توقيع الاتفاق النووي الايراني، اذ يدرك اردوغان الذي اكتشف بشكل متزامن انه لن يستطيع أن يحقق حلمه الرئاسي السلطاني، ويحتفظ بسياسته الخارجية الحالية في ضوء نتيجة الانتخابات، أن طهران ستكثف دعمها لنظام بشار الاسد، وهو ما أقر ببقائه اخرون مؤخرا مثل وزير الخارجية البريطاني الذي قال (هدفنا تغيير في النظام وليس تغيير النظام). وبكلمات اخرى فان اردوغان قرر استخدام آخر «اوراقه الاخيرة» للخروج بحد أدنى من المكاسب والخسائر معا، في حرب أصبح جليا أنها عصية على أن يربحها أحد، بل خسرها بشكل او بآخر، وبالطبع كان الشعب السوري من دفع الثمن الاكثر فداحة ودموية. وتبقى الكلمة الاخيرة بالطبع للناخبين الاتراك في أن يصدروا حكمهم النهائي.
واخيرا فان تركيا تبدو في حاجة إلى سياسة أكثر رصانة، في هذه الأجواء الملتهبة، وإلا فإنها قد تدخل مجددا نفقا مظلما طالما عانت منه في الماضي.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية