تفّاحة الأوديسا
«تفّاحةٌ ذهبيّةٌ هذِي لأجملكنَّ»
من تفّاحة بدأتْ خطيئةُ آدمٍ.. بدأ الجحيمُ.. جحيمُنا الأرضِيُّ..
من تفّاحةٍ بدأت حروبُكَ أنت أودسْيوس..
***
الحربُ تبدأُ دائمًا فينا.. وليمةُ عرسِها نحنُ اليتامى.. اللاعِبِينَ اللاغِبِينَ بِهَا
وليسَ لنا حصانُك أو سَفينُكَ أنتَ.. نحنُ لنا لسانٌ لاعقٌ أو لاحسٌ..
ولنا من الكلماتِ يا نوحَ الأودِيسا
نعْمةُ الفوضى
إذنْ حسنًا نترجمُ إذْ نخونُ
كأنْ نقولَ الليلُ ترجمةُ النهارِ..
كأنْ نقول الحربُ ترجمةُ السلامِ..
كأنْ نقولَ الموتُ ترجمةُ الحياةِ..
كأنْ نكونَ هنا.. ونحنُ هناك
مدافن بيبلوس (مدينة جبيل)
لم أوثّق كتابَ البراءةِ، بيني وبين الطبيعةِ، لكنّ شيخَ المعرّة علّمني
أن أخفّفَ وطْئِي؛
لكيْ لا أدوسَ على كلماتِ القبيلةْ
***
هي من حجرٍ ونحاسٍ.. كهوفٌ هنالكَ منحوتةٌ، وعلى بابها حجرُ الأبديّةِ..
قبري بِها جرّةٌ؛ وعظامٌ مقرفِصةٌ.. خنجرٌ نَصْلهُ مُنحنٍ.. من نحاسٍ..
مساميرُ.. زَهريّةٌ.. وصفائحُ من ذهبٍ.. وتمائمُ مثلُ الجعارينِ..
فأسٌ.. خَواتمُ من فضّةٍ.. وقلائدُ من حجرِ الأمِتِيسِ..
لنا مدخلُ القبرِ بئرٌ معطّلةٌ، ودهاليزُ من حجرِ الجيرِ، أقواسها تتلاوَى
على بيْضةٍ هي رأسُ الملكْ
***
أنتَ تدركُ مِ البدءِ أنّ لنا أثرًا نحنُ نقتصُّهُ:
خيطُ سهمٍ يطيرُ الحياةُ، مِلاحةُ يومٍ..
ومَجْرَى هواءٍ يشقُّ الترابَ الذي يملأ البئرَ، والصخرَ..
مَجْرَى سياحةِ أرواحنا
وَسْط قوسِ الفلَكْ
***
خَفِّفِ الوطء أوْ لا تخفّفْ
ولكنْ تذكّر إلى أن تضيعَ وتنْسى
وتعقّلْ إلى أن تُجَنْ
شيء من سينوهي
أنا لستُ «سينوهي»..
فلا قوسٌ.. ولا سيفٌ.. ولِي من رحلتي هربًا
على الأقدامِ حتّى بيبَلُوسَ..
صريرُ حشرجةٍ.. بطعمِ الموتِ..
إلاّ أنّ بوْصَلتي أنا نجمٌ فِنِيقيٌّ..
ومصباحٌ من الفخّارِ.. أزرقُ.. لاصفٌ..
وسبيلُنا بحرٌ
ولكنْ قصدُنا ترشيش..
***
لمحوا زوْرقًا يترنّحُ في تلّةِ الحشفاتِ..
هنالكَ في الأبيضِ المتوسّطِ..
تلك يدِي
من بعيدٍ تلوّحُ دَرْداءَ فاغرةً
جسدي أم فتاتٌ من العظمِ ذا؟
كان يبسطُ للعابرينَ ذراعيْن أمْ ذِي
أظافرُ معقوفةٌ كالمسامير
في قعْرِ راحتهِ؟
ذات شتاء شاميّ
القصيدة مثلُ الكتابةْ بيتيّةٌ..
الثلوجُ التي تتمسّح لائذةً بالنوافذِ
ريشُ طفولتنا..
كُرةٌ هذه الأرضُ.. بيضاءُ..
كلَّ شتاءٍ أنا أتهجّى كتابَ ألِفْبائِهِا..
في طُروسِ يَدَيْ قَدَمُوس..
تعاليم فينيقيّة
كان لابدّ من مرفأٍ في الجنوب
مرفأ في الشمال
هكذا حكمةُ الريحِ.. حكمةُ فينِيقيا وتعاليمُها
كان لابدّ لي
من سلاليمِ لبنانَ موصولةً.. ومَوانِئها
***
ـ إلى أين يمضي بِيَ البحرُ؟
قال: إليكَ
معا سندورُ.. ندورُ.. ونمسكُ أذيالنَا.. كالكلابِ..
نعضّ عليها..
***
أرِقَ البيتُ.. لا نأْمَةٌ.. غيرُ عينيْنِ تشتعلان مُغمّضتيّنِ..
تدورانِ بي..
نجمةٌ تتدلّى على غابةٍ..
وستائرُ خضراءُ من مطرٍ يملأ الليلَ..
قلتُ رمادُ احتضاريَ.. والجسمُ ينضحُ بالماءِ..
والموتُ يحتاجُ من يومِ كان إلينَا
كما نحن نحتاجُ من يومِ كنّا إليهِ
وأعرفُ أنّي ورائيَ خلّفتُ أرضَ الشآمِ..
وخلّفتُ شمسَ الجنوبِ..
وهَا هيَ وسْطَ الضبابِ الشماليِّ نحوي أنا تتقدّمُ
خضراءَ.. زرقاءَ.. بيضاءَ.. سوداءَ.. سامقةً..
بموانئها وسلاليمها
الجنوبُ الشماليُّ.. هذا الشمالُ الجنوبيُّ..
حيثُ صفيرُ القطاراتِ ليلًا يحاكي
نباحً الكلابِ هنالِكَ.. في كلّ أرضِ الشآمْ
هنالك في أردوس (أرواد)
باكرًا كان يأتي الربيع
باكرًا كان..
والأرضُ تنضجُ في شهر مايَ ودائعَها
هكذا يولدونَ معا مثلها
كائنا واحدا.. هكذا دفعة واحدةْ
كالجذور إذنْ
وَهُمُ النهْجُ والقاعدةْ
يولدونَ على هضبةٍ.. سمّها الآن فينيقِيا
يخرجُ المتوسّطُ من شقّها.. من مَشِيمَتِها
حيثُ أبعدَ يستيقظُ الأفْقُ
مثلَ غبارٍ من الأبديّةِ.. أحمرَ..
حيث لنا برْزَخٌ بينَ عذبٍ فُراتٍ وملْحٍ أُجاجٍ..
هنالكَ في أردُوسَ..
سنعبرُ منهُ إلينا.. الينابيعُ تلك.. نواقيسُها
ما تزالُ تدقّ لنا..
***
لتكنْ أوّلُ الخُطُواتِ
على وقْعِ أوّل خُطْواتِهمْ حُرّةً..
تقطعُ البحرَ أو تقرَعُ اليابسهْ
منصف الوهايبي