السّفر بلا جواز إلى مدن المجاز

الأفكار في هذا المقال لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بالخصومة المزعومة بين اللغويّين والشّعراء وإنّما هي رأي لسانيّ، قد لا يستسيغه البعض، في مسألة المجاز؛ وتشاء الصُّدف السّعيدة أن تجعل المقصودين به مَنْ خُلعت عليهم، بين عشيّة وضحاها، بُردة الشعراء ولبسوها وهي مفتوقة من هنا مرتوقة من هناك وباتوا ينتجون الكلام بخيوط من المجاز هي أوهن من خيوط العنكبوت، غير أنّها تبني من الشعر ما يعتقدون أنّه بيوتٌ.
أنا لن أترحّم على زمن كان الشّعر فيه يصدق عليه بيت الحطيئة: «الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلّمُهْ ..» (ولن أكمل البقيّة لأنّها ينبغي أن تكون معروفة لمن يدّعي قرابة ما بالشعر)، لن أترحّم على ذاك الزمان لأني ابن هذا الزمان لا أريد العيش للأطلال ولا عليها بدعوى رداءة ما ينتج؛ فما أنتج من شعر كان يحمل سمات العصر الثقافية وسننه الخاصة به؛ ومن الممكن، لو أنّ ريح التطوّر جرت كما تشتهي رياحه الزكيّة، أن تكون لنا سنَنُنا التي تليق بثقافتنا الحيّة اليوم. وبما أنّ ذلك لم يكن لنا كما نريد، تعالوا نعُدْ إلى أصل المشكل.
من المعلوم أنّ الشعر تحكمه الأنساق والقوانين التي تحكم أيّ إبداع آخر، وأنّ الدخول إلى عالم الإبداع من غير وسائله سيكون كخلع الأبواب وكسرها، وسيحوّل الدخول الهمجيّ عمرانها إلى خراب. والمجازات التي باتت تملأ أشعار المتشاعرين ونثر المتأدّبين صارت فوضى ويكفي أن يكتبوا أيّ شيء لا يُفهم ولا يشفّ عن معناه ليردّوه بمفتاح سحريّ إلى المجاز والاستعارات، والحقّ أنّ لهذا الفنّ من القول قواعد عدّة تهمّنا منها في هذا السياق جوانبها الإدراكية. تلك الجوانب المخفيّة هي التي تسمح لمجاز أن يعبر إلى أذهاننا وتفهمه، ولا يسمح لغيره أن يمرّ فتغلّق دونه الأفهام؛ وعندئذ قد نعيب على أفهامنا قصورَها والعيْب ليس فيها.
الحريّة في الإبداع ما تزال تُفهم عند الطفيليّين على أنّها كسر غير وظيفي للقواعد وهدم من أجل الهدم للمبادئ المتحكمة في القول المخصوص. غير أنّ الحريّة تكره الفوضى ولا تعيش في مدن تجهل قواعد النظام، وهذا يصدق على من يدّعي في الشّعر حريّة لا يعرف معناها.
عُرّف المجاز في البلاغة العربيّة بالخُلْف، حين اعتبر مقابلا ضديدا للحقيقة، لكنّه تعريف وإنْ ارتاحت لبساطته الأنفس فإنّه كان كالشجرة التي تخفي غابة، تجربة الكلام الحيّ الذي لا يحفل بهذا التقابل ولا يراه موجودا. الحقيقي عند البلاغيّين هو الدالّ على معنى في الوضع الأوّل، كلفظة الأسد إنْ أردت بها الحيوان المعروف، كان معناها حقيقي،ّا وإنْ عيّنت بها رجلا معروفا بالشجاعة عَبَرَتْ من المعنى الحقيقي إلى المجازيّ. غير أنّ العُبور من هذا المعنى إلى ذاك ليْس بلا قيود إدراكيّة، بل هو عبور له جواز سفر يرتبط بالعادة الثقافية. ذلك أنّ الأسد ملك الغاب اعتبر لأسباب ثقافية مخصوصة وظرفيّة ذا بأس وشدّة وعدّ شجاعا، فإذا طلبنا معنى البسالة في البشر عدّ الأسد مرجعا ثقافيّا ورمزيّا له. لكن يصعب أن يكون الأسد اليوم مرجعا للبسالة في ثقافتنا فقد يكون مرجعها أشياء لا صلة لها بالمثل القديمة فالشجاعة قد تمرّ في أذهاننا اليوم من بوّابات أخرى كقطْع الطريق وخرق القانون.
ما ينساه صانعو المجاز من الشعراء أنّهم لا يأبهون بالمحيط الثقافي المتفاعل مع الإدراك في إنتاج المعاني، بل تحملهم الأنانيّة المبالغ فيها للسعي إلى فرض رؤية للكون غريبة وغير شائعة ولا يتقاسمها معهم غيرهم. يقول بعض شعراء عصرنا عن شعره: «ونشيدي نار» فيجعل شعره نشيدا وهذا مجاز مناسب إدراكيّا، لأنّ من المألوف في تجربتنا اليومية أن يُنشد الشِّعر ويُغنّى، ولو قال عن معاني شعره «نار نشيدي « لكان في مجازه أيضا قبول، فمن المألوف أن تدرك تجربة القول بتجربة النّار بناء على ما فيها من تأثير؛ بيد أنّ الشّاعر نفسه يضيف مجازا يعسر فهمه لأنّه ليس من مألوف التجربة، فيقول متحدّثا عن نار نشيده: «قَفَزَتْ من سُرَّتها الرّؤيا» (نقلا عن مجلة ثقافات، 10/ 88). ألف الناس أن يكون للنار ألسنة لأنّهم تواضعوا على أن يدركوا حرق النار لما يعترضها، بتجربة الأكل النّهم لذلك كان للنار ألسنة وفم؛ فالعبور من تجربة الأكل الحقيقية إلى تجربة أكل مجازية هو عبور مبرّر تجريبيا وإدراكيا، لذلك يكون مفهوما وعندئذ يكون عبورا بجواز سفر شرعيّ، شرّعه التواضع في ثقافة معيّنة على إدراك تجربة ما بوسائل تجربة أخرى. غير أنّ مجازا يجعل للنّار سرّة ويجعل السّرة تلد الرؤيا هي تجربة غير مألوفة وغير وظيفية لأنّنا عادة ما ندرك الرؤى عادة في فضاء مُتَعالٍ لا مُسْتفِل وقلّما ارتبطت السرّة بالولادة الخلاقة. قد يكون (للسّرة نار) في استعارة الشهوة والشبق مكان، أمّا هنا فلا فائدة ترجى منها تجريبيا، لذلك يكون المجاز محفوفا بالمخاطر وستأكل «سرّة النار» المجاز قبل أن يصل إلى أفهامنا أو أنه سيصل إليها مشوّها بشعا فتزدريه فيموت على النّفاس.
صحيح أنّ البلاغيّين تحدّثوا عن القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وصحيح أنّ هذه القرينة كانت موضوع اهتمام مدرسيّ، غير أنّها قلّما مثّلت شاغلا إدراكيّا. وصحيح أنّ البلاغيّين تحدّثوا عن الأسد والبدر والبحر في معانيها الحقيقية، وفي مجازاتها الدالة على معنى الشّجاعة والجمال والكرم؛ غير أنّهم لم يكونوا مهتمّين بأنّ لهذه المجازات تاريخا وأنّ ما ولّدها هو حاجة ثقافية بعينها، وأنّه سيأتي يوم تموت أو تتطوّر بل قد تكون ماتت حين اتخذها البلاغيّون مثالا يطمئنّون إليه كما اطمأنّ إليه أسلافهم. هناك مجازات لا ندركها رغم أنّها كذلك من فرط ما استعملناها في معناها المجازيّ فصارت وكأنها من المعاني المألوفة أو الحقيقية. ففي تونس تقول المرأة أو غيرها وهي تغسل الثياب إنّها (تغسل الصّابون) ونحن نفهم عنها ما قصدته على أنّه حقيقة. كثير من كلامنا اليومي إن تأمّلناه وجدنا فيه مجازات لم نخترها، بل جاءت ممّا يسميه الفارابي تسامحا والتسامح، أي غياب الدقّة في الكلام، شأنُ الجمهور والشعراء أيضا يقول: «وأمّا الجمهور والخطباء والشّعراء فيتسامحون في العبارة ويجوّزون فيها» (كتاب الحروف 87) ويقدّم الفارابي مثالا على ذلك في أقوال لنا لو عرضناها على البلاغيين لأقسموا على أنّها حقيقيّة؛ يقول الفارابي: يقولون (فلان مضروبٌ أو مقتولٌ لا محالة) وذلك من قبل أن يضرب إذا كان مستعدّا لأن يضرب في المستقبل، وكذلك يقولون (ما ببلاد الهند من الأشجار مرئيّة) يعنون به معرّضة لأن تُرى ويقولون إنّ الإنسان ميّت أو زيد ميّت يعنون به معرّض للموت وذلك من قبل أن يموت فيجعلون العبارة في جزئيّات ما هو بالقوّة حينا وبالفعل حينا بألفاظ واحدة بأعيانها» (كتاب الحروف: 120).
العادة أيّها السادة تقتل المجاز وتحييه وتجعله مفهوما أو تجعله غامضا: إنّنا نعني العادة الثقافية لا العادة الرتيبة التي تقتل الوعي بالأكوان وبالحقيقة وبالمجاز.

٭ أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة

السّفر بلا جواز إلى مدن المجاز

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية