السوق المصرية سريعة الاستجابة لرفع الأسعار وانعدام الرقابة الحكومية على الأسواق

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم ازدحام صفحات الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 3 يوليو/تموز بالمقالات والتحقيقات والحكايات عن ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران والثالث من يوليو/تموز، التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين، وبالأزمة مع قطر، إلا أن الاهتمام الأول للجميع كان رفع أسعار الوقود والبوتاجاز، وما تسبب فيه من موجة غلاء جديدة في أسعار السلع المرتفعة أصلا، وحساب مدى تأثير الزيادات على دخل المواطن الغني والبسيط والفقير معا، وهل كان ممكنا أن تؤجل الحكومة هذه الزيادة أو تبحث عن حلول أخرى؟ أم أنها ضرورية لإنقاذ اقتصاد البلاد من الكوارث التي يعاني منها، قبل أن تزداد ويصعب إيجاد حلول لها؟ وهل سيؤدي الغضب الشعبي إلى تحرك جماهيري ضد النظام؟ أم أن الشعب سوف يتقبلها لاقتناعه بأنها ضرورية والصبر عاما أو عامين إلى أن تستقر الأوضاع؟
ومن الأخبار اللافتة الأخرى استمرار المعارك بين الركاب وأصحاب سيارات الميكروباصات، واقتراحات للحكومة بالتقشف بدلا من زيادات الأسعار. والمطالبة بتشكيل لجنة لمناقشة ما حققه السيسي في فترة رئاسته الأولى قبل دخوله الانتخابات المقبلة. ومطالبة أخرى بمحاسبة الفنانين عمرو واكد وأحمد مالك وخالد أبو النجا لإهانتهم الجيش. وإلى التفاصيل:

رفع أسعار الوقود

ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على قرار الحكومة رفع أسعار الوقود وأولها سيكون لعباس الطرابيلي، الذي تحسر في عموده اليومي «لكل المصريين» في «المصري اليوم» على عهد عبد الناصر الذي رفض شروط البنك الدولي برفع الأسعار، كما حذر من رد فعل الشعب ومما قاله: «لا نعرف بالضبط الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي من أجل مساهمته في برنامج الإصلاح الاقتصادي، وإذا كانت الحكومة تخبئ عنا المزيد من هذه الشروط فليس أقل من أن نعرف: ماذا بعد كل ما حدث؟ نقول ذلك لأن تجارب غيرنا من الشعوب مع هذا الصندوق شديدة الألم، ولذلك ترفضها الشعوب القوية- كما كنا أيام عبدالناصر- لأن الصندوق- في كل ما يقدم من نصائح هي بالفعل شديدة القسوة- يؤكد لنا أنه لا قلب له، بل يطبق قواعد جامدة أو قوالب صماء بعيدة تماماً عن «الإنسانية»، وقواعده هذه قد تصلح لشعوب وغالباً لا تصلح لكل الشعوب، حتى سمعنا- أيام عبدالناصر- تموت الحرة ولا تأكل بالصندوق، يقصدون بثدييها. ولكننا للأسف وصلنا إلى نقطة لا نستطيع فيها أن نرفض أي شروط لهذا الصندوق، أو نتشدد من أجل تخفيف قواعده التي هي سليمة اقتصادياً، ولكنها شديدة القسوة اجتماعياً، تماماً كما في حالتنا الحالية. أنا نفسى أعتقد أن السهل هو ما تم وأن الصعب مقبل، أو مازال في علم الحكومة وعلم الصندوق، بل هو الأصعب، ولكن الحكومة تخاف وبعيداً عن أن ما يجري هو حقيقة في مصلحة الشعب، ولكن في المستقبل هل تدري الحكومة حجم غليان الناس الآن؟ أم تدري ولكنها تخشى مخالفة شروط الصندوق؟ ولكن السبب الأساسى هو أننا شعب لم نعد ننتج، أي لم نعد نصنع ونزرع وتحولنا- فقط- إلى شعب من المستهلكين».

المزيد من العجز

ونتحول إلى «الوفد» أيضا لنكون مع رئيس تحريرها السابق مجدي سرحان في عموده «لله وللوطن» وكان عنوانه «ليس بالبنزين يتحقق الإصلاح» قال فيه: «دعونا نتوقف أمام ما جاء في بيان مجلس الوزراء حول مبررات رفع أسعار الوقود، خاصة تأكيده على أن «ارتفاع فاتورة الدعم يظل أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة، وتقوض جهودها في تحقيق التنمية وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، كما يعرقل جهود خفض عجز الموازنة العامة للدولة، خاصة إذا كان هذا الدعم لا يتم توجيهه بكفاءة عالية إلى مستحقيه». وإنصافا للحق فإننا نتفق من الناحية النظرية مع القول بضرورة توجيه الدعم إلى مستحقيه الفعليين، وإذا كان التساؤل المعتاد كلما جاء ذكر إلغاء أي نوع من أنواع الدعم هو أين ستذهب قيمة هذا الدعم الملغى؟ وما الذي يضمن إعادة توجيهه إلى المستحقين الفعليين؟ إلا أن الحكومة في هذه المرة استبقت قرار خفض دعم المحروقات بحزمة قرارات أخرى «قرارات الدعم الاجتماعي» بتكلفة نحو 45 مليار جنيه، وهي تقريبا تزيد قليلا على المتوفر من قرار زيادة أسعار المحروقات، لكننا نرى أن ذلك قد يكون مفيدا لو أن تمويل هذه «الحزمة الإصلاحية» يتم من مصدر آخر غير خفض دعم البنزين والسولار والغاز، لأن هذه السلع ينعكس أي تغير في أسعارها على كل شيء، في ظل الطبيعة الخاصة للسوق المصري سريع الاستجابة لرفع الأسعار، وبنسب غير منطقية لا توازي نسبة الزيادة في أسعار هذه السلع، بينما لا توجد رقابة حكومية حقيقية على الأسواق. أضف إلى ما سبق، قائمة أضرار اقتصادية أخرى ربما يتمثل أهمها في اضطرار المواطنين إلى سحب مدخراتهم من البنوك، إما لاستخدامها في مواجهة أعباء المعيشة، أو لتحويلها إلى الدولار والذهب حفاظًا على قيمتها من التآكل، بما يعني عودة ظاهرة «الدولرة». وفي هذه الحالة ربما تضطر الدولة إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى ضمانا لعدم هروب المدخرين، ولأن الحكومة هي أكبر مقترض من البنوك ومن المستثمرين الأجانب أيضا، في صورة سندات وأذونات خزانة، فإن رفعها للفائدة يعني أنها ستدفع ما يزيد كثيرًا عما ستوفره من رفع أسعار المحروقات، والمحصلة النهائية هى المزيد من العجز في الموازنة العامة. ماذا يعني كل ذلك؟ يعني أننا لا نسير على الطريق الصحيح وأن ما نريد به خفض عجز الموازنة هو في حقيقته ما سيؤدي إلى المزيد من هذا العجز».

فواتير متأخرة

وهذا ما أيده فيه أمس الاثنين الرسام عمرو سليم في «المصري اليوم» الذي أخبرنا أنه شاهد مواطنا بائسا ممزق الثياب وجيوبه خاوية لم يجد من يحنو عليه من سبعة آلاف عام وهو ينظر بدهشة إلى كومة كبيرة من الأوراق عبارة عن فواتير متأخرة منذ أربعين سنة.

«‬بنديرة» الرشوة و«‬عداد» الهدايا

أما في «الأخبار» فكتب عصام السباعي في بروازه «بوكس» عن الموضوع نفسه قائلا: «لو استمرت أسعار السلع في الارتفاع بذلك الشكل «الغبي»،‬ ولو استمر التدني في القيمة الحقيقية للمرتبات وارتفاع الركود التضخمي بذلك الشكل «‬الغبي» انتظروا ارتفاعا «‬أغبي» في «‬بنديرة» الرشوة و«‬عداد» الهدايا وكان الله في عون رجال هيئة الرقابة الإدارية».

مقترحات

أما زميلته الناقدة الفنية عبلة الرويني فقدمت في عمودها اليومي «نهار» في الصفحة الخامسة عدة اقتراحات للحكومة منها: «ليست فقط زيادة الأسعار وحالة الغلاء الجنوني التي تعصف بالجميع، لكن أيضا تفاوت مستوى الأجور وغياب العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد وتبديد المال العام والإسراف الحكومي الباهظ، بما لا يتناسب مع دولة فقيرة. اقتراحات عديدة شغلت الكثيرين لمواجهة عجز الموازنة والبحث عن بعض العدل الغائب لدى حكومة الأغنياء، تخفيض رواتب ومكافآت الوزراء والمسؤولين وكبار الموظفين (المبالغ فيها) وتخفيض مواكب السيارات وأطقم الحراسة المصاحبة للمسؤولين، إلا للضرورة، تخفيض عدد المستشارين في الجهاز الإداري في الدولة، خفض 10٪من مكافآت أعضاء مجلس النواب وبدل حضور الجلسات وبدلات السفر».

التاجر طبيعة عمله الربح والخسارة

ومن المقالات والتعليقات إلى التحقيقات التي أبرزت آراء تجار ورجال أعمال، فقد نشرت صحيفة «الأهرام» أمس الاثنين حديثا مع أحمد الوكيل رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية أجراه معه زميلنا عبد الرؤوف خليفة كان أبرز ما جاء فيه قوله: «ما تفعله الحكومة يتجه صوب مناطق لا تحقق النتائج المرجوة، وما يدلل على ذلك ـ الدعم العيني، وهذا فيه اعتراف بعدم احترام لسياسات السوق القائمة على أساس العرض والطلب. الأزمة الحقيقية ليست في إيجاد ميثاق شرف، فالتاجر بحكم الطبيعة وموروثه الثقافي يحترم كلمته عندما تخرج منه، لأنها أمانة وهي أصل المعاملات التجارية، وعلينا اليقين قبل السعي بوجود ميثاق شرف لا بد من تنقية التشريعات وإعادة صياغتها وضبطها، وإذا استطعنا إيجاد قوانين ضامنة سوف يجد ميثاق الشرف طريقه إلى السوق. التاجر طبيعة عمله الربح والخسارة، ولابد أن يضبط تجارته وهذا واقع لا يعيبه، لذلك يتعين علينا التحلي بثقافة البيع والشراء والتعامل مع الواقع من هذا المنطلق، وليس من المنطقي النظر إلى التجار من منظور أنهم يبيعون السلعة بأغلى من ثمنها الحقيقي، ليس بمقدوره إنتهاج ذلك المسلك، هناك من يعتقد أن بإمكان التاجر التحكم في السوق وتحديد سعر السلعة، وهذا اعتقاد خاطئ ولا يمكن القبول به، الحقيقة في ما يحدث أن المناخ السائد لا ينعم باستقرار في السوق، وتلك هي الأزمة الحقيقية التي تواجه الجميع، إلقاء الاتهامات على التاجر جزافا، لن يحقق ضبطا للأسعار وإنما يصب في اتجاه الحياد عن حقيقة الواقع المعيش الذي يجب استيعاب متغيراته. كل ما يتم اتخاذه من إجراءات بعيدا عن زيادة الإنتاج لن يؤدي إلى خفض الأسعار، وإذا استطعنا توفير السلع بكميات كبيرة فإننا نكون قد وضعنا أقدامنا على أعتاب الطريق الحقيقي، هناك سياسات متبعة أثبتت السنوات الطويلة عدم جدواها، ورغم ذلك نتمسك للعمل بها واللجوء إليها، أسدينا النصح للحكومة لتغيير السياسات ولكن الأمر تحكمه قوالب جامدة تجعلني لا أرى أملا للخروج منه».

خطوة في الاتجاه الصحيح

وإذا تركنا «الأهرام» وتوجهنا إلى «البوابة» سنجد تحقيقا لزميلنا مصطفى مراد جاء فيه: «قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن رفع الدعم عن المحروقات خطوة شجاعة تحسب لمتخذ القرار، وهي بالتأكيد في الاتجاه الصحيح اقتصاديًا، ليس فقط لخفض عجز الموازنة، وإنما لأن بيع السلعة بأقل من قيمتها يؤدي إلى الإفراط والإسراف في استخدامها، ومن ثم إهدار موارد الدولة المحدودة، ويجب إحكام حسابات الدعم النقدي المشروط عن طريق تحديد مستحقي الدعم المشروط بربط الرقم القومي بفاتورة المحمول واستهلاك الكهرباء ومحل السكن والوظيفة، يجب أن يصحب ذلك اتخاذ موقف تشريعي وتنفيذي حاسم لتقويم مؤسسة «أم الفساد» والخاصة بالتهرب الضريبي الفاحش. ويرى عز الدين حسانين الخبير الاقتصادي والمصرفي، أن تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي بهذه الجرأة منذ قرار التعويم في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 وحتى الآن يعطي صورة إيجابية عن مصر للعديد من دول العالم الكبرى بأن عدم الاستقرار السياسي أمر مستبعد تماما».

أنين الناس

نترك الأهرام ونتجه إلى «الشروق» وقال رئيس تحريرها عماد الدين حسين: «ما هو مغزى إعلان الحكومة لقرارات رفع أسعار الوقود وبنسبة عالية قبل ساعات من حلول الذكرى الرابعة لثورة 30 يونيو/ حزيران 2013؟ هذا سؤال مهم للغاية، لأن المنطق السهل والبسيط هو تأجيل القرار، حتى لو ليوم واحد بعد انتهاء الذكرى. من المنطقي أن يكون هناك العديد من المستشارين والمسؤولين قد اقترحوا على رئيس الجمهورية أن يؤجل إعلان قرار الزيادة حتى تمر ذكرى 30 يونيو، التي دعت صفحات وقوى إخوانية إلى التظاهر يومها، ثم حاولت استغلال قرار رفع أسعار الوقود لتأييد التظاهر، لكننا لم نر شيئا على أرض الواقع.
من المنطقي أيضا، بل من المعروف أن أصواتا كثيرة اقترحت تأجيل هذه الزيادات ليس فقط إلى ما بعد 30 يونيو، ولكن إلى ما بعد عيد الأضحى، الذي يفترض أن يحل في أوائل شهر سبتمبر/أيلول المقبل. قبل ذلك اقترح أحد أعضاء مجلس النواب على الرئيس السيسي إلغاء زيادة الأسعار من الأساس، بسبب المشكلة الاقتصادية الناتجة عن تعويم الجنيه، ويومها قال له الرئيس عبارته المشهورة «من أنت»؟ السؤال مرة أخرى: إذا كانت تلك هي المطالبات، فما الذي يدعو الحكومة إلى اتخاذ القرار قبل لحظات من ذكرى 30 يونيو، التي كان محتملا أن تشهد تظاهرات واحتجاجات؟ الإجابة المبدئية أنه لا يمكن تصور اتخاذ هذا القرار في التوقيت نفسه إلا إذا كانت الحكومة، بل وكل أجهزتها أو معظمها وبمشاركة كل صناع القرار واثقين تريليون في المئة من أنه لا توجد أي مخاطر أو مخاوف آنية من أي نوع، إذا تم اتخاذ هذا القرار المهم.
يضاعف من أهمية التوقيت أن قرار الزيادة لم يكن هينا أو هامشيا، بل كانت الزيادة كبيرة وربما غير متوقعة. كانت التوقعات تتحدث عن زيادات تتراوح بين 15٪ و25٪ لكنها وصلت إلى 62٪ في بعض المواد البترولية وبمتوسط زيادة بلغ 55٪ لكل الأصناف مجتمعة. يمكن طرح السؤال بصيغة أخرى هي: ألم يكن من الخطورة اتخاذ القرار بعد أيام فقط من التصديق على اتفاق تسليم جزيرت تيران وصنافير المصريتين للسعودية؟
أي حسابات بسيطة كانت تحتم تأجيل اتخاذ مثل هذا القرار في هذه الأجواء والظروف والتوقيت، وبالتالي، حينما يتم اتخاذ القرار، فالمؤكد أن صانع القرار كانت أمامه كل ذلك، وعلى الرغم من ذلك اتخذ القرار، وبالتالي يحق لنا الاستنتاج أن الحكومة وأجهزتها صارت واثقة تماما من عدم وجود أي تهديدات أمنية أو اجتماعية في الوقت الراهن. في هذه الحالة يحق لنا أن نسأل: إذا كانت هناك أزمة اقتصادية صعبة جدا وارتفاع في معظم أسعار السلع الرئيسية، خصوصا بعد تعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود وضريبة القيمة المضافة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فما الذي يجعل الحكومة شديدة الثقة لهذه الدرجة، بحيث تقوم برفع أسعار الوقود للمرة الثانية في أقل من سبعة شهور وبنسبة كبيرة؟ لو كنت مكان الحكومة لقلت إن السبب هو تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وإن الأوضاع لا تحتمل أن نستمر بالطريقة القديمة، وإلا تعرضت البلد للإفلاس وتفاقمت الأزمة أكثر فأكثر، وإنه لا يوجد بديل لما تم اتخاذه.
كل ما سبق هو التفسير الاقتصادي، لكن نحن هنا نبحث عن التفسير الأمني والسياسي والاجتماعي. والإجابة مرة أخرى هي أن الحكومة صارت واثقة بأكثر مما ينبغي بأنه على الرغم من هذه الخطوة الصعبة، فإن المواطنين لن يتحركوا، لأنهم في فترة أعياد أعقبت شهر رمضان، ثم إنهم منهكون ومتعبون و«طالع عينيهم»، وبالتالي فلا خوف من أي حراك احتجاجي. حتى لو كان هذا المنطق سليما، وحتى لو فكرت الحكومة بهذا الشكل، فظني أن عليها أن تكون أكثر حذرا، لأن أنين الناس صار مسموعا، «لدرجة أن بعض الناس صارت تكلم نفسها في الشوارع».

حكايات وروايات

وتخفيفا من حدة النكد بسبب ارتفاعات الأسعار نتجه إلى الحكايات والروايات التي قدمها لنا سعيد الشحات مدير تحرير «اليوم السابع» في بابه «ذات يوم» عن معركة طريفة قديمة حدثت في الثاني من شهر يوليو/تموز سنة 1926 أي منذ واحد وتسعين عاما مضت ونقلها عن كتاب للكاتب المرحوم جمال بدوي واختار لها عنوانا هو «هيئة كبار الأطباء تنحاز للقبعة وتعلن لبس الطربوش غير صحي» ومما أورده: «تقدمت «الرابطة الشرقية» برئاسة عبدالحميد البكرى نقيب الأشراف إلى «جمعية الأطباء» بمجموعة أسئلة واستيضاحات حول: «أيهما يعد لباسًا صحيًا القبعة أم الطربوش»؟ كان السؤال انعكاسًا لمعركة ساخنة شهدتها مصر عامى 1925 و1926 ودارت بين ثلاثة أطراف: الطربوش والقبعة والعمامة، ويرصد وقائعها جمال بدوي في كتابه «المصور شاهد عيان على الحياة المصرية» عن «دار الهلال- القاهرة» مشيرًا إلى أنها «تحولت إلى حرب ضروس بين أنصار كل طرف، وبدأت من كلية دار العلوم حيث ظهرت الدعوى إلى التخلي عن الزي الأزهري المكون من الجبة والقفطان والعمامة، وارتداء البدلة والطربوش كغطاء للرأس، ثم دخلت القبعة إلى الحلبة لتطيح بالطربوش عن عرشه الذي تربع عليه عدة قرون، باعتباره رمزًا للسيادة التركية، التي تخلصت منها مصر بعد سقوط الخلافة العثمانية في عام 1924 وانتصار الثورة الكمالية»، وهي الثورة التي قادها مصطفى كمال أتاتورك، الذي تشدد في إزالة كل معالم العثمانية، وفرض على الأتراك لبس القبعة والملابس الأوروبية.
ويؤكد بدوي أن ما حدث في تركيا سرت عدواه إلى مصر، استنادًا إلى أن البلد الذي نبع منه الطربوش خلعه فلماذا نتمسك به في مصر؟ كما أن الطربوش يرمز إلى العنجهية التركية التي أذاقت المصريين الوبال، ولكن أنصار الطربوش رفضوا هذا التبرير وحجتهم في ذلك أنه اكتسب من طول استعماله صفة المواطنة، وصار رمزًا للقومية المصرية والانتماء الوطني في مهاجمة الهجمة الأوروبية الاستعمارية، وأن التخلي عنه سيؤدي إلى الذوبان في موجة التغريب التي اتسع مداها في ذلك الوقت، وكان رمزها القبعة أو البرنيطة، كما كانت تسمى حينئذ.
يذكر بدوي أن كبار الكتاب والأدباء والصحافيين دخلوا هذه المعركة، فكتب فكري أباظة على صفحات «المصور» بعنوان «الحرب الطاحنة» محذرًا: «إن لهيب هذه الحرب سيمتد إلى الأرياف وقراها في القريب العاجل، وستصل العدوى من دار العلوم إلى القضاء الشرعي فالأزهر، فالجامع الأحمدي فالمعهد الدسوقي، فمعهد الزقازيق ثم تصل إلى مدارس المعلمين والمكاتب الأولية، ولا نعلم من سيكتب النصر»أللطربوش أم للعمة؟ وأضاف: «الزي ما كان في وقت من الأوقات أصلًا من أصول الشرائع ،وإنما هو مظهر من مظاهر الذوق، فتغييره لا علاقة له بالشرع» وتساءل: هل يقبل الأساتذة الثائرون من طلبة دار العلوم أن يصبحوا في العهد القريب «خواجات» ومع ذلك يحفظون أحاديث البخاري ويقرأون في كتاب الزمخشري والقلقشندي؟ وبعد أن كانت المعركة بين «العمة» و«الطربوش» دخلت القبعة طرفًا ثالثًا، وفقًا لبدوي حيث قامت مجلة «الهلال» باستطلاع رأى اثنين من كبار الكتاب، أحدهما يدافع عن الطربوش وهو الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والثاني يناضل من أجل القبعة وهو الدكتور محمود عزمي، وفي دفاعه عن «الطربوش» قال الرافعى: «القبعة على رأس المصري في مصر تهتك أخلاقي والطربوش لم يضق، وإنما ضاقت العقول أو ضاقت الأخلاق وهذه الأمة منكوبة بالتقليد والمقلدين». أما الدكتور محمود عزمي فأعلن أنه يحدد لنفسه اليوم الأول من شهر يوليو/تموز سنة 1925 ليلبس القبعة. ويؤكد عزمي أنه منذ يوم العشرين من شهر يونيو/حزيران أعلن كل من قابله من الإخوان والأصدقاء أني مغير لباس الرأس. تواصلت المناقشات من صيف عام 1925 حتى عام 1926 ووفقًا لتأكيد بدوي: «اتسع نطاقها وزادت سخونتها بفتوى لشيخ الأزهر والمفتي بتحريم لبس القبعة» مضيفًا: «استندت الدولة إلى هذه الفتوى في حظر وضع القبعة على رؤوس الطلاب. كما أنها أصبحت أيضًا عنصرًا من عناصر الصراع بين مرشحي حزب الحكومة «الاتحاد» والأحزاب الثلاثة المؤتلفة «الوفد والأحرار والوطني» في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في مايو/أيار 1926 فمرشحو «الاتحاد» أخذوا يفخرون بأن حكومتهم حين منعت المصريين من لبس القبعة إنما منعت أكبر ضرر كان ممكنًا أن يحيط بمصر وبنيها، في حين ردت جريدة «السياسة الأسبوعية» ساخرة من هؤلاء الذين يعتبرون لبس القبعة «هادمًا لأصول الشريعة الحنيفية».

معارك وردود

وإلى المعارك والردود السياسية التي بدأها يوم الأحد في صفحة الاقتصاد في «المصري اليوم» الخبير أحمد جلال بقوله: «الآن وقد قطعنا شوطا معقولا نحو بناء مؤسسات الدولة ومع استتباب الأمن بدرجة عالية، أظن أن الوقت قد حان للبدء في الإعداد للدفع بحكومات لها مرجعية فكرية واضحة، يحاسبها المواطنون على أدائها. في الوقت نفسه أعتقد أن السلطة التنفيذية في حاجة الآن وليس غدا إلى مؤسسة تساعدها بشكل علمي ومنظم على تمحيص البدائل المختلفة، واقتراح أفضلها لهذا الوطن، هذه الاقتراحات ليست من اختراعي، بل هي ما تفعله الدول الديمقراطية، بغض النظر عما إذا كان نظامها السياسي برلمانيا أو رئاسيا أو مختلطا. قد تختلف التركيبة المؤسسية من دولة لأخرى، لكن هناك دوما توجها فكريا واضحا لمن يحكم ومركزا للتفكير يخدم هذا التوجه في نهاية المطاف، الناخب هو سيد الموقف يأتي للحكم بمن يشاء. خلاصة القول: أعتقد أن عصر حكومات «التكنوقراط» في مصر قد قارب على الزوال، أو هكذا يجب أن يكون، قد يأخذ تفعيل هذا التحول في إدارة البلاد بعضا من الوقت حتى تنضج الأحزاب السياسية، لكن أن نصل متأخرين خير من ألا نصل على الإطلاق هذه الرحلة ليست مسؤولية الحكومة وحدها ولكنها مسؤوليتنا جميعا كمواطنين في بلد نحبه».

ممثلون يهاجمون الجيش

والمعركة الثانية ستكون من نصيب أشرف محمود في «الأهرام» وكانت بعنوان «العقاب الرادع» طالب فيها بمعاقبة بعض الفنانين الذين يهاجمون الجيش ومما قاله عنهم: «تجرأ ممثل مبتدئ على ارتكاب فعل لا أخلاقي مع جنود الشرطة في ميدان التحرير، وللأسف وجد هذا الممثل من يدافع عنه، ولا ندري هل الممثلون فوق القانون؟ ولماذا لم نسمع عن مساءلة كل من عمرو واكد وخالد أبو النجا وأحمد مالك وغيرهم من الممثلين والممثلات؟ فهناك فارق كبير بين أن تكون معارضا وأن تكون محرضا أو ـ على الأقل ـ متهكما من مؤسسة الشعب العسكرية. إن الأمر جد خطير ولا يعقل أن تصمت الدولة ويغط القانون في نوم عميق إزاء هؤلاء الذين يفتقدون التربية، ولم يجدوا من يعرفهم الدور الوطني الذي قام به الجيش ودونه تاريخ الوطن بحروف من نور، فما تحمله الجيش المصري في السنوات السبع الأخيرة وحتى الآن يفوق ما تحمله في كل الحروب التي خاضها في القرن العشرين، إذ يكفي أنه في حروبه السابقة كان يواجه عدوا معروفا، وكان الشعب يقف خلفه. اما ما جرى في السنوات الأخيرة فكانت حروبا على جبهات متعددة داخلية وخارجية، ومن كل نوع بدءا من الفساد وحروب الجيل الرابع وصولا للجماعات المسلحة والإرهاب».

صكوك الوطنية

وفي «اليوم السابع» هاجم محمد الدسوقي رشدي في بابه «عموما» الذين يهاجمون بعض مؤيدي النظام ويتهمونهم بالنفاق وقال: «الناشطون أنفسهم الذين يرفضون توزيع عزمي مجاهد وسعيد حساسين لصكوك الوطنية، هم أنفسهم يفترشون أرض الميادين وصفحات «الفيسبوك» لتوزيع صكوك الشرف والثورية، وتصل بهم البجاحة والإفك والفُجر لوصف الجيش المصري بالخيانة، بينما يعلم التاريخ أن نقطة عرق أصغر جندي في الجيش المصري أشرف من أشرفهم. والناشطون أنفسهم الذين يرفضون غضب رجل الشارع العادي من تبجح باسم يوسف ووصفه للجيش المصري بالميليشيات، هم الناشطون أنفسهم الذين يغضبون حينما يتهمهم إعلامي ما أو نائب ما بأنهم عصابة تمويل أجنبي، تلك هي آفة من يتصدرون المشهد الآن تحت شعار تقويم السلطة، فكيف يقتنع الناس بأن تيارًا معوجًا وغير منظم قادر على خدمة الوطن إذا كان هو نفسه يعاني من ميل أخلاقي ومنهجي وفكري يصل في بعض الأحيان إلى الخيانة والمرض. مرض يعمي بعضهم عن رؤية الفرق الطفيف بين الخصومة مع سلطة سياسية والخصومة مع الوطن ذاته. مرض يدفع قلوبهم لأن تشتبك بقلة أدب مع جيشهم عندًا في إدارة سياسية، بغض النظر عن النتائج. كيف لرجل الشارع العادي أن يأتمن مراهقًا على مستقبل وطنه السياسي؟ كيف يمكن لرجل الشارع العادي أن يثق في تيار سياسي يجتهد لاستخراج نكتة أو إفيه لإهانة خصمه، أكثر من اجتهاده في دراسة حالة أو تقديم بحث أو رؤية، يحرج به خصمه السياسي، ويكشف عدم قدرته على الوفاء بمستلزمات الوطن والشعب؟ يهوى الكثيرون حصر وتعداد أخطاء السلطة والقريبين منها، وشرحها وعرضها في بيانات وعناوين براقة طمعًا في لايكات «الفيسبوك» أو رسائل تخبرهم بأنهم الجدعان والمناضلون، ويخشى الكثيرون من حصر وتعداد أخطاء الناشطين والمعارضة وشرحها للناس خوفًا من أن يتم اتهامهم بنفاق السلطة، بينما واحدة من أبرز حقائق سنوات ما بعد 25 يناير/كانون الثاني أن نفاق الرأي العام ونفاق فئة الناشطين وموالسة التيارات التي منحت نفسها ألقابًا ثورية لبعضها كان أخطر بكثير عن المسار الديمقراطي والمؤسسي في مصر من نفاق السلطة».

لجنة للبحث والدراسة

أما آخر المعارك التي سننهي بها تقرير اليوم فستكون من نصيب عمرو هاشم ربيع ومقاله الأسبوعي في «المصري اليوم» بعنوان «لجنة للبحث والدراسة» قال فيه: «بعد عدة أسابيع من الآن نكون على أبواب انتخابات الرئاسة، ربما يقوم الرئيس عبدالفتاح السيسي بترشيح نفسه لمدة رئاسة ثانية، الأفضل لنا جميعا أن نعد لجنة أو مجموعة لجان متعددة الاهتمامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدراسة ما تم وما لم يتم إنجازه من برنامج الرئيس الرئاسي السابق، وأن تقترح تلك اللجنة حلولاً لما لم يتم إنجازه. الرئيس السيسي لم يطرح برنامجًا مكتوبًا في انتخابات 2014 لكن من خلال مراجعة أحاديثه التلفزيونية والصحافية سنرصد بالتأكيد عشرات الوعود التي وعد بها الرئيس ناخبيه، مهمة اللجنة المراد تأسيسها هي إنصاف الرئيس حتى لا يختلط الحابل بالنابل، ونصبح في إطار هجوم متعمد من هذا الطرف أو ذاك، أو ممالأة ومداهنة من هذا الطرف أو ذاك. بعبارة أخرى نريد أن نؤلف لجنة مستقلة أو حزبية من فنيين ومتخصصين لدراسة ما تحقق من وعود، وما لم يتحقق. نريد على الصعيد الخارجي أن نعرف من حيث الشكل أين كانت مصر في علاقاتها مع بلدان العالم وتكتلاته المختلفة عشية الانتخابات وكيف أصبحت؟ ومن حيث المضمون ومن حيث التفاصيل إلى أي حد شهدت علاقات مصر مع بلدان العالم تطورًا في تنمية مواردها الاقتصادية، التمويل الأجنبي حجم الدين الخارجي قبل وبعد الفترة الرئاسية حجم الاستثمارات الأجنبية قبل وبعد، سبل وكيفية الحفاظ على وحدة الأرض المصرية وتراب الوطن في كل ربوعه، حال السياحة الخارجية حجم مياه النيل والعلاقات مع دول الحوض، مكافحة الإرهاب الدولي تطور حجم التجارة الخارجية، التحرك في سبيل حل القضية الفلسطينية إلخ. اقتصاديًا نريد تقييم أمور كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر التشغيل والبطالة، حال الأمن الغذائي وسعر العملة المصرية قبل وبعد الفترة الرئاسية، حجم الاحتياطي النقدي في البنك المركزي ومصدره حجم الرواتب والأجور وحدودها القصوى، أموال التأمينات ماذا عن تطور معدل النمو خلال الفترة الرئاسية، تطور الطرق والمواصلات البرية. كل هذه الأسئلة وغيرها وغيرها يجب أن يجيب عنها مستقلون وقادة رأي محايدون بالعودة لوعود الرئيس وشعاراته الانتخابية خلال ترشحه منذ أكثر من ثلاثة أعوام».

السوق المصرية سريعة الاستجابة لرفع الأسعار وانعدام الرقابة الحكومية على الأسواق

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية