أيّها القلب أبيْن الأمواج الباسمة، تتهادى أصداء قلبي، وابتسامات روحي؟
أم في أعماق الهاوية، تتمرّغ على مضض ألحاني وأنغامي؟
لتقتربْ إلى قلبي أيّها النهر المتفرّد فعسى أن يحسّ قلبي لأغانيك الضائعة، رنّة هاجعة بين ألحانك، وعسى أن تبصر روحي الكئيبةَ بين طيوف تلك الحياة القصيّة الشاردة؛ فلقد قضتْ في قلبي الأخرس نغمةُ الحبّ الثملى برحيق السماء. وتجمّدت أغنية النفس في قلب الوتر الخفوق؛ فلم تعد تسمع الحياة من وتري، أو من شفتي رنّاتِ النياحةِ والنديب. أمّا تلك النغمة الهفّافة والجذّابة، فلقد أمست كئيبة واجمة؛ وكأنّما هي طيف المساء الصامت الحزين.
كفى أيّها القلب فقد أعْتَمَ الليلُ، ونامت أغاني الأمواج بين صخور الوادي؛ وسيأتي الفجر الضحوك فيوقظها من سبات الظلام. أمّا أنت فستلبث معتما حتّى الأبد.
كفى ايّها القلب فقد أغفت أجفان الزهور، ولم تعد تبصر إلاّ الأمل الحالم بأضواء الندى. وسيأتي الصباح، فيمسح أجفانها بدموعه الطاهرة. أمّا أنت فستظلّ تائها في بيداء القنوط، بدون أن تطبق جفنيك على جداول الدموع أو تفكّر بابتسامة الآتي
أبو القاسم الشابي، «العالم الأدبي» العدد 6 أغسطس/آب 1930
لا أدري ما إذا كان بعضنا على دراية بأنّ السجال حول»قصيدة النثر» و«الشعر المنثور» بدأ منذ أوائل القرن الماضي، أي قبل ظهور «قصيدة التفعيلة» بأكثر من ثلاثة أو أربعة عقود. كان ذلك مع أمين الريحاني عام 1905 مترسّما والت ويتمان في «أوراق العشب». وهو لا ينكر هذا التأثير، ويرى أنّ ويتمان خلّص الشعر من قيود العروض والأوزان. وكتب التونسي زين العابدين السنوسي عام 1928 مقالا وسمه بـ«الشعر المنثور» كنت أشرت إليه في «القدس العربي»؛ نبّه فيه إلى أنّ هذا النمط «يشارك الشعر في خياله وحذلقته (الحذق والمهارة) الرائعة الرقراقة، وإن كان لا يتقيّد بوزن ولا يتسلسل على نظام مخصوص». ويؤاخذ بعض كتّاب المشرق الذين يمزجون مزجا غريبا بين الشعر المنثور والسجع العربي المعروف وبين الأبيات الحرّة وهي غير النثر الشعري، إذ أنّها تمتاز عليه بالاتزان؛ وإن اشترط فيها عدم التقيّد بوزن بعينه. على أنّ التمييز الدقيق هو الذي نظفر به عند سلمى الخضراء الجيوسي، فقصيدة النثر في تقديرها «تعتمد على الجملة الطويلة أو القصيرة كوحدة لها، وعلى نماذج الإيقاع من جملة إلى جملة؛ بحيث يتّبع الإيقاع المعنى والحافز والغاية، وينسجم مع الدفقة العاطفيّة، وتحدّده الصور بتتابع الألفاظ. ولعلّ إيقاعات قصيدة النثر أطول من إيقاعات الشعر المنثور، غير أنّها تبرز منها؛ وهي تلجأ إلى التوازي في العبارات والتكرار والارتكاز والنبر وتجاوب الأصوات. وقصيدة النثر تتمتّع بانسيابيّة خاصّة بها، هي من خصائص النثر أصلا، ولكن القصيدة تضبطها بفضل المزايا الإيقاعيّة التي ذكرنا من جهة، ومن جهة أخرى لأنّ القصيدة تأخذ من الشعر فجائيّته واكتنازه وشحنه وتوتّره وانخطاف رؤاه».
وأقدّر أنّ قصيدة الشابي «أيّها القلب» استئناسا برأي أستاذتنا سلمى، قصيدة نثر وليست من الشعر المنثور. وقد كان الشابي يلجأ أحيانا إلى هذ النمط من الكتابة:»وقد تناوبتني من ذلك العهد أفكار متنافرة في فترات مختلفة حببت إليّ النثر أحيانا وبغّضت إليّ الشعر، وقلبت لي ظهر المجنّ في فينات أخرى، فكرهت النثر وأحببت الشعر، أما الآن فهما خِدْنايَ في فجر الحياة وغروبها و بُلْبلايَ في اِبتسامتها وقطوبها. وإنّي وإن كنت إلى الشعر أتوق منّي إلي النثر لكنني لا أَضَنُّ على نثري بعبقٍ من عواطفي وأفكاري».
على أنّ شعر الشابي عامّة، موزونا كان أم منثورا، معقودٌ على الوجدان والانفعال. والموت الذي استأثر به في جلّ ما كتب، هو الحقيقة التي ما بعدها حقيقة، أمّا الحياة فهي «ربيع الموت» أو الرجاء في ما لا يأتي. وأكثره صور إيحائيّة مدارها على عناصر الطبيعة. وربّما أمكن ربطه بالانطباعيّة عند فرلين أكثر منه بالشعريّة الرمزيّة؛ تلك التي تنطوي عليها أفكار بودلير في التراسل أو التجاوب، حتى إن كان الشابي في هذه» القصيدة اليتيمة» التي وسمها هو أو صاحب المجلّة بـ»الشعر المنثور»؛ يستدعي الأشياء رويدا رويدا، للإعراب عن خلجات الوجدان كما يفعل الرمزيّون عادة.
إذن في سياق هذه السجال بين عرب المشرق والمغرب، يمكن أن نقرأ قصيدة النثر عنده، فلم تكن للشابي صلة تذكر بالشعر التونسي في الثلث الأوّل من القرن الماضي، وإنما علاقات بأفراد يقاسمونه رؤيته بنسبة أو بأخرى. وأقربهم إليه وهو محمد الحليوي كان مثقفا أو ناقدا جرّب الشعر، ولكنه سرعان ما انقطع عنه، ولعلّه أدرك أنّه فنّ صعب ليس بميسور واحد مثله أنه يطاول فيه الشابي أو يجاذبه مكانته.
كان الشابي إذن شاعرا عربيا بالمعنى الثقافي العميق للكلمة، وليس بالمعنى السياسي أو القــــومي الذي لم يكن يعنــــيه في شــيء. والشعر التونسي لا يمكن أن يدرس بمعــــزل عن قريـــنه في شرق البلاد العربيّة، أو عن السياق الأوروبي عامّة، أو ما يمكن أن نسمّيه «أفق الحداثة الأوروبيّة». على أنّها في ثقافتنا العربيّة عامّة عصور أو أزمنة متراكبة.
ولم يرد اسم تونس في شعره سوى مرّة واحدة، في قصيدة هي من بواكيره «تونس الجميلة». وخير دليل لذلك أعماله الشعريّة والنثريّة. فكتابه «أغاني الحياة»، وأنا أصرّ على كلمة «كتاب» بدل ديوان، عمل شعريّ يقوم على علاقة حميمة بين الرؤية والتصوّر، وليس مجرّد قصائد متناثرة لا رابط بينها كما هو الشأن في أكثر مجاميع الشعر عندنا. والانتقال من القصيدة إلى «العمل» الشعري، هو في ما يقرّره المعاصرون أحد أظهر إبدالات الحداثة وملامحها. ولصديقنا صلاح بوسريف رأي لطيف في هذا الموضوع. وقد فعل الشاعر التونسي سوف عبيد حسنا، عندما احتفظ لقصائد الشابي النثريّة التي خرّجها؛ بالعنوان الذي تخيّره الشاعر نفسه «صفحات من كتاب الوجود» ورتّبها ترتيبا زمنيّا، وهي: أغنية الألم والدمعة الهاوية وأيّتها النفس والخريف والأحزان الثلاثة وبقايا الشفق وأمام كهف الوادي وكيف يا قلبي والذكرى والنفس التائهة والشاعر والليل».
كان الشابي طرفا في هذا السجال الخصب، وهو الذي ربط تجربته بالتجارب الشعريّة الرائدة في عصره؛ تجربة شعراء المهجر وجبران تحديدا، على حين ظلّ معاصروه من التونسيّين يكتبون بلغة «نيّئة» لم تمسسها نار العصر. ولعل كتابه «الخيال الشعري عند العرب» يضمر ردّا على هؤلاء الذين تعقّلوا الشعر تعقّل العقول المنتظمة بحسب المتعارف أو المأثور في نظريّة العمود الشعري. قد تكون الجرأة خانت الشابي، وربّما حياؤه الريفي، فلم يذكرهم بالاسم، ولكنّه، على ما أرجّح، كان يعنيهم. وممّا يؤكّد ذلك نصّ آخر له قلّما تنبّه إليه الدارسون، وهو محاضرته عن «شعراء المغرب الاقصى» التي أعدّها في ضوء قراءته لكتاب محمد بلعبّاس القباج «الأدب العربي في المغرب الأقصى» الصادر عام 1929، فقد أشاح الشابي عن تقديم الجزء الأوّل من هذا الكتاب المخصوص بـ»طائفة من شيوخ المغرب الأقصى»، وكأنّه كان يشيح عن شيوخ الشعر التونسيّين في عصره، لأنّه كان ينشد «العظمة الشعريّة المنتجة التي لا ترضى بغير العالم مقعدا وبغير الانسانيّة اتّباعا» بعبارته. وكتب «سأتحدّث عن هذا الجزء الثاني من الكتاب، هذا الجزء الذي لا يفيض الا بنزعات الشبيبة وأحلامها، هذا الجزء الذي يمثّل لنا الحياة المغربيّة الحاضرة بما لها من مطامح وآمال ورغبات ونوازع، هذا الجزء الذي لا يضمّ إلاّ أشعار الشباب المغربي الطموح: هو الذي أريد أن أتكلّم عنه الليلة بما أستطيع لأنّ أغاني الشباب وأحلامه هي عنوان حياة الشعوب». ويتعزّز انطباعي أكثر عندما أعود إلى مذكّرات الشابي، فقد حاول ان يكون فاعلا في المشهد الثقافي التونسي، لكنّه سرعان ما أدرك «مصيبة المشاريع التونسيّة» بعبارته إذ «يندفع القائمون بها في العمل اندفاعا كلّه شغف وشوق وإخلاص، ولكنّه لا يدوم. فإنّه لا يلبث إلاّ قليلا حتى يخبو أواره، وتركد ريحه، وينصدع شمل الجميع…». وأظنّ أنّ حياتنا الثقافية ـ وقد «تخلّصنا» من نير الاستبداد؛ لا تزال تعاني الكثير ممّا ذكره الشابي، فقد تأسست لدينا، منذ الاستقلال، دور الثقافة والنشر والنوادي والمهرجانات والجمعيّات… ولكنّها «واجهات» أكثر منها مشاريع ثقافيّة متكاملة. وليس أدلّ على ذلك من أنّ الشابي استطاع بمفرده أن ينقل نصّه إلى أفق المشهد الثقافي العربي، على حين لا يزال كثيرون واقفين على تخومه.
حقا تبقى من الشابي أسئلته الحارقة. ومنها نتعلّم كيف تنعقد الآصرة بين «اللهب» أو النظام الصادر عن فوضى الأشياء و«البلور» أو النظام المنظّم ذاتيّا. فربّما كان هذا هو الميزان الذي حفظ لشعر الشابي شعريّته ربّما.
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي