القاهرة ـ «القدس العربي»: ركزت الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 25 أغسطس/آب على بدء الرئيس عبد الفتاح السيسي زيارته لروسيا والاتفاقيات التي سيوقعها هناك وأهميتها.
في الوقت نفسه أشارت الصحف إلى إنهاء أمناء الشرطة مظاهراتهم، كما بدأ الاهتمام يتوجه إلى بدء رحلات الطيران لنقل الحجاج، وحملة «بلاها لحمة» الداعية لمقاطعة اللحوم بعد أن وصل سعر الكيلو إلى مئة جنيه. ومن الأخبار الأخرى انفجار قنبلة كانت مزروعة في الطريق في أتوبيس للشرطة في محافظة البحيرة، أدى إلى مقتل ثلاثة وإصابة ستة وثلاثين وإحالة محكمة جنايات الجيزة أوراق اثنين من الإخوان من أعضاء التراس ربعاوي إلى المفتي. وإلى بعض مما عندنا..
السيد البابلي:
نحن في مرحلة نكون أو لا نكون
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على أزمة أمناء الشرطة ومحاصرتهم مديرية أمن الشرقية وإغلاقهم عددا من الأقسام والمراكز، بسبب ما قالوا إنه عدم تلبية مطالبهم الاقتصادية، وقد تدخلت قوات الأمن المركزي ضدهم، بإطلاق الغازات عليهم ثم قرارهم بتعليق الاعتصام انتظارا لتنفيذ وعود بتلبية مطالبهم، ما دعا زميلنا في «الجمهورية» السيد البابلي إلى أن يقول يوم الاثنين في بابه اليومي «رأي»: «اللي يلاقي الدلع وما يدلعش يبقى غلطان.. ومطالب أمناء الشرطة في محافظة الشرقية فيها من الدلع أكثر مما فيها من المعقول والمشروع.
ولننظر إلى بعض ما جاء في هذه المطالب.. زيادة بدل المخاطر إلى 100٪ من الأساسي. وصرف 90 ألف جنيه من صندوق التحسين عند الخروج للمعاش. وصرف المعاش الشهري على آخر راتب تم قبضه من استمارة الصرف، وصرف قرض حسن للأفراد والخفراء والمدنيين من قسم العلاقات العامة أسوة بالضباط. وهناك قائمة أخرى من المطالب تتعلق بالعلاج والترقيات ومعاملتهم معاملة الضباط. وإذا كان الأمناء قد قرروا أن يخرجوا عن منظومة الانضباط الأمني وأن يحاولوا تنفيذ مطالبهم بهذا الأسلوب الذي أدانه واستهجنه المجتمع. فإن باقي موظفي الدولة وهم يستمعون لهذه المطالب فإنهم يجب ألا يفكروا في الاعتصام أو الإضراب أو التظاهر فعليهم أن يلوموا أنفسهم فقط.. ليه ما طلعوش أمناء شرطة.. وتعالوا نقارن حالا بحال.. أمناء الشرطة بالأطباء.. فأمناء الشرطة يبحثون عن بدل مخاطر 100٪ وقرض حسن ومكافأة نهاية خدمة.. وحاجات كثيرة.. أما الأطباء فإن الطبيب الشاب يتقاضى خمسة جنيهات ونصف الجنيه في الساعة.. ولذلك فإن الأطباء قرروا تنظيم وقفة احتجاجية يوم 14 سبتمبر/أيلول المقبل تحت عنوان «مش هنشتغل ببلاش» احتجاجاً على ضعف أجورهم.. وللأطباء كل الحق في أن تكون لهم وقفة وأن يعبروا عن إحباطهم ومعاناتهم.. فقد كافحوا دراسياً وعلمياً لسنوات طويلة وكانوا من المتفوقين في الدراسة، وإلا ما كانوا قد التحقوا بالطب، ومع ذلك وجدوا أنفسهم في مؤخرة قائمة الأجور، حيث متوسط أقل عامل في الدولة يزيد على ثمانية جنيهات ونصف الجنيه في الساعة بينما الطبيب خمسة جنيهات..
ولكننا مع ذلك ضد الوقفات الاحتجاجية بكافة أنواعها الآن وضد التجمعات والتظاهر وإثارة الأزمات لأن البلد وبصراحة لم يعد يتحمل ضغوطاً جديدة. ولأن الشارع يعاني من أزمات متفاقمة ومن وجود قوى إرهابية تتربص بنا وتبحث عن القلق والفوضى.
صحيح أننا لا نؤيد مقايضة الحريات بالأمن والاستقرار. ولكن الحقيقة الأهم هي أننا لسنا في مرحلة تسمح برفاهية الديمقراطية بقدر ما هي مرحلة نكون أولا نكون..».
أخطاء بعض الأمناء
في التعبير عن مطالبهم
وفي «أهرام» يوم الاثنين نفسه تعاطف زميلنا أحمد عبد التواب مع الأمناء بقوله:
«هناك خلفية تاريخية مهمة تُفسِّر كثيرا من مشاكل أمناء الشرطة، التي ينبغي أن نعترف بداية أن معظمها بسبب حساسيات شديدة بين الأمناء والضباط، مما له تأثير مادي يومي في تجليات مكانة كل من الفريقين وفي تعاملهما معا، وهو أمر ينبغي التعامل معه من دون لفّ أو دوران، مهما كان في ذلك من مواجهة صعبة مع الواقع. وهذا، بالطبع، لا ينفي أن هناك مطالب موضوعية عادلة للأمناء كان من المفترض أن يتعاطف معهم الرأي العام فيها، لولا أخطاء بعضهم في كيفية التعبير عن مطالبهم، وفي كيفية إبداء التذمر والاحتجاج على ما يرونه عدم استجابة أو تسويفا. كما ينبغي الاعتراف لأمناء الشرطة، بدورهم الوطني العظيم، مع زملائهم الآخرين في هيئة الشرطة، ومع ضباط وأفراد القوات المسلحة، في إعادة قدر كبير من الأمن الذي تعرَّض لتهديدات شديدة على يد الإخوان وحلفائهم منذ أن نجح الشعب في الإطاحة بحكمهم، وبأنهم لم يتقاعسوا في دفع ضريبة الدم، وتقديم الشهداء والجرحى في سبيل حماية الشعب، وظهرت في صفوفهم بطولات حقيقية لا تقل عما قدَّم الأبطال الآخرون. بعد الإقرار للأمناء بكل هذا، لا يجوز السكوت عن التجاوزات، التي تصل أحياناً إلى انتهاكات للقانون تشوِّه هذه الإنجازات».
«شماعة الإخوان»
وننتقل من «الأهرام» إلى «الوطن» ومقال محمود خليل الذي عنونه بـ «الدنيا دوارة» قائلا: «قوات الأمن المركزي تستخدم القنابل المسيلة للدموع والهراوات لتفريق أمناء الشرطة الذين اقتحموا مديرية أمن الزقازيق واعتصموا فيها. هذا المشهد كان محط سخرية الكثيرين، بعضهم تندّر على الشرطة التي تضرب في الشرطة، وتوقف آخرون عند الهتافات المتبادلة، ومعايرة الأمناء للضابط «أبو خمسين في المية»، ومعايرة الضباط للأمين «أبو إعدادية»، وهناك من بهرته فكرة أن الشرطة تضرب في الشرطة، وأن ذوي البدل البيضاء ينتقمون من بعضهم بعضا. من سخر من هذا المشهد كان له عذره، لأنه يستحق السخرية بالفعل، ولكن دعك من كل هذا وتعال نتوقف أمام بعض المعلومات التي تناثرت على هامش «المعركة» المستعرة. (…) الحجة الأساسية التي احتج بها الأمناء في رصّ هذه المطالب تتمثل في «المساواة بالضباط»، بحكم أن الكل يعمل تحت يافطة الشرطة، وإذا كان «ضباط الشرطة» يحصلون على هذه المميزات الكبيرة، نظراً للدور الذي يقومون به في ضبط وربط أحوال البلاد والعباد، فإن أمناء الشرطة يرون أن دورهم في القيام بهذه المهمة المقدسة لا يقل خطراً، إن لم يزد، وبذلك يبررون لأنفسهم المطالبة بهذا السيل من المميزات المالية. من حق كل إنسان أن يسعّر دوره بالطريقة التي يرتضيها، لكن أرجو أن يتعلم الأمناء الذين تغذوا على غاز وهراوات الأمن المركزي أن يكونوا أكثر رفقاً – في ما بعد- بالمتظاهرين، لأن الدنيا دوّارة.
المعلومة الثانية جاءت على لسان مصدر أمني أكد فيها أن حراك الأمناء جاء بتحريض من عناصر إخوانية. تكشف لك هذه المعلومة عن مستوى تفكير بعض القيادات لدينا، فهم يرددون بصورة بائسة الحجة نفسها في مواجهة كل مشكلة، ويعلقون خيبتهم، في حلها، على الشماعة نفسها: «شماعة الإخوان»، من دون أن يدركوا خطورة ذلك. فإذا ذهبنا مذهب هؤلاء وقلنا إن مظاهرات أمناء الشرطة اندلعت نتيجة تحريض عناصر إخوانية فسنصبح أمام مشكلتين شائكتين: الأولى أن تكون هذه العناصر من داخل الأمناء، ويعني ذلك ببساطة أن هذا القطاع الشرطي مخترَق، ويحق لنا – في سياق ذلك- أن نتساءل: كيف تم هذا الاختراق، وفي أي ظروف، وكيف تم السماح به، وإذا كانت الداخلية مخترَقة، فما حال باقي مؤسسات الدولة؟ المشكلة الثانية تظهر إذا اعتبرنا هذه العناصر من خارج الشرطة، وهي مشكلة أشد صعوبة، لأن ذلك يعني أن الإخوان أصبح لديها القدرة على التحرك في أوساط الفئات الغاضبة، وتحريكها، ودفعها إلى المواجهة، وهو أمر شديد الفكاهة، لأنه يصب من جديد في نظرية الدنيا دوّراة».
جهاز الشرطة
ليس على قلب رجل واحد
ونبقى في الموضوع نفسه ومقال رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين في عدد أمس الثلاثاء ومما جاء فيه: «الحمد لله أن مشكلة إضراب أمناء الشرطة ــ خصوصا في محافظة الشرقية ــ انتهت مؤقتا في وقت مبكر من صباح يوم الاثنين. الحمد لله أنه لا ضحايا باستثناء بعض المصابين في اليوم الأول للاعتصام. رغم ذلك، فإن هناك شررا كثيرا تطاير يوم الأحد الماضي، إن لم ننتبه له، فسوف يؤدي إلى حريق كبير لا يعلم مداه إلا الله.
ليس عيبا أن تكون هناك مطالب فئوية لأمناء وأفراد الشرطة، شأنهم شأن العديد من فئات المجتمع، الذين لديهم تقريبا مطالب فئوية ومعظمها عادلة، لكن الجدل يدور حول الوقت المناسب لتلبيتها والجدول الزمني لذلك، وهل هناك موازنات ومخصصات مالية كافية لذلك أم لا؟ والأهم كيف تقتنع غالبية الشعب بأن هناك سياسات عامة سوف تؤدي خلال فترة محددة إلى تحسن الأوضاع المعيشية المتفاقمة؟ المطالب التي رفعها أمناء وأفراد الشرطة خلال احتجاجهم، تمثلت في صرف حافز الأمن العام، وزيادة بدل المخاطر، وزيادة المعاشات وصرفها على أساس آخر راتب، وزيادة مكافأة نهاية الخدمة، وتحسين الخدمة الصحية من خلال إنشاء مستشفى خاص بهم، والموافقة على التدرج الوظيفي، وعدم نقل الأفراد إلا بعد الإدانة القانونية. يمكن الجدل والنقاش حول هذه المطالب، وما هو العاجل منها وينبغي تلبيته قبل 5 سبتمبر/أيلول المقبل، وما هو الذي يمكن تأجيله، لكن الشرر والخطر الحقيقي الذي كشفته هذه الأزمة هو أن جهاز الشرطة ليس على قلب رجل واحد.
عندما يهتف أمناء الشرطة ويعايرون الضباط بأنهم حاصلون على خمسين في المئة في الثانوية العامة، ويرد عليهم الضباط بأنهم «ساقطو إعدادية»، عندما يحدث ذلك، فالمؤكد أننا إزاء وضع اجتماعي في غاية الخطورة. الطبيعي أن الضباط والأمناء في مركب واحد، خصوصا هذه الأيام، فهم جميعا يواجهون معركة دامية ضد الإرهاب ويسقط الشهداء منهم معا برصاص الإرهابيين، الذي لا يفرق بين أفراد وضباط الشرطة والجيش على أساس الدرجات والرتب. عندما تكون تلك هي المشاعر بين أفراد وأمناء وضباط الشرطة، فعلينا كمجتمع أن نبدأ بالفعل في القلق الحقيقي على مستقبل أمن واستقرار هذا الوطن. تكشف هذه الأزمة عن وجود ما يشبه المشكلة الطبقية داخل جهاز الشرطة. لدى الأمناء والأفراد إحساس عارم بأن الضباط يمارسون عليهم الاستعلاء الممنهج، وإذا صح ذلك، فكيف يمكن لهم معا أن يواجها الإرهاب والفساد والمجرمين؟ بعد ما حدث في الأيام الماضية، كيف يأمن الضابط أن أمين الشرطة وهما يواجهان أحد الإرهابيين سوف يحميه أو العكس؟».
لعبة المال
في الانتخابات المقبلة
وننتقل الآن الى موضوع الانتخابات لنقرأ ما كتبه عنها جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» الذي بدأ مقاله قائلا: «في الانتخابات البرلمانية المقبلة، التي مازالت «محتملة»، لأن فكرة تأجيلها أو تعليقها مازالت مطروحة، صراع المال سيكون شبه محصور بين الإمارات ورجل الأعمال المعروف نجيب ساويرس، فهما الجهتان الوحيدتان القادرتان على إنفاق مئات الملايين من الجنيهات على تلك الانتخابات، وأن الإمارات قد تعيد تطبيق نموذجها «الناجح» في تونس وليبيا، عندما استطاعت تمكين الأجنحة الموالية لها من السيطرة على البرلمان في البلدين، الإمارات قد ترصد ما مقداره مليار دولار «ثمانية مليارات جنيه مصري» للانتخابات المقبلة، بما يعني أن المقعد الواحد «خمسمئة مقعد تقريبًا» سيتكلف حوالي ستة عشر مليون جنيه، تكلفة الدعاية والدعم المادي وشراء الأصوات والتغطية الإعلامية. اليوم نشرت الصحف المصرية خبرًا في حيز صغير، أعتقد أنه مؤشر على التحفز الإماراتي لاختراق البرلمان المقبل، وربما يكون خطوة تمهيدية أو تجريبية بسيطة، والخبر يقول إن الإمارات قررت تمويل جمعية خيرية أسسها المخرج السينمائي المعروف خالد يوسف، الموالي للنظام السياسي المصري الجديد، والمقرب من الإمارات، والجمعية الخيرية التي تهدف لتنمية المجتمع مقرها في مدينة كفر شكر في محافظة القليوبية، وهي المقر الانتخابي لخالد يوسف أيضًا، وإن السفير الإماراتي في القاهرة سيقوم يوم الثلاثاء بتسليم مئتين وخمسين ماكينة خياطة، مهداة من سفارة الإمارات في مصر لجمعية «يوسف حلمي» لتنمية المجتمع التي، أسسها ويشرف عليها المخرج السينمائي خالد يوسف، وذلك لمساعدة الأسر المعيلة في تلك المنطقة، ومن المعروف أن الجمعيات الأهلية الخيرية هي البوابة الخلفية الرئيسية للقوى السياسية في كسب أصوات الناخبين في الدوائر التي يترشحون من خلالها، وكانت هذه المسألة من الانتقادات الأساسية التي توجه إلى جماعة الإخوان والتيار الإسلامي بشكل عام، في ما يعرف بالأبواب الخلفية للانتخابات. الدعم الإماراتي الجديد الذي تقدمه السفارة للمخرج السينمائي والمرشح البرلماني المقبل خالد يوسف يأتي بعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات عن بدء أعمالها وتأكيد رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء أن انتخابات البرلمان ستكون قبل نهاية العام الحالي، أي بعد شهرين أو ثلاثة أشهر على الأكثر، وبالتالي من الصعب أن تفصل هذا «الحنان» الإماراتي الجديد عن التمهيد للانتخابات المقبلة، وهو ما يدعونا إلى إعادة التأكيد على خطورة «الأبواب الخلفية» في الانتخابات المقبلة، وأن الاختراق الإماراتي سيبحث عن أبواب متعددة وصيغ مختلفة تفاديا للرقابة التي من المفترض أن تقوم بها اللجنة العليا للانتخابات على عمليات الإنفاق وسقفها القانوني، رغم أنها رقابة ثبت بالتجربة أنها شكلية وغير عملية، وأقرب إلى «التهويش» منها للجدية والحقيقة، والكل يعلم أن أغلب المرشحين يخترقون سقف الإنفاق المحدد للدعاية. كما قلت في مقالي السابق، ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة في الكشف عن لعبة المال في الانتخابات المقبلة، وكلما اقتربنا أكثر من موعد الانتخابات تكشفت عمليات الاختراق بصورة متسارعة وأكثر جرأة».
الصحافة والرقابة
وبرزت أزمة أخرى غير أزمة الأمناء والانتخابات وهي تعرض بعض الصحف إلى نوع من الرقابة لحذف بعض الأخبار أو الموضوعات منها، وفرم النسخ التي طبعت منها. وتكرر الأمر من قبل عدة مرات إلا أن صحف «صوت الأمة» و»المصريون» و»الصباح» وهي أسبوعية مستقلة تعرضت في الأيام الماضية إلى هذه المشكلة، التي قال عنها يوم الاثنين زميلنا في «التحرير» وائل عبد الفتاح في عموده اليومي «مفترق طرق»: « من يصدر وقف الطبع؟ فرم الصحف؟ تغيير الصفحات؟ يقولون عادة الخبر من دون إشارة إلى صاحبه، كأنه قوة عليا، إرادة خفية تعمل في ظلام ما. «الأهرام» كمطبعة تعلن عدم مسؤوليتها ومندوب القوة العليا ينفذ من دون برنامج ولا خبرة.. تحركه هستيريا وقوة أو حاسة مفرطة لا تجعله يدرك الفرق بين «البلد» (بما تعنيه من التعدد/ والاختلاف/ وعدم مركزية الخضوع لقائد واحد/ والتساوى) وبين «المعسكر» الذي لا بد فيه من تنفيذ أوامر/ الخضوع لها ولو خطأ/ تقديس القائد، إلى آخر القواعد الهرمية المعروفة، والسؤال: هل هذا يعني عودة الرقابة على الصحف؟ وهو سؤال ساذج، لكن الأدق: هل لم تعد رقابة رؤساء التحرير والمالكين تكفي؟ أم أن الطبقة الحاكمة تشكلت على عجل، ولم تأخذ وقتها في فرض إضافاتها على ما تركته لها الطبقات المنقرضة في الحكم؟ بمعنى أبسط: هل هذه قواعد جديدة؟ أم أنه «غربال جديد»؟ يبدو أن الغرض هو الإعلان عن وجود لهو خفي لا بد أن تصنع له حسابا في تفكيرك الموضوع أكبر من منع تقرير عن زيارة الرئيس السيسي لوالدته في أثناء مرضها «صوت الأمة»، أو تقرير آخر منقول من «الغارديان» عن القلق من زيارة لندن، التي يقام فيها ضد السيسي عدد من الدعاوى القضائية «المصريون»، أو مقال عن محمد بدران الذي أصبح يطلق عليه إعلاميا: الطفل المدلل «الصباح»، هذا يعني أن الممنوعات نشرت على نطاق أوسع، وهو ما يعني أن المطلوب أكبر من الاعتداء على حرية الصحافة/ أو انتهاك حريات التعبير/ لكن أن يصل اللهو الخفي للرقابة إلى الرأس/ ويقيم ممددًا ساقيه ونائما في وضع مستريح، هل هذا هو الهدف؟
تغيير المفاتيح القديمة، أو اللاعب القديم الذى يقال له الآن إن كنت محترفا اترك لنا فرصة لنلعب لعبتنا. هذا ما يقال لبارونات التخريب الصحافي في العشرين سنة الأخيرة من مبارك، بارونات من المصرح لهم بالثروات أو بالصعود على خرابات الصحافة».
نريد أن نحيا
في وطن يتسامح مع النقد
وفي اليوم التالي الثلاثاء شن زميلنا مجدي شندي رئيس تحرير «المشهد» الأسبوعية المستقلة هجوم عنيفا جاء فيه: «تدخلت مؤسسة الأهرام ذاتها بعد ثلاثة وثلاثين عاما من هذه الواقعة، لتمنع طباعة صحيفتين في أسبوعين متتالين، ليس لجرأة على الله، جل في علاه، ولكن لمجرد أن الأولى «صوت الأمة» نشرت موضوعا بعنوان «أحزان الرئيس» تناول زيارته لوالدته في المستشفى، وأغلب الظن أنه موضوع إنساني من الدرجة الأولى، فرئيس تحرير الصحيفة يعرف بمواقفه المؤيدة – وأحيانا المبررة – لكل خطوة يتخذها رئيس الجمهورية، ولم يتم الاكتفاء بوقف الطباعة وإنما جرى فرم النسخ، وكأن الرئيس لا يحزن. أما جرم الصحيفة الثانية فلم يكن سوى نشر مقال يتناول شخص محمد بدران وهو ناشط شاب مقرب من رئيس الجمهورية، بعنوان «كيف تصبح الطفل المدلل للرئيس في تسع خطوات؟»، وبالطبع لم يكن السبب بدران ذاته، فهو لا وزن له في عالم السياسة والسياسيين، وإنما بسبب ورود اسم الرئيس ورد الواقعة للتدليل على انتهاك المقدس، من دون وجل، وفرض القداسة على الذات الرئاسية من دون حق. فالدستور والقانون يتيحان النقد لكل شخص يعمل بالعمل العام، كما نقل عن الإمام بن حزم قوله «من عمل بالعموم فليتصدق بنصف عرضه»، أي من اشتغل بالعمل العام فليتحمل النقد والتجريح. لم يقم المصريون بثورتين حتى تصادر صحف لمجرد ذكر اسم الرئيس، نريد أن نحيا في وطن يتسامح مع النقد ولا يصنع غلالة من القداسة حول شخص، وفرق كبير ما بين التقدير والتقديس، هل يعلم السيسي بما يجري؟ أم أنه يكتفي بتقارير تصور له ما يجري على هوى كاتبها؟ في الحالتين تكون مصر على خطر عظيم.
طبعا علينا ملاحظة أن «التحرير» و»المشهد» تتم طباعتهما في مطابع صحف حكومية ويتم توزيعهما بواسطة شركات توزيعها، فإذا كانت المسألة رقابة فقط فقد كان من الأولى معاملة «التحرير» و«المشهد» كما تم التعامل مع «صوت الأمة» و«المصريون» و«الصباح»، لأن ما نشرناه أخطر وأعنف وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عن حقيقة ما يحدث وأسبابه قبل التسرع في الحكم، خاصة أن جميع أجهزة الأمن والرئاسة لا رغبة لديها في إثارة غضب الصحافيين وإدراكها خطورة الصدام معهم في قضايا الحريات. وكان آخر اختبار لذلك في مشروع قانون الحبس في قضايا النشر الذي أعدته الحكومة وتم إجبارها على إلغائه».
عبد الناصر حطم
فكرة «الهلال الخصيب»
وإلى المعارك والردود المتنوعة التي كثرت في الأسبوع الماضي ومنها ما يدعو للدهشة من مستوى معلومات صحافيين كبار مخضرمين مثل زميلنا الوفدي عبد الرحمن فهمي الذي أراد يوم الأربعاء الماضي في «المصري اليوم» مهاجمة خالد الذكر فقال بثقة شديدة: «قدامى اليهود المخضرمين الذين عاصروا النشأة والمولد منذ عام 1948 يرون أن جمال عبد الناصر صاحب فضل كبير على إسرائيل. كلام غريب جدا طبعا، ولكنه ليس غريبا على المخضرمين الذين عاصروا الحكاية من الأول. الحكاية التي بدأت حينما حطم عبد الناصر فكرة «الهلال الخصيب» لنوري السعيد رئيس وزراء العراق، أو قل «رجل العراق» الكبير فقد كان الملك صغيرا تحت الوصاية والوصي الأمير عبد الإله مقيما تقريبا في القاهرة، حيث قضى طفولته وشبابه. و«الهلال الخصيب» هو اتحاد الدول العربية المحيطة بإسرائيل لكي تقاوم هذه الدولة الوليدة، ثم أن عبد الناصر هو الذي ألغى المعاهدة التي اقترحها الحبيب بورقيبة بين الدول العربية وإسرائيل بالتعهد بعدم التعدي على أراضي الغير لكي تتم محاصرتها».
أسلحة النفاق الشامل
وإلى معركة أخرى مختلفة خاضها في يوم الأربعاء نفسه رئيس التحرير التنفيذي لـ«اليوم السابع» زميلنا وصديقنا أكرم القصاص وهو من خفيفي الظل ضد النفاق والمنافقين والعياذ بالله بقوله: «واضح أن قضية النفاق والمنافقين لها علاقة بالتركيب الجيني للسيد المنافق، فهو يريد أن يمارس مشاعر المداهنة الذاتية ولو تم منعه من ممارسة النفاق ربما يصاب بسكتة أو تتعطل أجهزة جسده. نقول هذا بمناسبة بعض السادة المنافقين الذاتيين ممن أصروا على السير في طريق المنافقة، حتى لو كان من ينافقونه غير راغب في الأمر، لكن المنافق المحترف لا يرضيه هذا الأمر، ولا يقتنع بعزاء محدد أو غيره أو المعتادين ليمارسوا أدوارهم أو يرددوا أن السيدة والدة الرئيس في الجنة، وهو أمر ليس من مهامهم. المواطنون لديهم ما يكفي من وعي ليكتشفوا النفاق من الشكل واللون والرائحة، وهم يعرفون خطر هؤلاء وتأثيراتهم. وإذا كان الطب لم يكتشف بعد علاجا لغدد النفاق الذاتي فنحن بحاجة إلى طريقة لمواجهة مستخدمي أسلحة النفاق الشامل وان يعرف السادة المنافقون أن النفاق مش بالعافية» .
كيف تصبح «مطبلاتي»
في عشر خطوات؟
وبعد كشف أكرم عن جينات المنافق الجديد وأنه يريد أن ينافق بالعافية قال زميلنا في «الوطن» علاء الغطريفي يوم الاثنين الماضي: «كيف تستطيع أن تصبح مطبلاتي في عشر خطوات؟ وإليكم الروشتة أولا: لا بد أن نقرأ ما كتبه الآباء المؤسسون للتطبيل وأنصحك بروائع « طشة الملوخية « أو تطبيقات النفاق الورقية في الصحف الحكومية إبان «ثورة مبارك الدستورية في مدرسة المساعي المشكورة» فهي معين لا ينضب وملاذ باحث في دنيا النفاق .
وطشة الملوخية تذكير بالمقال الشهير لزميلنا ممتاز القط رئيس التحرير الأسبق لـ«أخبار اليوم» عندما بكى لأن مبارك محروم من أن يشم طشة الملوخية التي يعشقها بسبب مسؤولياته.
الناس سئموا من كلمة شفافية
وأخيرا إلى جريدة «المصري اليوم» ومقال نيوتن عن الشفافية يقول: «مبروك علينا القناة الجديدة. لا أسميها التفريعة أبداً. فهي قناة جديدة للأمل المصري، مهما تكلفت تماماً كعملية القلب المفتوح لعلاج شريان مسدود، ولكن يجب أن نعرف أن إتمامها في سنة تكلف كذا، مقابل إتمامها في سنتين، نتوقع عائدا اقتصاديا يقابل اختصار المدة.
بعض الناس سئمت من استخدام كلمة شفافية، يظنون أن لها علاقة بالشفايف مثلاً، أو لها دلالة جنسية أو شيء من هذا القبيل. ننتقل إلى الأنفاق الأربعة، التي تصل إلى سيناء من أسفل القناة. كل نفق قطره 16 مترا، لو تم حفر الأنفاق الأربعة بالتوازي تحتاج لأربعة أجهزة حفر، لو تم حفرها بالتوالي، أى اثنين ثم اثنين سيكون فارق الوقت بين استكمال الأربعة أنفاق ثلاثة أشهر، ولكن سعر جهاز الحفر نصف مليار جنيه، أي سيتم توفير مليار جنيه، مبلغ مش بطال أبداً، إلا لو كان توفير مدة الشهور الثلاثة عائده أكثر من المليار. فإذا لم يكن كذلك فتوفير هذا المبلغ أولى بالمراجعة، لو تم توجيهه لجامعة القاهرة.. لوزارة الصحة… لتطوير الخطاب الديني. مليار جنيه هو 20٪ مما جمعه صندوق «تحيا مصر»، الذي يطارد فيروس سي، ويؤدي مهام مطلوبة للغاية. الخطير هو أنه بعد عمل هذه الأنفاق سيتم تكهين أجهزة الحفر. فحتى أنفاق المترو القطر فيها 8 أمتار. هذه هي الشفافية، وهذا هو المرجو منها. أما موضوع الـ 5. 1 مليون فدان، التكلفة 37 مليار جنيه كما ذكرت الدولة، موافقون. ما هي تكلفة استخراج المياه من هذا العمق، بعض الآبار على عمق 1000 متر، أي كيلو متر تحت الأرض. ما تكلفة سعر الكهرباء بالأسعار الجديدة، ثم ما هو العائد بعد كل ذلك. وما هي تكلفة تحويل مليون ونصف المليون فدان من الغمر إلى الري المرشد. وكم هو حجم المياه التي ستوفرها هذه العملية بالنسبة للري الجوفي. أسئلة تبحث عن رد يجب أن يعرفها المواطن العادي هذه أمواله أولاً وأخيراً. السرعة مطلوبة ولكن لا تكون أبداً على حساب الجودة أو الاقتصاديات. شفافية بهدف المراجعة مقابل المظاهرة، بهدف المصلحة العامة.. لا أكثر ولا أقل».
حسنين كروم