السياسات الاقتصادية تصفي القطاع العام لحساب المستثمرين وحرية الرأي والتعبير واستقلال الصحافة في «ثلاجة الموتى»

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: قرارات سياسية داخلية أبرزتها الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 25 يونيو/حزيران، منها طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من الحكومة ترشيد النفقات، وتحقيق زيادة في الموارد. وكذلك إصدار قرار بتمديد حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر أخرى.
أما القرارات التي أثارت اهتمام فئات عديدة فكانت الموافقة على منح تراخيص لعربات المأكولات في الشوارع، مقابل فرض ضرائب عليها، وطبعا مع تحديد أماكن لها وبالذات عربات الفول، ومراقبتها صحيا، ما سيؤدي إلى رفع آخر لأسعار السندوتشات التي ارتفعت بسبب زيادة أسعار الفول ثم الوقود. وكذلك الموافقة للترخيص لشركتي أوبر وكريم وتحصيل ضرائب منها، ما سيؤدي إلى رفع آخر لأسعارها التي ارتفعت بعد زيادة أسعار البنزين.
ومن الأخبار الأخرى الواردة في صحف أمس وصول نائب رئيس الجمهورية العراقي ورئيس ائتلاف قائمة «الوطنية» إياد علاوي إلى القاهرة في زيارة لمصر، واستقبله في المطار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي للبحث في العلاقات بين البلدين. واتهام لمجلس الشعب بإعداد قانون للصحافة يقضي على حريتها ويخالف الدستور والمواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر.
أما الاهتمام الأكبر فلا يزال لمباريات المونديال ومباراة مصر والسعودية، وكذلك لامتحانات الثانوية العامة التي ستنتهي الأسبوع المقبل. وامتلأت الصحف بالمقالات والتحقيقات عن قرب ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران سنة 2013 والاحتفال بها. كما استمرت المقالات عن وفاة لواء الجيش المتقاعد باقي زكي يوسف، ونقلت جميع شاشات الفضائيات والتلفزيون الصلاة عليه في الكنيسة. وإلى ما عندنا من تفاصيل الأخبار وأخبار متنوعة غيرها..

حكومة ووزراء

ونبدأ بالحكومة ووزرائها وأفاعيلهم التي حيرت الناس وطيرت العقول، ما دفع محمد حسين في «الأهرام» لأن يقول في مقال له تحت عنوان «السقوط من الغربال»: لا تعترف الحكومة بحق وضرورة فترات «النقاهة» للمواطنين إثر عمليات الجراحة المتوالية التي تفرضها خطة الإصلاح الاقتصادي، وفقا لتوصيات واشتراطات صندوق النقد الدولي، الذي لا يعبأ كثيرا بآلام الفقراء والطبقة الوسطى. تسعى الحكومة وبدون أي اعتبار لرفع الدعم كلية عن السلع والخدمات، حتى تصل إلى المواطنين بتكلفتها الحقيقية، وهي تكلفة غامضة وتبدو غير صحيحة، لأنها تسقط من حساباتها تكاليف إضافية مثل، سوء الإدارة والإهدار والاحتكار والفساد المستشري، وكلها عوامل تضيف أعباء باهظة على التكلفة الحقيقية، ليست مقنعة على الإطلاق بين أسعار السلع والخدمات في مصر ودول أخرى لأنها تغفل مستوى الأجور وحدودها الدنيا ومستوى الخدمات في الدول المقارنة، التي يتلقى فيها المواطن خدمات عامة حقيقية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم وإعانات البطالة. تعتقد الحكومة أن المصريين عليهم تحمل تكلفة حياتهم كاملة، وهي حالة تعبر عن انفصام وإنكار للواقع، ففي حين أن معدل الفقر العالمي يساوي دولارين، ومستوى الفقر المدقع دولار وربع الدولار، ما يعني أن أسرة واحدة مكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى 240 دولارا (4500 جنيه) للحياة على خط الفقر، أو 150 دولارا (3250 جنيها) حتى تعيش فقرها المدقع، هذا في الوقت الذي لم يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور فى مصر حد الـ1200 جنيه. فقراء مصر يدفعون ثمنا كبيرا، والطبقة الوسطى تترنح وتسقط من «غربال» الستر إلى نخالة الفقر».

ثمن الإصلاح

لكن هناك من لم يحتر لبه وتفهم موقف الحكومة ودافع عنه وهو سامي حامد في «المساء» الذي قال في مقال له تحت عنوان «ثمن الإصلاح»: «هل الحكومة، أي حكومة تتعمد إيذاء مواطنيها وإلحاق الضرر بهم من خلال فرض رسوم جديدة وزيادة أسعار الخدمات المقدمة لهم؟ الإجابة بالتأكيد «لا» ، فليس من مصلحة الحكومة أي حكومة تأليب الشارع ضدها، ولكن اذا كانت الحكومة مضطرة لفعل ذلك من أجل تصحيح أخطاء دامت ما يقرب من الثلاثين عاما، ففي تلك الحالة لا يكون أمامها سوى هذا الخيار الوحيد، ليس دفاعا عن الحكومة، سواء كانت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الحالية، أو حكومة المهندس شريف إسماعيل السابقة، فالموضوع أكبر من أي حكومة، إنه تصحيح مسار اقتصاد دولة عانت من أخطاء عديدة ومتراكمة، لم تلتفت إليها الحكومات السابقة، إما لغياب التخطيط السليم، أو لإرضاء الشعب على حساب العجز المتزايد في الموازنة العامة للدولة، وأبقت لسنوات عديدة على أسعار الخدمات والدعم كما هي بدون تحريك، في الوقت الذي كان ولايزال يزداد فيه تعداد السكان بشكل مخيف يلتهم معه موارد الدولة، ما يضطرها في النهاية إلى الاستدانة والحصول على قروض جديدة لسد العجز في الموازنة، ورغم كل الضغوط والتحديات التي تواجهها الدولة في الوقت الحاضر، مازالت تدعم العديد من السلع الأساسية والخدمات، ولكن حسب مواردها المتاحة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الدولة لاتزال تدعم بنسبة 25٪ من ثمن لتر البنزين، نظرا لارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، فبعد أن كان سعر خام برنت 55 دولارا قبل أقل من عام، تخطى اليوم حاجز الـ70 دولاراً، ووصل سعر البرميل إلى 75 دولاراً. نعم الرئيس عبدالفتاح السيسي يعلم تماما علم اليقين معاناة الشعب من الغلاء وارتفاع الأسعار، وكثيرا ما أثنى على الشعب في هذا الصدد لتحمله فاتورة الإصلاح الاقتصادي، وأكد ذلك الأمر في أكثر من مناسبة، بما يعني أن الدولة بدءا بالرئيس وانتهاء بالحكومة على علم تام بما يعانيه الشعب اليوم ليجني ثماره غدا، انه ثمن الإصلاح وعلينا أن نتحمله جميعا حتى نرى مصر التي نحلم بها».

الآثار رمز مصر في العالم

ووجدت الحكومة من ينصحها ويقدم لها الاقتراحات، أو كما قال أكرم القصاص رئيس التحرير التنفيذي لـ«اليوم السابع» في مقال له تحت عنوان «الكل يكسب من احترام الآثار والسياح»:
«معروف أن منطقة الأهرام، على الرغم من أنها أهم معالم الآثار، وهي رمز مصر في كل مكان في العالم، لكنها عانت ولاتزال تعاني من إهمال وتسيب، ويفرض عليها بعض محترفي البلطجة السياحية نفوذا، غالبا ما يتسبب في «تطفيش» السياح الأجانب، وحتى المواطن المصري، الذي تقوده قدماه إلى الأهرام، يصاب بإحباط من التعامل والبلطجة وغياب المراقبة والتعامل الفظ مع السياح، من قبل دخلاء يسيطرون على هذه المناطق. وما يحدث في الهرم يحدث في أي مكان أثري أو سياحي، ناهيك عن السلوكيات الاستغلالية لدى قطاعات من السائقين أو السياس وحتى المتسولين وغيرهم، ممن يشكلون مظهرا طاردا للسياحة. وبالمناسبة هم ليسوا فقراء ولا محتاجين، لكنهم يحترفون التسول وفرض الإتاوة على السياح، ويرفضون القيام بعمل حقيقي، لعلمهم بأنهم يربحون أضعاف ما يأتيهم من العمل. وإذا كان وزير الآثار يعلن أنه تم الانتهاء من تطوير هضبة الهرم، وقرب افتتاح المتحف الكبير، وتوفير الخدمات للزائرين، وتطوير منظومة الإضاءة والتأمين الإلكتروني، هناك أهمية لفرض نظام صارم على السلوكيات في المناطق السياحية بشكل يضمن أمان السائحين وحمايتهم من المتطفلين والبلطجية، ممن يمثلون أزمة كبرى، تضيع الكثير من الجهود المبذولة في التطوير، وأن تكون هناك مداخل موحدة ورسوم ثابتة ومحددة لدخول المناطق الأثرية، تمنع التطفل والتلاعب ومضايقة السائح الأجنبي، أو الزائر المصري، بحيث يتحرك بحريته مع الحفاظ على الآثار. وزير الآثار يتحدث عن منع الدخول بالسيارات والحافلات وتوفير حافلات كهربائية لنقل الزائرين داخل المنطقة الأثرية داخل هضبة الأهرامات، وإتاحة خرائط وأماكن للراحة والبازارات، وكلها خطوات مهمة يتوقف نجاحها على إدارة هذه المناطق بشكل حضاري مثلما هو حادث في كل مكان بالعالم».

انفراجة كبيرة!

ويوم الأحد نشرت الصحف تصريحا لرئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال أكد فيه أن الأيام المقبلة ستشهد انفراجة كبيرة في الاقتصاد، وتحسنا في أحوال المواطنين وقالت «الأهرام» في صفحتها الخامسة: «وجه الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب رسالة طمأنة للمصريين قال فيها: انفراجة كبيرة في الاقتصاد وتحسن في أحوال المواطنين ستشهدها مصر في الأيام القليلة المقبلة. وأضاف خلال الجلسة العامة للبرلمان: لا تتعجلوا قطف الثمار الأيام القليلة المقبلة ستشهد انفراجة كبيرة، مشيرا إلى أن كل هذه المعاناة كانت نتيجة للسياسات الخاطئة في الماضي، ولم تجرؤ الحكومات السابقة على وضع يدها على موطن المرض الفعلي وهو ما فعلته الحكومات الأخيرة. وأكد عبد العال أن انفراجة كبيرة ستحدث نظرا لهذه السياسات الاقتصادية الجديدة التي اتخذتها مصر، مشيرا إلى أن كل الدول التي شهدت طفرة كبيرة مرت بالعديد من الصعوبات التي تشهدها مصر في الوقت الحالي. وقال الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب، إن الجميع يؤيد ويدعم الرئيس السيسي في استكمال مهمته ويتمسكون به ويدعمونه».

كاركتير

وما أن سمع الرسام في «الوطن» إسلام بذلك حتى قام بزيارة لجاره المسكين فوجده يجلس إلى الطبلية ومعه زوجته وابناه وعليها كوب ماء فقط وقالت زوجته: موائد الرحمن اللي كانت سترانا خلاص يابو أحمد هناكل أيه الأيام الجاية.

التبذير الحكومي

وهو سؤال وجيه، خاصة أن الحكومة مستمرة في مظاهر الإسراف المالي التي قال عنها في «الأخبار» رئيس تحريرها الأسبق جلال دويدار: «أحد مظاهر هذا التبذير الذي يعكس عدم المسؤولية والحرص على المال العام ما يتم إنفاقه على بند السيارات الفاخرة للمسؤولين في الدولة، وما يترتب على ذلك من استهلاك للوقود ليس هذا وحسب، وإنما يتم في الوقت نفسه تخصيص أكثر من سيارة بسائقيها لهذا المسؤول لانتقالاته هو وأهل بيته، إلى جانب تأدية الخدمات الأخرى. كما تحدث أيضا عملية خلط بين تكلفة الخدمات التي يجب أن يدفعها هذا المسؤول، والتي يجب عدم تحميلها للإنفاق الحكومي، من ناحية أخرى فإنه لا بد من رقابة وانضباط لصرف بند المكافآت والحوافز المخصصة لتحفيز وتشجيع الذين يؤدون واجبات وجهودا فوق العادة، هذه المخصصات وللأسف يتم صرفها لكثيرين ممن لا يستحقون، وبعضهم للأسف لا يمارسون أي أعمال أصلا. هذا السلوك في الانفاق الحكومي يتعارض ويتناقض مع الهدف الذي تقررت من أجله هذه الحوافز وهذه المكافآت، يأتي بعد ذلك وفي ضوء الزيادة في تكلفة الطاقة والمياه ما يسود المقار الحكومية وشركات القطاع العام من انفلات وإهمال وقصور في استهلاك الإضاءة والمياه «عمال على بطال»‬ للاستخدامات المختلفة يضاف إلى ذلك عدم الاهتمام بأعمال الصيانة للأجهزة المستخدمة».

نظام رأسمالي أم شيوعي؟

وإلى نظام الحكم الحالي وطبيعته هل هو رأسمالي أم يتجه نحو الشيوعية؟ وهل سياساته الاقتصادية ناجحة أم لا؟ أمامنا رأيان، الأول لأستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد، الذي انتقد السياسات الاقتصادية الحالية وفشلها رغم تحقيقها بعض النجاحات، وأنها تتجه نحو تصفية القطاع العام لحساب المستثمرين، فقال في مقاله الأسبوعي في «الشروق» تحت عنوان «حدود الصبر على الإصلاح الاقتصادي»: «دعونا من التعويل على عصا التضييق على الحريات العامة، وهو مما تفرط الحكومة في استخدامه منذ سنوات فلم يفلح هذا الأسلوب لا في الإبقاء على النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية، ولا النظم العسكرية في أمريكا اللاتينية، ولا نظام حسني مبارك في مصر، ولكن هناك أربع نصائح أساسية لو اتبعتها الحكومة فقد تنقلنا إلى مسار للنمو المتوازن الذي تعود خيراته على كل المواطنين النصيحة الأولى: لا تصدقوا النظرية الاقتصادية لصندوق النقد، النظرية الاقتصادية التي تكمن وراء نصيحة الصندوق هي أنه عندما تباع السلع والخدمات وفقا لنفقتها الحقيقية فإن ذلك سيشجع قوى السوق، وتحديدا أصحاب رؤوس الأموال في القطاع الخاص المصري والمستثمرين الأجانب على الإقبال بحماس لزيادة استثماراتهم والتوسع في أنشطتهم، ولا تشير المؤشرات المتوافرة خلال السنتين الأخيرتين إلى هذا التدفق الهائل للاستثمارات الخاصة والأجنبية، إلا في قطاعات النفط والغاز الطبيعي والمعلوماتية، ودور القطاع الخاص المصري محدود في الأولين منها وحجم قطاع المعلوماتية ما زال ضئيلا في الاقتصاد المصري. النصيحة الثانية: الحكومة تضرب المثل في الانضباط المالي، وإذا انتقلنا من عالم النظريات إلى عالم التطبيق للبرنامج الذي اتفقت عليه الحكومة مع الصندوق حتى تواصل الحصول على ما تبقى من قرضه، وهو نصف قيمته التي تبلغ ستة مليارات من الدولارات، فسوف نكتشف أنه في حقيقة الأمر ليس برنامج إصلاح اقتصادي ولكنه برنامج إصلاح نقدي ومالي. النصيحة الثالثة إنفاق الموارد المحدودة وفقا لأولويات صحيحة للتنمية، إن عجز الموازنة يقتضي الحكمة في إدارة ما يتوافر من موارد محدودة وتوجيهها على النحو الأمثل الذي يساعد على النمو المتوازن للاقتصاد، نحن لا نسمع عن برنامج يؤدي إلى النهوض بالصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية، وإنما نسمع عن برنامج الرئيس ومشروعاته الكبرى في بناء عاصمة جديدة، وأخرى صيفية في العلمين، وقد كان ذلك هو التكليف الأول لرئيس الوزراء الجديد، بعد بدء الرئيس مدته الثانية، ولم نسمع عنه حتى الآن ما ينوي قيادة الحكومة بشأنه لتحقيق نمو الاقتصاد الحقيقي، طبعا هناك مشروعات البنية الأساسية في مجال الطاقة والمياه والطرق التي لا أقلل من شأنها ولكن قيمتها هي في استخدامها من جانب القطاعات الإنتاجية، وهو ما لا يتم تلقائيا لمجرد أن هذه المرافق قد تطورت. النصيحة الرابعة: التنمية المتوازنة تتم بتضافر القطاعين المدنيين العام والخاص، والتحدي الرابع الذي تواجهه الحكومة هو سعيها للتنمية في الوقت الذي تجري فيه تصفية القطاع العام بالسعى لبيعه من خلال سوق الأوراق المالية».

مفهوم الطبقية والعدالة الاجتماعية

أما الرأي الثاني المضاد فقد اتهم صاحبه النظام الحالي بأنه يتجه نحو الشيوعية، إذ كتب الأستاذ في كلية الطب في جامعة القاهرة وعضو المكتب السياسي في الحزب الوطني أيام مبارك والمقرب من جمال مبارك الدكتور حسام البدراوي مقالا على صفحة كاملة في «المصري اليوم» عنوانه «مفهوم الطبقية والعدالة الاجتماعية بين الفلسفة الإسلامية والنظريات الحديثة ومما قاله: «مع أن القرآن أقرَّ هذه الظاهرة الإنسانية بيد أنه لم يكتف بذلك، بل سعى للحد قدر المستطاع من هذا التفاوت، فعلى مستوى التفاوت الاقتصادى بين الناس طلب من الغني الإنفاق على الفقير ومدِّ يد العون له كما قال تعالى: «وأنفقوا مما رزقناكم» (المنافقون:10). وهو على هذا المستوى لم يسع إلى العمل على محاربة ما فطر الله عليه الناس من تفاوت واختلاف، ولم يسع كذلك كما فعلت بعض المذاهب، وكما يفعل عدد من السياسيين الآن في مصر إلى إثارة طبقة ضد أخرى، بل وقف موقفًا متوازنًا لإقامة المجتمع على أساس التوازن بين طبقاته، فليس المقصود إفقار الأغنياء، بل مساعدة الفقراء وتأمين احتياجاتهم وخروجهم من دائرة الفقر، ومن هنا أعود لمفهوم العدالة الاجتماعية الذي يتكلم عنه السياسيون والثوريون هذه الأيام بغموض غير محدد لتوزيع الدخل، واتهام ضمني لمن يحقق الربح بعدم الأمانة واتجاه للملكية العامة والعودة إلى القطاع العام، حتى لو كانت تحقق الخسائر رغبة في المساواة في الفقر تحقيقا للعدالة بين الناس. إنني أرى أن هناك فلسفتين مختلفتين تتعاملان مع العدالة الاجتماعية: الفلسفة الأولى تتعامل مع العدالة الاجتماعية كنتيجة يتعين الوصول إليها بغض النظر عن عدالة الوسائل مثلما فعلت الشيوعية وكما يدعو بعض السياسيين في مصر الآن والفلسفة الثانية تتعامل مع العدالة الاجتماعية بوصفها عدالة الفرصة ومكافأة المجهود وفي الوقت نفسه إتاحة خدمات وحقوق معينة للجميع، كالتعليم والرعاية الصحية والمواصلات العامة والصرف الصحي والمياه النظيفة مثلا، بغض النظر عن تفاوت الدخل، بالإضافة إلى الإنفاق على مؤسسات العدالة «القضاء» ومؤسسة الدفاع عن الوطن «والجيش» ومؤسسات تطبيق القانون «الشرطة» وهي الفلسفة الأقرب إلى عقلي ووجداني في تحقيق حد معروف من الحقوق. وفي الوقت نفسه مكافأة العمل والاعتراف بتعدد واختلاف القدرات والرزق. إنني ومن خلال هذه المقالة وأنا غير متخصص وأتكلم بلغة المواطن الذي يدرس ويدقق في ما يتم تداوله سياسيا على الساحة، أردت أن أشارك الرأي والفهم لعبارات يتم تداولها وشرحها بغير معناها، ما يؤدي إلى عكس المقصود منها، فكم من الجرائم يتم ارتكابها تحت اسم العدالة الاجتماعية في مصر».

مصر وصفقة القرن

كثرت المقالات في الصحف ضد مشروع صفقة القرن الذي يقدمه الرئيس الأمريكي ترامب لحل القضية الفلسطينية، وأرسل مبعوثه إلى مصر والأردن وإسرائيل وقال عنه في «الأهرام» رئيس المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد تحت عنوان «لاءات مصر الثلاثة» رفضها المشروع مع موافقتها على إنشاء ميناء مصري في الأراضي المصرية يكون تحت سيطرتها يخدم غزة: «جارد كوشنر وغرينبلات أتيا هذه المرة إلى الشرق الأوسط تسبقهما وعود كثيرة بان الأمريكيين سوف يجمعون نصف مليار دولار من دول الخليج، لإغراق غزة بأموال كثيرة. ثمة حديث عن محطة جديدة للكهرباء بدلا من المحطة الراهنة التي تعمل فقط أربع ساعات في اليوم، وثمة أحاديث أخرى عن مطار كبير وميناء لخدمة قطاع غزة يقوم على الارض المصرية. وثمة أنباء غامضة عن تهدئة طويلة في القطاع وخطة مبيتة لإعلان دولة فلسطينية في غزة ترتبط بمصر على نحو غير واضح. أما مصير الضفة الغربية ومدنها العربية وكتلها الاستيطانية ونقاط استيطانها غير القانونية وغير المشروعة، فمؤجل إلى حين آخر. لقد انطلق رد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أفكار جارد كوشنر ورفيقه غرينبلات من ثوابت مصر المؤكدة رفض قيام دولة فلسطينية يقتصر وجودها على قطاع غزة، لأن ذلك يعنى إهدار مصير الضفة الغربية وتركها لقمة سائغة لإسرائيل. والأمر الآخر الذي لا شك في أنه يدخل ضمن ثوابت الموقف المصري رفض التنازل عن أي بوصة من الأرض المصرية لأي طرف كان، حتى أن كان الطرف الفلسطيني، وربما يقبل الذوق المصري أن يكون هناك ميناء مصري يقام على الأرض المصرية يخدم ضمن ما يخدم مصالح أهل قطاع غزة، لكن المصريين يرفضون بصورة قاطعة أن يكون هناك ميناء فلسطيني على الأرض المصرية. والأمر الثالث الذي يشكل جزءا مهما من ثوابت مصر الأساسية أن مصر لا يمكن أن تقبل عودة الإشراف على قطاع غزة تحت اسم الإدارة المصرية، لأن نضالنا جميعا من أجل أن يتحمل الفلسطينيون مسؤولية تقرير مصيرهم وليس من المعقول أو المقبول أن نعود إلى الوراء مرة أخرى وتعود الإدارة المصرية إلى قطاع غزة، خاصة أن القطاع الآن هو جزء لا يتجزأ من أرض فلسطينية وثمة سلطة وطنية فلسطينية هي المسؤول الأول والأخير عن الأرض الفلسطينية».

صحافة وصحافيون

يثير مشروع قانون الصحافة الذي خرج من مجلس النواب إلى مجلس الدولة لمراجعته اعتراضات من زملاء عديدين، أبرزهم الكاتب في «الشروق» وعضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ، الذي هاجم المشروع واتهم من أعدوه بمخالفة كل المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر لاحترام حرية الرأي والتعبير، وكذلك مخالفة الدستور، وقال يوم الأحد تحت عنوان «إحالة الحارس العام إلى التقاعد» والحارس العام المقصود هنا هو الصحافة:
«في مصر وضعت السلطة النصوص السالفة وغيرها من المواد المتعلقة بحرية الرأي والتعبير واستقلال الصحافة في «ثلاجة الموتى» وخلقت واقعا مأساويا يعكس مدى سخطها على «السلطة الرابعة» وعبرت عنه في أكثر من مناسبة وترجمت السلطة هذا العداء من خلال عمليات منظمة لإخضاع غالبية المنصات الإعلامية. لم تكتفِ سلطات الدولة بعمليات التأميم والإخضاع التي تتجاوز أطر القانون والدستور، فقررت تقنين ذلك عبر تشريع يصدره البرلمان، فمرر «النواب» من حيث المبدأ قبل أيام قانون «تنظيم الصحافة والإعلام» وأرسل إلى مجلس الدولة لمراجعته. فلسفة القانون وبدون الدخول في تفاصيل المواد التي اعترضت عليها الجماعة الصحافية تقضي بإعدام المهنة المريضة وتسليم الجثمان إلى الأجيال المقبلة لتتصرف فيها، فالمواد التي أدخلها المشرع على مشروع القانون الذي شاركت في إعداده نخبة من الصحافيين والقانونيين منهم الدكتور علي عبدالعال رئيس مجلس النواب قبل ثلاث سنوات جعلت من المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام «أخ كبير»، رقيب يمنع تداول مطبوعات ويسحب تراخيص مؤسسات، ويحجب مواقع إلكترونية عامة وشخصية، بدون تحقيق أو سماع لحجج الطرف الآخر، وذلك بالمخالفة للدستور والمواثيق والعهود الدولية التي وقعت عليها مصر. القانون أعاد الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، وتوسع في استخدام عبارات مطاطة مثل مقتضيات الأمن القومي ومعاداة الديمقراطية والتحريض على مخالفة القانون إلخ، التى لا يوجد لها تفسير محدد وواضح في أي قانون بما يفتح الباب أمام النيل من حرية الصحافة، وأخضع المشرع البرلماني بهذا القانون مؤسسات الصحافة القومية المستقلة والمملوكة للشعب، بنص الدستور لسيطرة رجل واحد هو رئيس «الوطنية للصحافة» المعين من قبل رئيس السلطة التنفيذية، فجعل منه رئيسا للجمعيات العمومية لصحف مصر القومية، وقلص عدد الصحافيين في الجمعيات العمومية ومهد لخصخصة وتصفية المؤسسات القومية. أخير أذكر نفسي وباقي أعضاء مجلس نقابة الصحافيين والجمعية العمومية أن تمرير هذا القانون بدون وقفة جادة سيقضب على ما تبقى من هذه المهنة، وأعيدهم إلى معركة القانون 93 لسنة 1995الذي ناضلت الجمعية العمومية ومجلس النقابة شهورا طويلة حتى تمكنت من إسقاطه».

مشروع قانون الصحافة والإعلام

أما زميله في «الوفد» علاء عريبي فقال موضحا: «لقد أطلق بعض الصحافيين اسم الزميل أسامة هيكل على مشروع قانون الصحافة والإعلام، وقد نسبوا إليه جميع السلبيات التي يتضمنها مشروع القانون، بصفته رئيس لجنة الإعلام والصحافة في البرلمان، التي صدر عنها مشروع القانون، وللأمانة أسامة هيكل غير مسؤول عن مواد المشروع، فقد تلقى مشروعا وناقشه هو وأعضاء اللجنة وتدخلوا خلال المناقشة بالتنقيح والتعديل والحذف والإضافة، وللإنصاف أيضا فإن أغلب مواد مشروع القانون سبق وجاءت ضمن المشروع الذي قدمه المجلس الأعلى للصحافة بالمشاركة مع أعضاء مجلس نقابة الصحافيين السابق».

أرثوذكس وكاثوليك

وإلى أشقائنا المسيحيين والصراعات التي بدأت في صفوف الأرثوذكس وهم الأغلبية الساحقة في مصر، بسبب زيارة وفد إيطالي لدير السريان وحضوره القداس حتى نشبت المعارك وتبادل الاتهامات، ونشرت مجلة «روز اليوسف» تحقيقا لوفاء وصفي عن هذه المعركة وأبعادها قالت: «ما أن تناقلت وسائل الإعلام خبر إقامة الوفد الإيطالي لمراسم القداس في دير السريان في وادى النطرون، حتى انطلقت موجة هجوم غير مبرر على البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اتهمه فيها بعض المسيحيين بالتنازل عن الإيمان الأرثوذكسي وقالوا: إن التاريخ لن يرحمه متناسين أن الكنيسة الكاثوليكية تفتح أبوابها للأقباط الأرثوذكس في المهجر، لإقامة القداسات والاجتماعات بها. السؤال هنا: من الذي يسعى لتشويه صورة عصر البابا تواضروس ويصر على اتهامه بأنه لا يهتم بالحفاظ على مبادئ الكنيسة القبطية وإيمانها في سبيل تحقيق الوحدة، التي يسعى لها منذ جلوسه على سدة الكرسى المرقسي؟ الوقائع تشير إلى وجود حالة تربص واضحة بالرجل منذ زيارة البابا فرنسيس لمصر في مايو/أيار الماضي، وثار الكثيرون حول ما أشيع عن وثيقة المعمودية؛ حيث نشر البعض أن البابا بصدد التوقيع على معاهدة مشتركة تفيد بعدم إعادة المعمودية مرة أخرى، وقبول الآخر كما هو، إلا أنه وبحسب الوثيقة التي نشرت على راديو الفاتيكان أن الطرفين اتفقا على السعي المشترك لعدم إعادة المعمودية، ما يعني أن الموضوع مازال في إطار المناقشات اللاهوتية التي تقام مع الكنائس كلها. هذا الصدام غير المبرر والمتكرر ساعد على إجهاض محاولات التقريب بين الطائفتين منذ البداية، فالوثيقة التي وقعها البابا فرنسيس والبابا تواضروس كانت تنص على عدة بنود أغلبها لم ينفذ حتى هذه اللحظة، فقد نادى الحبران بالبحث عن ترجمات مشتركة للصلاة الربانية لتكون موحدة، حيث قالوا: «إن هذه المحبّة» التي تجمع مسيحيي العالم» تجدُ تعبيرها الأعمق في الصلاة المشتركة، كان مجرد ذكر إمكانية تغيير الصلاة الربانية كفيلًا بإثارة الرأي العام القبطي ضد البابا بصفته المسؤول الأول عن الكنيسة، وقطعًا إذا كان مجرد محاولة تغيير الصلاة اليومية، بدون الإخلال بالمعتقد، مرفوضًا بشكل قاطع فقد كان الفشل الذريع من نصيب أي محاولة لتوحيد عيد القيامة على مستوى جميع الطوائف».

تقارب بين الكنيستين

أما جريدة «البوابة» فقد نشرت في صفحة «بالناس المسرة» التي تشرف عليها أسنات إبراهيم وتعدها ميرا توفيق تصريحات لكاهن الوفد الإيطالي جاء فيه: «قال دون جاني توني المسؤول الكنسي عن جمعية أنوتلسي الإيطالية، وضمن وفد الحجاج الإيطالي الذي زار مصر مؤخرا، إن ما أثر في نفسه خلال رحلة الحج الأولى لمصر هو فتح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أبوابها في دير السريان للوفد، حتى يصلي في صحن الكنيسة، وهذا علامة على الحب من الكنيسة المصرية وتقارب بين الكنيستين، وشدد على أن الكنيسة الكاثوليكية فتحت أبوابها للكنيسة الأرثوذكسية حول العالم، حتى يتمكن الشعب القبطي من الصلاة، ولكن هذه هي المرة الأولى التي تفتح لنا الكنيسة الأرثوذكسية أبوابها. ومن وجهة نظري هذا ما أبهجني في الرحلة، وزاد إنها مبادرة رائعة فلأول مرة في تاريخ المسيحية يقام قداس للكاثوليك في كنيسة أرثوذكسية، وهو الأمر الذي يوضح العلاقة الطيبة بين الكنيسة في روما ومصر والعلاقة بين رأس الكنيستين البابا فرنسيس والبابا تواضروس».

مسار العائلة المقدسة

أما جريدة «وطني» القبطية فنشرت تحقيقا على صفحة كاملة لناصر صبحي ودينا سيدهم اللذين صاحبا البعثة الإيطالية في تحركاتها واستمرت زيارتها أربعة ايام وقالا عن زيارة البعثة لدير السريان الذي حدثت المشكلة بسببه: «في اليوم الثالث من زيارات وفد الحج الإيطالي توجه الوفد إلى منطقة وادي النطرون، حيث النقاط الثلاثة على مسار العائلة المقدسة وهي «دير الأنبا بيشوي ودير السريان ودير البراموس». وبدأ يومهم بدير السريان في وادي النطرون، وكان في استقبالهم في الدير رئيس الدير ولفيف من رهبان الدير بوجوههم البشوشة وبترحاب شديد، وبدأ الوفد بصلاة قداس في صحن الكنيسة الأثرية، حيث وقف القساوسة الكاثوليك وترأس القداس الأسقف الكاثوليكي لينو فوماجالي.. بدأ الأسقف لينو فوماجالي وعظته أثناء القداس بالشكر للكنيسة الأرثوذكسية ودير السريان والأنبا برنابا أسقف روما لهذا الموقف المؤثر والفريد، لأن تلك أول مرة يتم استضافة وفد كاثوليكي في الدير وإقامة صلاة قداس وكأن السماء تفرح بهذا التجمع، من أجل وحدة وقوة روحية باسم المسيح فاجأت الزائرين نادية عبده محافظة البحيرة بحضورها وأهدت الوفد علم مصر وباقة من الزهور للترحيب بهم، وحول هذا الحدث الفريد صرح نيافة الأنبا متاؤس رئيس دير السريان قائلاً: «نحن سعدنا جداً بزيارة وفد الحجاج الكاثوليك للدير ونحن دائماً نرحب بالزوار القادمين إليه، وبالنسبة لإقامة قداس كاثوليكي داخل الدير، وتم إعداد منضدة وسط الكنيسة لكي يقيموا صلواتهم عليها، فالكنيسة يدخلها كل البشر من مختلف الأديان والطوائف.
الكاثوليك يتيحون لنا كنائسهم عندما نتواجد في الخارج ونقيم صلواتنا وقداساتنا فيها ســـنوات عديـــدة، إلى أن يسترجعوها مرة أخرى، فليس غريبا ولا يؤخذ علينا أن نتيح لهم مساحة داخل الكنيسة لإقامة قداس لهم». آخر زيارة لوفد الحج الإيطالي كانت دير الأنبا بيشوي ضمن النقاط التي مرت عليها العائلة المقدسة، وهو الدير الذي ينتمي إليه البابا تواضروس الثاني، كما أخرج ثلاثة بطاركة للكنيسة الارثوذكسية، وكان في استقبالهم رهبان الدير وتجولوا معهم بالدير ليشاهدوا الأمــــاكن الأثرية العـــديدة في هذا المكان، الذي يمثل أحد الأديرة التي بنيــت في منطقة مسار العائلة المقدسة، حيث مرت العائلة من ألفي عام في برية شيهيت».

السياسات الاقتصادية تصفي القطاع العام لحساب المستثمرين وحرية الرأي والتعبير واستقلال الصحافة في «ثلاجة الموتى»

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية