رام الله ـ «القدس العربي»:منذ قرابة الشهر شرعت إسرائيل بشكل رسمي في تطبيق سياسة التقسيم الزماني للمسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة من القدس. ويتلخص التقسيم الزماني في منع الفلسطينيين من دخول المسجد الأقصى من السابعة والنصف صباحاً وحتى الحادية عشرة على أن تدخل في هذا الوقت مجموعات كبيرة من اليهود المتطرفين بحجة أن المسجد الأقصى بُني فوق «هيكلهم» المزعوم.
لكن الأسبوع الماضي شهد تطورات دراماتيكية وجهت الأنظار بشكل أكبر إلى ما يجري في الأقصى. فقد عمدت إسرائيل أولاً للإعلان عن المرابطين والمرابطات كتنظيم محظور ووضعت قائمة «سوادء» باسم المرابطات. وتطور الأمر لاقتحامات عسكرية واسعة للمسجد الأقصى تخللها تحطيم الأبواب التاريخية للمسجد القبلي واستخدام القناصة وتحطيم الزجاج. كما نفذ الاحتلال اعتقالات واسعة النطاق داخل المسجد وفي القدس المحتلة وأصابت العشرات بجراح.
موقف السلطة الفلسطينية جاء واضحاً على لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتحديداً عندما التقى فعاليات مقدسية في مكتبه في مدينة رام الله وقال لهم: نحن في القدس وسنبقى فيها وسنحمي مقدساتنا المسيحية والإسلامية ولن نغادر بلدنا وسنبقى متمسكين بكل ذرة من ترابها.
وأضاف الرئيس «لن نترك بابا إلا وسنطرقه من أجل أن نرفع صوت القدس عاليا. أنا مطمئن أن أمرا سيئا لن يحدث للقدس رغم ان إسرائيل تشن حربا ضروسا عليها لكن سنستمر في الدفاع عنها في كل الظروف. كل قطرة دم أريقت في القدس هي دماء زكية ما دامت في سبيل الله، وكل شهيد سيكون في الجنة وكل جريح سيكون له الثواب إن شاء الله».
وأكد الرئيس أن دولة فلسطينية من دون القدس لن تكون. وتكرر موقف السلطة الفلسطينية كذلك على لسان الناطق الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة لكن بنبرة مختلفة، حيث أكد أن استمرار الاقتحامات والاستفزازات اليومية في مدينة القدس المحتلة واستمرار استخفاف إسرائيل بالمشاعر الدينية الفلسطينية والعربية سيكون له عواقب وخيمة. وقال صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية أجروا اتصالات مكثفة على كافة المستويات لمنع تمرير مخطط الحكومة الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى المبارك عربياً مع الأردن ومصر والسعودية ودول غربية أيضاً.
وعلى صعيد الحكومة الفلسطينية فقد أكد رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله أن جل اهتمام الحكومة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية يتركز على تعزيز صمود أبناء شعب فلسطين وتثبيتهم في أرضهم خاصة في القدس. مشددا على أن هذا لا يأتي إلا بتكريس بنية مؤسساتية موحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وتقديم أفضل الخدمات لهم.
واعتبرت الخارجية الفلسطينية أن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية من تصعيد متواصل ضد القدس ومقدساتها يمثل تمادياً في العدوان الإسرائيلي الرسمي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يرزخ تحت الإحتلال والذي يتعرض لشتى ألوان الجرائم على يد قوات الإحتلال والمستوطنين والإرهابيين. ما يفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية كبرى على الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف بحكم أنها تتحمل المسؤولية في إلزام إسرائيل كقوة قائمة بالإحتلال لضمان احترام وتنفيذ هذه الإتفاقيات وما تفرضه من أساليب تعامل مع الشعب الفلسطيني المحتل ولا تسقط المسؤولية عن هذه الدول حيال الجرائم التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني وتجاه هذا الخرق الفاضح والتصعيد غير المسبوق ضد القدس والمسجد الأقصى المبارك.
ورغم تصريحات الحكومة الفلسطينية ووزاراتها إلا أن ما جرى في آخر جلسات الحكومة الأسبوعية الثلاثاء الماضي وخلال اقتحامات الأقصى ووقوع إصابات وتخريب واعتقالات جعل الشارع الفلسطيني ممتعضا بشدة من الموقف الرسمي للحكومة الفلسطينية.
فقد خرج بيان الجلسة الأسبوعية للحكومة «مستنكراً» ما يجري في القدس والمسجد الأقصى لكن كل قرارات الجلسة كانت تتعلق بموعد التوقيت الشتوي وأجازة عيد الأضحى وصرف جزء من الراتب قبل العيد وتخفيض تعرفة الكهرباء. وهي شؤون تهم المواطن الفلسطيني لكنه شعر أن وطنه ومقدساته وجب أن تكون أهم بكثير لحكومته من أي تفاصيل أخرى.
لكن الكارثة بالنسبة للشارع الفلسطيني جاءت عندما طالبت عدة جهات فلسطينية بعقد مؤتمر إسلامي عربي طارئ من أجل حماية المسجد الأقصى فوصلت بعض المعلومات تقول أن دولة عربية اقترحت عقد هذه القمة الطارئة منتصف العام المقبل 2016. وهو ما أكد للفلسطينيين وللمقدسيين على وجه الخصوص أنهم تُركوا يحاربون وحدهم.
وبسبب عدم وجود سلطة فعلية على الأرض فإن المقدسيين يقاومون الاحتلال وحدهم وهم من يتكفلون بحماية المدينة المقدسة ومقاماتها الإسلامية والمسيحية على حد سواء. ويتخوف الشارع الفلسطيني بجدية من أن تذهب الأمور في المسجد الأقصى على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية. فقد جرى تقسيمه في السابق زمانياً في بادئ الأمر ثم تبعه التقسيم المكاني حتى أنه بات يغلق تماماً في وجه المسلمين في الأعياد اليهودية ويُمنع فيه رفع الآذان عشرات المرات خلال العام للسبب ذاته. وصادف الأسبوع الذي تعرض فيه المسجد الأقصى لاقتحامات وتخريب أن أغلق الحرم الإبراهيمي ثلاثة أيام متواصلة في وجه المسلمين.
وتسيطر إسرائيل على أبواب المسجد الأقصى المبارك حتى أنها سرقت مفتاح باب المغاربة الأقرب إلى الأقصى فور احتلال القدس في العام 1967 لتقول أن لها في هذا المكان ما تملك. وتعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إغلاق البوابات الرئيسية الخارجية للمسجد لتتمكن من التحكم بالداخلين إليه وكثيراً ما تعمل على مصادرة بطاقات الهوية الشخصية لهم لتسهيل اعتقالهم في حال شاركوا في التصدي للمتطرفين اليهود.
كما يشعر المقدسيون أن أهل الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء لم يظهروا التضامن الكافي مما يحدث في القدس والمسجد الأقصى. فأكثر ما فعلته الفصائل الفلسطينية في رام الله هو اعتصام على دوار المنارة وسط المدينة تضامناً مع الأقصى بينما انشغلت غزة وأهلها بمشكلة الكهرباء ومشاكلهم المتراكمة بعد العدوان الإسرائيلي العسكري الأخير قبل عام تقريباً. ولم يخرج عن الفصائل في غزة أكثر من بيانات شجب واستنكار.
فادي أبو سعدى