ثمة أحداث وتحولات شديدة الأهمية عرفها المشهد المصري الأسبوع الماضي، ولا يمكن إهمالها، وقد يكون لبعضها ما بعدها.
أولا: تزامن الإعداد لهذا المقال مع لقاء تلفريوني واسع عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وزيري الإسكان والنقل، ومن بين القرارات المهمة التي أعلنها أنه سيتم الانتهاء خلال عامين من إعادة بناء أصعب المناطق العشوائية التي يعيش فيها نحو ثمانمئة ألف مواطن في مناطق غير آدمية وصفها بأنها «لا تليق بمصر والمصريين ولن نسمح ببقائها». ويتضح بعض من حجم الوضع في قضية الإسكان في مصر إقبال مئة وسبعين ألف مواطن للحصول على مساكن حكومية مؤخرا، فيما اقتصرت الكمية المطروحة من المساكن على واحد وعشرين ألفا فقط. أما في قضية النقل فإن الأرقام التي أعلنها الوزير للشعب بدت مثيرة للشبهات، وذلك ما أعلنه السيسي نفسه، وطلب رئيس هيئة المشروعات في القوات المسلحة، وسأله على الهواء مباشرة إن كانت تلك الارقام التي اعلنها وزير النقل (قد تمت مراجعتها)، فرد عليه بأنه (سوف تتم مراجعتها)، فيما رد الوزير على السيسي بأنه تولى المنصب قبل أربعين يوما فقط، وكأن هذا يبرر أن تكون أرقام مشروعات وزارته غير دقيقة (..).
ومع ذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحا الذي يطرحه أغلب المصريين على السيسي حقا، هو هل تقتصر هموم مصر على أزمات الاسكان والطرق والكباري فقط؟ وهل السبب لاهتمامه بها هو تسليط الضوء على الدور الرئيسي للمنظمة الخدمية
للقوات العسكرية، سعيا الى توسيع شعبية النظام؟ وأمام العديد من الاجتماعات حول المساكن والطرق، هل خصص الرئيس السيسي اجتماعا تلفزيونيا واحدا ليناقش قضايا تفاقم البطالة وانهيار الصحة والأسعار مثلا؟ وهل يعلم الرئيس شيئا عما يعانيه المواطنون في المستشفيات العامة من انهيار ومعاناة (غير آدمية ايضا)، ولن نتحدث هنا عن تفاصيل، إذ أن التشهير لم ولن يكون أبدا هدفا لنا؟
ثانيا: كان مشهدا مروعا حقا.. لم يكن حجم النيران طبيعيا، وهي تشتعل بضراوة بشعة على مئات المحلات في حي العتبة في قلب القاهرة الفاطمية، في ساعات الصباح المبكرة، وسط توقيت مثير لاسئلة غامضة. أما المصادر الحكومية فسارعت إلى توجيه اللوم إلى (الماس الكهربائي)، الذي طالما كان يحمل مسؤولية أغلب الكوارث في مصر، خاصة في بعض المخازن تفاديا لكشف عمليات السرقة. أما أغلب المصريين فاتجهوا تلقائيا الى تصديق رواية أصحاب المحلات الذين أكدوا أن الحريق «حصل بفعل فاعل». ومن المنطقي أن يكون هذا الاتجاه افضل لمصلحتهم، حيث انهم سيحصلون على بعض التعويض من الحكومة، خاصة أن أغلبهم لا يملك أي تأمين عن الخسائر الهائلة. وبغض النظر عن حقيقة ما حصل فإن ظاهرة الحرائق اصبحت لافتة، بل ومثيرة للقلق مع انتشارها في احياء عدة في القاهرة، ناهيك عن مصانع وشركات وغيرها في مدن اخرى في الشهور الماضية.
أما قراءتنا فهي ان الحكومة تتحمل المسؤولية، أيا كان سبب الحريق. أما اذا كانت الكارثة نتيجة لحريق عادي، فإن من يعرفون تلك المنطقة الشعبية التجارية يدركون انها تفتقر الى وسائل الأمان الصناعي الضروري للحماية من حرائق مروعة كهذه، بإهمال حكومي. أما الحديث عن وجود عمل إرهابي، خاصة انه حصل في توقيت تفادي سقوط ضحايا آدمية كبرى، كما في هجمات سابقة اخرى مثل القطارات ومولدات الكهرباء، فانه يخدم اجندة الحكومة التي لن تتوفر في توجيه اللوم لجماعة الإخوان. والأحرى بالحكومة ان تترك المسار الطبيعي للقضية الى جهات تحقيق مستقلة، والامتناع عن توجيه أي اتهامات بلا دليل تفاديا لإشعال الأوضاع الحرجة في البلاد.
ثالثا: اتفق محللون على أن الهجوم الإرهابي في حلوان في القاهرة، الأحد الماضي، يمثل تطورا نوعيا في المواجهة مع تنظيم «داعش» الإرهابي، خاصة أن القاهرة لم تعرف عملية مشابهة قبل عام كامل. ولكن ثمة محاولات لدى البعض في استغلال الهجوم لتحقيق أهداف سياسية، خاصة مع الأحداث والأزمات التي خلقت توترا بين الشارع والحكومة خلال الفترة الاخيرة. وبداية فإنني كأي مصري أدين هذا العمل الإجرامي، كما أدين أي قتل بعيدا عن القانون. وينطبق هذا على أي شخص سواء كان من الشرطة، او من المعارضين، وقد قالت المنظمة الحكومية لحقوق الانسان في مصر إن بعضهم تعرض لعنف مبالغ فيه وبدون مبرر، كما حدث اثناء فض رابعة، أو مواطن يعمل بائعا للشاي قتله امين شرطة بدون مبرر. كان مبدأنا وسيظل: لا تمييز في حقوق الانسان، ولا تمييز في رفضنا للظلم، ولا قبول في انتهاك الحريات وخاصة حرية الرأي.
رسائل خاصة
1- قضية نقابة الصحافيين كانت قادرة على خلق حالة من زخم شعبي إيجابي بالضغط على النظام لاتخاذ قرارات تخدم البلاد، وكان يمكن أن تخدم مصالحها أيضا، إلا أن ثمة (تحالفا غير مقدس) بين مؤيدين ومعارضين ومناهضين قرروا إفساد تلك الحركة النبيلة المدعومة شعبيا، وذلك بتراجع البعض عن مطلب إقالة وزير الداخلية، وهذا مطلب سياسي طبيعي، أو التخلي عن دعم صحافيين لمجرد انهم معارضون للإخوان على الجانب الآخر. أما الخاسر فهو الشعب المصري للاسف (..). وأقول: يا فرحة السيسي ببعض المعارضين، خاصة الذين يكيلون له الاتهامات المثيرة للسخرية، ومنها مسؤولية الصراعات الاقليمية في هذه المنطقة بل والعالم ايضا، فلابد انه سيضحك كثيرا عليهم، وسيتمنى لو أنه يملك تلك القدرات الهائلة حقا.
2 – لو أن القارئ العزيز قام بزيارة واحدة لمصر خلال السنوات الخمس الماضية، لشاهد حقيقة أن عدد السوريين هناك لا يقل عن المليون، واذا تحدثت مع بعضهم سيؤكدون أن العدد يفوق مليونا ونصف المليون. أما المحلات والمطاعم السورية التي أصبحت تنتشر في كل مكان ويقبل عليها المصريون كثيرا، فلا تحتاج الى دليل، بل يقولون هناك انه من النادر ان تجد سوريا في مصر بلا عمل. وليس للنظام المصري اي فضل في هذا، بل العلاقة التاريخية والخاصة بين المصريين والسوريين. وبعد كل هذا مازال البعض لمجرد انهم يكرهون السيسي، يصرون على ان يفتحوا النيران على الشعب المصري، زاعمين انه (يحارب اللاجئين السوريين) (..). كفاكم متاجرة بسوريا وشعبها ودمائها وإخوانها.
3 – بداية مبكرة للحرب الرمضانية الخاصة بالمسلسلات الدرامية الساخنة هذا العام، لتتملك الشاشات الجميع بين المحيط والخليج، وهو ما سيرحب به كثير من المشاهدين، وإن كان لن يرحب به «بعض خبراء السبوبة المحسوبين بالخطأ على التحليل السياسي والأمني وغيره».
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي