توفي الشاعر الفلسطيني طه محمد علي في الثاني من تشرين الأول/اكتوبر من عام 2011، بعد أن عاش نحو 80 حولا، وأصدر خمسة دواوين شعرية. ولأنه لم يعرف انتشارا واسعا في بلاد الغربة، وفي فلسطين المحتلة نفسها؛ لذا فإننا هنا نحاول المساهمة في التعريف به وبإصداراته الشعرية.
في كتابه المعنون «التطهير العرقي في فلسطين» روى المؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي إيلان بابيه حكاية ما جرى للفلسطينيين في العام 1948، والنكبة التي أنزلها الصهاينة بالشعب الفلسطيني، وارتكابهم المجازر للسكان وتدمير قراهم وبلداتهم، وهي رواية تعاكس تماما ما روجت له المصادر الصهيونية الرسمية، والتي اعتبرت بأن ما حدث في عام نكبة الفلسطينيين ما هو إلا يوم استقلالهم!
في ذلك الكتاب الموثق توثيقا أكاديميا نابها ودقيقا، والصادر في العام 2007 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت من ترجمة أحمد خليفة عن العبرية، أورد المؤلف في المقدمة قصيدة للشاعر طه محمد علي بعنوان «لم يكن» تصور بدقة حالة الفلسطيني عندما انتزعته القوى الصهيونية الغاشمة من حضن بيته وأرضه، جاء فيها:
«نحن لم نبك ساعة الوداع/ فلدينا لم يكن وقت/ ولا دمع، ولم يكن وداع!/ نحن لم ندرك/لحظة الوداع/ إنه الوداع/فأنى لنا البكاء!»
هذا يؤشر إلى أن شعر محمد علي كان له حضوره في أوساط اليسار الإسرائيلي – المعادي للصهيونية – وفي أوساط المعنيين بمتابعة الحركة الأدبية الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة، بحسب ما ذكر الكاتب أنطوان شلحت في مقالة له بعد وفاة الشاعر في صحيفة الحياة (5/10/2011) جاء فيها: «وعندما ترجمت مختارات من قصائده إلى اللغة العبرية بقلم أنطون شماس، وصدرت في كتاب من منشورات أندلس في العام 2006، اعترف بعض النقاد الإسرائيليين، في لحظة صراحة؛ يمكن القول أنها كانت نادرة، إن قراءة شعره من شأنها أن تجعل المتلقي الإسرائيلي يدرك أنه يقف في مقابله شعب فلسطيني مرتبط بأرضه، ليس أقل من ارتباطنا بها، ولا ينوي أن ينسى هذه الرابطة».
خمسة دواوين
إذن فإن شعر حمد علي كان له حضوره في خريطة الأدب العربي في فلسطين المحتلة، خصوصا إذا ما عرفنا أنه صدر له خمسة دواوين شعرية ومجموعة قصصية واحدة هي «سيمفونية الولد الحافي» صدرت في العام 2003. أما دواوينه الشعرية فهي: «القصيدة الرابعة، وعشر قصائد أخرى» في العام 1983، و»ضحك على ذقون القتلة» 1989، ومنه قصيدته «تحذير» جاء فيها «إلى هواة الصيد وهواة القنص/ لا تصوبوا غداراتكم إلى فرحي/ فهو لا يساوي ثمن الخرطوشة/ فما ترونه/ أنيقا وسريعا كغزال/ ويفر في كل اتجاه/ كديك حجل/ ليس فرحا/ صدقوني / فرحي لا علاقة له بالفرح!». ثم أصدر ديوان «حريق في مقبرة الدير» في العام 1992، و»إله، خليفة، وصي وفراشات ملونة» في العام 2002، وفيه قصيدته «فلاح» المكتوبة في العام 2000، وجاء فيها : فلاح / ابن فلاح/ بي سذاجة الأم/ ولي مكر بائع سمك/ لا أوقف الجرش/ وفي حلق جاروشتي قبضة حب/ ولا أكف عن الحرث/ ما بقي في خرجي/ من بذاري ملء كف».
الواضح إن صورها بقيت مستكينة في طبقات ذاكرة الفتى الشاعر قبل النكبة الفلسطينية، عندما كان يساعد أهله في فلاحتهم وشؤونهم الأخرى، فهو من مواليد العام 1931، وصدر ديوانه الخامس «ليس إلا» في العام 2006، ووردت فيه قصيدة «لم يكن» التي أشرنا إليها من قبل. هذا ويمكن الإشارة إلى أنه وإضافة إلى ترجمة أشعاره إلى اللغة العبرية، فإنها ترجمت إلى اللغة الإنكليزية بترجمة من مستشرق أمريكي إسرائيلي هو بيتر كول، مع يحيى حجازي، وصدرت في كتاب بطبعتين في العامين 2000 و2006، وفي العام 2009 أصدرت زوجة كول (أدينا هوفمان) سيرة ذاتية بالإنكليزية لطه محمد علي في كتاب بعنوان «فرحي لا علاقة له بالفرح» وهي أي الجملة – العنوان – وردت في قصيدته «تحذير» التي أشرنا إليها.
كما وصدرت ترجمة أخرى لأشعاره إلى الفرنسية منذ أشهر قليلة، تولاها الكاتب أنطوان جوكي. كما ويمكن الإشارة إلى أن بعض قصائده نشرت في مجلات محلية في فلسطين المحتلة في سبعينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تلفت الأنظار إليه في تلك الفترة.
الحياة مدرسة أيضا
مع ذلك وعلى الرغم من هذا النتاج المتتابع، فإن الحواضر العربية خارج الأرض المحتلة لم تنتبه إلى هذا النتاج، ولم يبادر أحد من الناشرين العرب إلى تلقفه ونشره كغيره من شعر أدباء الأرض المحتلة. وهذا يعود ربما إلى عدة أسباب، من بينها: إن نشر شعر محمد علي قد حصل بعد موجة الاكتشافات والاهتمامات بأدب وأدباء الأرض المحتلة في ستينيات القرن الماضي، مع بروز المقاومة الفلسطينية في ستينيات ذلك القرن أيضا، وتشجيعها وتبنيها لشعر وأدب الأرض المحتلة، الذي أظهر مدى معاناة الشعب الفلسطيني في مواجهته للاحتلال وقوانينه وإجراءاته الظالمة. ومثّل ذلك الأدب رافعة وعلامة على التحدي والتمرد والانتماء إلى الأرض والإنسان.
ويبدو إن الشاعر حمد علي لم ينتم إلى مجموعة سياسية، كان يمكن أن تساعد في نشر وانتشار نتاجه الأدبي، وكان يمكن أن تكون جسرا لتوصيله إلى خارج الأرض المحتلة، علما إن نتاج الشاعر كان وما زال من الأجود في الأرض المحتلة، بحسب اجتهاد بعض الكتاب. وهذا يدلل بأن الشعر والأدب بشكل عام يحتاجان إلى حامل من خارجهما في بعض الأحيان.
ويمكن الإشارة إلى أن تأخر الشاعر محمد علي في نشر شعره، قد حصل بسبب انشغاله في تدبير أمور حياته وعائلته المعيشية، كما أنه وهو الذي خرج من المدرسة الرسمية بعد وصوله إلى الصف الرابع الابتدائي، وبحسب مصادر أخرى إلى الصف السابع الابتدائي، ولم يعد إليها أبدا، ليلتحق بمدرسة الحياة ويمارس أعمالا كثيرة، إلى أن اهتدى إلى فتح محل لبيع «التذكارات» والصحف والمجلات والكتب والتحف بالقرب من كنيسة البشارة في الناصرة، وقد جعل من ذلك المحل وذلك العمل مدرسة له، تعلم وقرأ فيها وجوّد في لغتين العربية والإنكليزية، واستمر مداوما على عمله ذاك حتى أيامه الأخيرة في الحياة، وكان يقرأ كثيرا ويبيع قليلا.
ولد الشاعر في بلدة صفورية الجليلية والتي تبعد عن مدينة الناصرة نحو سبعة كيلومترات من شمالها الغربي في العام 1931، كما ذكرنا من قبل، لجأ مع كثيرين من أهل بلدته إلى لبنان بعد مقاومتهم للصهاينة، وقتل من بينهم عشرات المقاتلين، ثم عاد متسللا وبصعوبة شاقة بعد أشهر قليلة مع قسم من أهله ليجد بلدته وقد دمرت، فالتحقوا بغيرهم من أهل صفورية الذين بقوا في فلسطين وبنوا حيا لهم في الناصرة، وهناك تابع حياته ونشاطه بعد أن حرم من خطيبته التي بقيت في لبنان، ولم يرها إلا بعد الغزو الصهيوني للبنان عام 1982 بعد أن كبرا وأصبح لهما من الأبناء والأحفاد الكثير.
دعابات معصورة من حياة شقية
عندما عرفت أنه من بلدة صفورية، فإنني أنا الصفوري المولود فيها قبل النكبة بسنوات قليلة، لم أجد ما يسعف ذاكرتي عن اسم عائلة تحمل هذا الاسم في البلدة، كون الاسم طه محمد علي يوحي بالبتر. لذلك فإنني لجأت إلى بعض كبار السن، وسألتهم عن عائلة الشاعر، فذكر بعضهم إن أفرادا من عائلته نزحوا إلى مخيم نهر البارد وما زالوا هناك، وهم ينتمون إلى أكبر عائلة في صفورية – عائلة متعددة الفروع – ويبدو إن حادثا ما جعل أفرادا من العائلة يتوقفون عن ذكر انتمائهم إلى اسم العائلة كاملا، وقصروه على محمد علي. وكان لافتا ما ذكره عدد منهم، بأن الدعابة والسخرية والحذر هي جزء من صفات حياة أفراد في هذه العائلة الكريمة، لذا فإن أشعارا كثيرة من نتاج طه محمد علي كانت تحمل هذه الصفات، حيث ذكر الشاعر نجوان درويش ملامح من شعر طه محمد علي بقوله: «شعر طه في بعض مناطقه، هو المرثاة الفلسطينية الأشد قسوة، وفي مناطق أخرى تترعه حكايات طفولية وسير أهل صفورية، شعر يطفح بدعابات معصورة من حياة شقية». وذكر في مقطع آخر «أحيا طه محمد علي في عالمه الشعري والقصصي المشيد بأسماء وأمكنة واستعادات باهرة لرؤى ذلك الصبي الذي كان يرندح براءته وراء الفراشات الملونة في حواكير صفورية، هذه البراءة سرعان ما كسرتها بشاعة الاحتلال ومرارة اللجو»، بحسب ما جاء في مجلة الحرية الاسبوعية (16/5/2010).
أما الكاتب أنطوان شلحت فقد ذكر ملامح وخصائص من شعر الشاعر: «لم ينشأ طه محمد علي وسط ظاهرة شعر المقاومة الفلسطينية، غير أن ما أنتجه على مدار مسيرة شعرية مكثفة أطلقها على الملأ في سن متقدمة منذ أوائل ثمانينيات القرن الفائت، لا يقل في سياق الشعر الفلسطيني الحديث سطوعا وتميزا عن تلك الظاهرة، لأن أصل المقاومة في هذه التجرية منذ بداياتها أنها كانت بمثابة نشدان لفن الشعر الصافي».
أخيرا، فقد لوحظ أن أغلب من كتب عن تجربة الشاعر هم كتاب من داخل فلسطين المحتلة، وهذا يدلل على إن نتاجه لم يصل إلى القراء والمتابعين خارجها إلا في أندر الحالات.
سليمان الشّيخ