القاهرة ـ «القدس العربي»: أبرزت الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 19 يوليو/تموز عودة الرئيس السيسي من رواندا بعد حضوره مؤتمر القمة في العاصمة كيغالي، خاصة اجتماعه لمدة ساعة مع رئيس وزراء إثيوبيا، والاتفاق على تنفيذ ما اتفق عليه بشأن سد النهضة، وعدم الإضرار بحصة مصر. كما سيعقد في القاهرة اجتماع آخر بين ديسالين والسيسي، واستمرت الصحف في تغطية أحداث تركيا رغم انصراف الأغلبية عنها.
أما الأخبار التي استحوذت على اهتمامات الأغلبية فكانت ارتفاعات الأسعار وإعلان الحكومة أنها ستطبق قانون القيمة المضافة، بدلا من ضريبة المبيعات، وأن الزيادات لن تشمل البنزين والسولار، كما لمح وزير النقل إلى أنه تتم دراسة زيادة تدريجية في أسعار تذاكر مترو الأنفاق.
واهتمت الأغلبية أيضا بترقب إعلان نتيجة الثانوية العامة بعد أيام، كما اهتمت كل فئة بما يخصها من أخبار، فالعاملون في السياحة ينتظرون نتائج زيارة وزير الطيران شريف فتحي التي يقوم بها لروسيا لإقناعها باستئناف رحلات السائحين الروس بعد أن تأكدت لجان التفتيش الروسية على المطارات المصرية من سلامة إجراءات الأمان. بينما اهتم الموظفون في الدولة بمتابعة مناقشات مجلس النواب التعديلات التي سيتم إدخالها على قانون الخدمة المدنية. أما العشرة ملايين المصابون بمرض فيروس سي فيتابعون جهود وزارة الصحة والتأمين الصحي في توفير العلاج المجاني لهم بأحدث الأدوية، التي تحقق أعلى نسبة شفاء. أي باختصار لا اهتمام بالسياسة وما حدث بالنسبة للانقلاب التركي كان مؤقتا وعادت كل فئة إلى الاهتمام بما يخصها. وإلى بعض مما عندنا..
المواطن يمتثل صابرا لارتفاع الأسعار
وردا على ما لمح إليه وزير النقل من احتمال زيادة تدريجية في أسعار التذاكر حذرت زميلتنا الجميلة المحررة الاقتصادية في «الأهرام» الدكتورة سلوى العنتري الحكومة في مقالها يوم الاثنين بالقول: «نحن نبصم بالعشرة أنه من الخطأ تثبيت سعر سلعة أو خدمة معينة لسنوات طويلة، من دون أي تغيير يتناسب مع ارتفاع تكلفة إنتاجها وتقديمها. لكن المنطق يقول أيضا إنك لا يمكن أن تنتظر لسنوات طويلة حتى تتسع الفجوة بين سعر تقديم الخدمة وتكلفة إنتاجها، ثم تصر فجأة على سد تلك الفجوة أو الجزء الأكبر منها دفعة واحدة.. والأنكى أن تصر على ذلك ليس بالنسبة لخدمة واحدة فقط، بل لعدد كبير من الخدمات الحكومية لترتفع فجأة تكاليف الحياة اليومية وتزداد الحياة صعوبة على القاعدة العريضة من المواطنين. المواطن المصري تلقى صاغرا إعلان الحكومة منذ عامين عن جداول لرفع أسعار استهلاك الكهرباء على مدى خمس سنوات، وامتثل صابرا لدفع الزيادات التي تتحدد في بداية كل سنة مالية جديدة، وحيث إننا بالفعل في بداية السنة المالية فإنه من المتوقع أن تعلن الحكومة الارتفاعات الجديدة في أسعار استهلاك الكهرباء. السنة الماضية أصدر السيد رئيس الجمهورية تعليمات بالإبقاء على أسعار الشرائح الثلاث الدنيا للاستهلاك، من دون تغيير وتحميل فرق الزيادات المطلوبة على القادرين، أصحاب الشرائح العليا للاستهلاك. ترى هل سيتم إصدار تعليمات مماثلة هذا العام؟ وهل سيتم إلغاء الإتاوة الإجبارية المفروضة على شرائح استهلاك الكهرباء؟ هل يعقل أن يتم تحميل المواطنين بإتاوة إجبارية على كل شريحة من شرائح الاستهلاك تتراوح بين جنيه واحد عند أدنى شريحة و20 جنيها لأعلى شريحة ولكن ما يحدث لفواتير الكهرباء كله كوم وما يحدث لفواتير المياه كوم آخر! يجب الكف عن تحميل المواطنين بأي زيادات جديدة في فواتير المياه، لأنها بالفعل وصلت لدرجة الغليان ولأن البديل هو أن نعجز عن الدفع ونموت من العطش والكوليرا!».
قضية زينب سالم
ونبدأ بالقضية التي بدأت تجتذب الاهتمام وتهز صورة مجلس النواب بعنف شديد، وهي قضية النائبة زينب سالم التي أدعت في البداية أنها ذهبت لإخراج ابن شقيقها من قسم شرطة مدينة نصر فتعرضت للسب والاعتداء بالضرب من رئيس المباحث والأمناء، وأرسلت استغاثة على «الواتس آب» للغروب في المجلس، حيث ثار أعضاؤه وطلبوا من وزير الداخلية وقف الضابط، وهو ما حدث. إلا أن الأمور تطورت بسرعة مذهلة كاشفة عن تعرض الضابط للإهانة من النائبة ومحاولتها إخراج ابن شقيقها من جريمة ارتكبها، وحققت النيابة في الواقعة وشاهدت الصور الملتقطة وأمرت باستمرار حبس ابن شقيق النائبة خمسة عشر يوما لارتكابه أكثر من جريمة، كما أدانت سلوك النائبة وسوف تطلب من مجلس النواب رفع الحصانة عنها، لتتمكن من التحقيق معها مما سيضع المجلس في موقف غاية في الإحراج أي إما أن يلتزم بالقانون ويلزم أعضاءه به أو يثبت للشعب أنه فوق القانون.
سوء استخدام الحصانة البرلمانية
ويوم الاثنين قال زميلنا محمود الكردوسي رئيس التحرير التنفيذي لـ«الوطن»: «الداخلية أصبحت «ملطشة» أفهم أن تكون «هدفاً معادياً» للناشطين والحقوقيين والينايرجية، أفهم أن تكون مكروهة من البلطجية والمسجلين، أما أن تذهب النائبة زينب سالم إلى قسم شرطة لتنقذ ابن شقيقتها من مخالفة وتستخدم «حصانتها» لإهانة ضابط والتعدى عليه وتهديده بأنها «هتقعده في بيتهم» لأنه «مش عارف بيكلم مين» فهذه بلطجة وقلة أدب لا تليق بـ«سيدة» أولاً و«ممثلة للشعب» ثانياً. الست النايبة لا تعرف أن الحاجة الوحيدة اللي مصبرانا على هذا البرلمان و«نوايبه» إنه آخر محطات «30 يونيو»، وأن فيه نواباً نقدرهم لكنها نسيت أنها دخلت البرلمان بصحيفة جنح مخجلة: شيكات بدون رصيد وتعد على ضابط شرطة وما خفي كان أعظم يعنى رضينا بالهم..».
نموذج سيئ للممارسة البرلمانية
وتبعه في اليوم نفسه في «اليوم السابع» زميلنا سعيد الشحات بالقول: «تطورت الأمور في ما بعد لنرى أداء سيئا من بعض النواب يصدّر نموذجا سيئا للممارسة البرلمانية أمام الرأي العام. رأينا النائبة مارغريت عازر تنتفض غاضبة وتتحدث في بيان صحافىاعن أن الاعتداء على النائبة بمثابة إهانة لمجلس النواب بأكمله، ولابد من محاسبة الضابط المعتدي، ووصل الغضب بالنائبة مارغريت إلى حد طلبها عقد اجتماع عاجل للجنتي الدفاع والأمن القومي وحقوق الإنسان، لمناقشة واقعة الاعتداء على النائبة. تخيلوا اجتماعا لكل هذه اللجان لمناقشة واقعة، الطبيعي فيها أن يكون احترام القانون هو الأساس، والمخطئ تتم محاسبته طبقا لذلك. غير أن النائبة مارغريت، لم تنس أن تذكر الناس بـ«الحصانة البرلمانية» التي تتمتع بها النائبة. كل وقائع هذه القصة تؤكد خللا كبيرا وفاضحا في أداء بعض النواب، وبعيدا عن اتخاذ مواقف مسبقة من الأداء السلبي لبعض ضباط وأمناء الشرطة، ومواقف مسبقة من شكل البرلمان الحالي، فإننا أمام نواب هم أبطال الحدث يفتقدون إلى الحس الشعبي والسياسي، الذي يجب أن يكون عليه النائب .قبل أسابيع انتفض عدد من النواب غضبا ضد نقابة الصحافيين حين دافعت عن نفسها أمام هجمة الأمن عليها، وذهب هؤلاء النواب إلى اتهام الصحافيين بأشياء من قبيل: «على رأسهم ريشة» و«يريدون امتيازات خاصة» و«الكل أمام القانون سواء» وها نحن الآن أمام نواب يعطون أسوأ نموذج في الممارسات البرلمانية، فالناخب لم يذهب إلى صندوق الانتخابات كي يضع صوته لمرشح يتخذ من عضوية البرلمان حماية ووظيفة فور نجاحه».
الدفاع عن الخطأ مشاركة في ارتكابه
وأمس الثلاثاء خصص زميلنا وصديقنا في «الأخبار» رئيس تحريرها الأسبق جلال دويدار عموده اليومي «خواطر» لمهاجمة النائبة والمجلس، وكيف تم السماح لها بالترشح في الانتخابات وقال: «لا يمكن إنكار الصدمة التي أصابت الرأي العام نتيجة المعلومات التي جرى تداولها حول ما تعرض له هذا القانون من محاولات لانتهاكه، ما حدث جعلنا نتساءل: كيف تم القبول بترشيح هذه النائبة؟ وأين كان الذين اختاروها في الانتخابات تجاه ما تجري إثارته بشأن اتهامات سبق توجيهها لها؟ لا سبيل لتأكيد شفافية مكانة مجلس النواب وما هو منوط به من مسؤوليات جسام، سوى أن تكون لديه الشجاعة لتنقية صفوفه من كل من يثبت بالقانون أنه غير أهل لعضوية تمثيل الشعب.
من ناحية أخرى هالني أن يخرج أحد النواب ليعلن تضامنه مع هذه النائبة، من دون انتظار نتيجة التحقيق الذي يمكن أن يدينها! إن ما أقدم عليه هذا النائب لا يقل جرما عما اتهمت به هذه النائبة، حيث أن الدفاع عن الخطأ هو بمثابة مشاركة في ارتكابه، يستحق المحاسبة نفسها. لا جدال أن ما سوف يتخذه المجلس تجاه هذه الواقعة التي تمس سمعته وما ينتظره الشعب من احترام للقانون والدستور اللذين لا يمكن إغفال ما يقضيان به من مساواة بين كل المواطنين وحتمية أن يكون هناك احترام لكل مسؤول يؤدي واجبه الوظيفي في حدود مسؤولياته، من دون أي تجاوز».
«دبلوماسية المجاملات»
ومن قضية زينب سالم إلى وزير الخارجية ووزارته عموما، حيث تعرض الوزير يوم الاثنين إلى هجوم عنيف من زميلنا وصديقنا محمود بكري رئيس مجلس إدارة جريدة «الأسبوع» الأسبوعية المستقلة بسبب زيارته لإسرائيل فقال عنه وهو غاضب: «نفسي أعرف من هذا العبقري الذي نصح الوزير سامح شكري بزيارة «إسرائيل» في هذه المرحلة؟ فالزيارة كانت أشبه بـ«هجمة مباغتة» على عقول وقلوب المصريين، افتقدت «الكياسة» و«الدبلوماسية الفعلية»، وارتهنت بـ«دبلوماسية المجاملات» و«اللعب على العواطف»، وهي أمور لا يعترف بها «بنو صهيون» ولا «النتن ياهو» الذي لا أدري كيف جاءت لوزيرنا الهمام «نفس» ليأكل من طعامه ويشرب من شرابه، ويجالسه فرحا ليشاهد معه «ماتش» ختام «الأورو». بهذه الزيارة «غير الميمونة» ولا «الناجحة» ألقى الوزير «شكري» بكرسي في «كلوب» الدبلوماسية المصرية، التي لطالما اتسمت بالرصانة والهدوء والقوة والعمق في التعاطي مع الأحداث والشخصيات، وإذا كان هذا السلوك الدبلوماسي العنوان الأكثر بروزا في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إلا أن هذا السلوك لم يغب كذلك عن «فطنة» وزراء خارجية مصر خلال عهد الرئيس حسني مبارك، الذين لم يسقطوا في «أحابيل» السلام «البارد» مع الصهاينة، على الرغم من كل ما وجه من انتقادات لتلك الحقبة من تاريخ مصر».
مكانة مصر في أفريقيا
والمعركة الثانية ضد وزارة الخارجية كانت في اليوم التالي أمس الثلاثاء، إذ شن زميلنا في «المقال» أحمد رمضان الديباوي هجوما عنيفا ومليئا بالأسى، على ما أصاب مكانة مصر في أفريقيا إذ قال: «ماذا كان ينتظر الرئيس منهم، بعد إذ صدرت مصر لهم طوال عقود موظفيها الفشلة؟ ترى أهي أفريقيا الستينيات التي عرفناها وخبرنا أحوالها وعاداتها وتقاليدها وظروفها وحركاتها التحررية من الاستعمار والإمبريالية الغربية، منذ عهد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر؟ لا هي أفريقيا ولا هي مصر، بل هي ذي أفريقيا المتشبعة والشبعانة من علاقات شتى سرية وعلنية وفوقية وتحتية مع دولة الاحتلال إسرائيل، ومع أباطرة المال والأعمال الخليجيين هي ذي أفريقيا التي ضيعها موظفو مبارك المخلوع، ثم ها هم أولاء موظفو السيسي على الدرب يسيرون، فيطلقون العبارات الرنانة ذات الضجيج بلا طحن، ليرضى عنهم الرئيس السيسي، فتسمع أحدهم يقول إن الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ تولى مقاليد الحكم في مصر وهو يعيد العلاقات المصرية الأفريقية إلى مسارها الطبيعي، على الرغم من أن المسار الطبيعي لشوارع مدينة القاهرة أغلبها لم يعد بعد حتى الآن كما تسمع من إحدى السفيرات، اللائي أنفقت عليهن الدولة ملايين الدولارات، في أثناء خدمتهن الفاشلة في أفريقيا تقول إن القيادة المصرية في الاتجاه الصحيح مع أفريقيا، على الرغم كذلك من أن الاتجاه الصحيح لا تكاد تعرفه مصر سوى في مترو الأنفاق، وغير ذلك من أقوال وادعاءات يحاول بها أولئك الموظفون إرضاء الرئيس وتغييب الشعب والتعمية على حقيقة الأوضاع التي تشهد بأن خيبة الناس قد تكون في يومي السبت والأحد، أما خيبتنا في أفريقيا فهي تدوم سائر أيام الأسبوع لقد كان الرئيس السيسي في العاصمة الرواندية كيغالي يوم السبت الفائت، غداة مشاركته في أعمال وفعاليات قمة الاتحاد الأفريقي ألـ27. كارثة بل فضيحة ليست له فقط بل لمصر كلها لأنه رمز الدولة أو شبه الدولة كما يروق له أن ينعتها دائما، على الرغم من أنه ما فتئ يردد في أثناء حملته الانتخابية وبعد تسنمه ذورة الحكم أن «مصر أد الدنيا» لكن ما علينا من ذلك الآن لقد كان استقبال الجانب الرواندي للرئيس السيسي بمثابة فضيحة، إذ لم يكن في استقبال رئيس جمهورية مصر العربية، واخد بالك يا عزيزي القارئ من الاسم الفخيم، سوى السفير الرواندي في القاهرة الشيخ صالح هابيمانا، الله يستره والسفيرة المصرية في رواندا نميرة نجم بتعمل أيه هناك معرفش صراحة».
انقلاب تركيا والانحياز للديمقراطية
ورغم كثرة التحقيقات والمقالات عن المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا فإنه يمكن اعتبار ما كتبه عمرو هاشم ربيع وفهمي هويدي هو الأبرز. عمرو قال يوم الاثنين في «المصري اليوم» شارحا حقيقة المشاعر الشعبية بدقة: «عندما وقعت المحاولة الانقلابية في تركيا مساء الجمعة الماضي أحسنت مصر الرسمية صنعًا بعدم إصدار أي مواقف أو بيانات تؤيد أو تعارض، وعلى العكس حبس الشعب المصري أنفاسه أملا في نجاح الانقلاب. البعض هنأ البعض بالخلاص من حكم أردوغان، والبعض الآخر راقب الموقف حتى الصباح. الجميع انتظر نبأ نجاح العسكريين رسميًا في الوثوب للحكم، وبيانهم الأول بإعلان حالة الطوارئ وتجميد العمل بالدستور وحل الأحزاب السياسية ومحاكمة القادة المدنيين الفاسدين. المؤكد أن الرجل نتيجة لمواقفه من الشعب المصري الذي خرج بالملايين قبل وأثناء وبعد 30 يونيو/حزيران 2013 وتدخله في الشأن المصري الداخلي وانحيازه غير المبرر لجماعة الإخوان، لم يترك للمواطن خيارا للتعاطف معه، ما أدى في النهاية إلى أنه أخطأ التقدير وارتبكت حساباته اليوم، ربما يستغل أردوغان المشاعر المصرية التي صنعها إعلام مصري زائف، لاسيما في بعض الفضائيات الخاصة، ويروج الرجل إلى أن المواطن المصري كان يرجو لتركيا حكم الجيش لا حكم الشعب، وهذا الأمر سيزيد من الوقيعة أو الفجوة بين الشعبين المصري والتركي. صحيح أن الرجل أساء لمصر بالتدخل في شــــؤونها لكن هذا الأمر لا يعنى إطلاقًا تفضيل حركة للجيش لا يرضى عنها الشعب، على عكس ما جرى في مصر حيث تحرك الجيش برضاء وغطاء شعبي جارف. الدرس الذي يجب أن نستفيد منه في تعاملنا مع تركيا هو التعاطف مع حركة الشعب مهما كانت، وبغض أي حركات يقوم بها الجيش من تلقاء نفسه للهيمنة على السلطة، من دون أي غطاء شعبي وإبداء السعادة لانتصار الإرادة الشعبية. المصريون يجب أن ينحازوا للديمقراطية كمبدأ ولا ينجرفوا خلف العواطف».
جوهر الأزمة بين مصر وتركيا
أما مقال زميلنا فهمي هويدي في يوم الاثنين نفسه في «الشروق» فقد كتبه قبل المحاولة الانقلابية وكانت الجهود مبذولة لتحسين العلاقات بين البلدين فقال: «ما عاد سرا أن ملف الإخوان يمثل جوهر الأزمة بين القاهرة وأنقرة، وهو ما تجلى في الانتقادات العلنية التي عبر عنها الرئيس أردوغان، كما تجلى في إيواء عناصر الجماعة الذين خرجوا من مصر، وتوافرت لهم منصات إعلامية دأبت على انتقاد نظام ما بعد 30 يونيو/حزيران، وهو ما ردت عليه القاهرة بإجراءات عدة عبر عنها الهجوم الإعلامي وتمثلت في إبعاد السفير التركي وإلغاء اتفاقية الخط الملاحي (الرورو) التي كانت تسمح بنقل الصادرات التركية إلى الموانئ المصرية، ومنها إلى دول الخليج. كما تمثلت في معارضة الحضور التركى في بعض المحافل الدولية والاصطفاف إلى جانب قبرص واليونان في مواجهة تركيا، وصولا إلى الموقف المخاصم لأنقرة في ملف مذابح الأرمن وفي القضية الكردية. الدكتور صالحة تحدث عن تقارير استخباراتية تركية أشارت إلى زيارة وفد يمثل الأكراد للقاهرة، لبحث التنسيق معها في الساحتين التركية والسورية. من خبرة المراجعات الاستراتيجية التي أجرتها تركيا أخيرا للتصالح مع الجيران، لن نستبعد مراجعة موقفها إزاء موضوع الإخوان، إذ إلى جانب تجفيف لهجة الخطاب الرسمي، فقد يسمح للإخوان بالبقاء من دون ممارسة نشاطهم الإعلامي المضاد للنظام المصري (وهو الحاصل في إنكلترا مثلا). وإذا ما تم ذلك فإن الكرة تصبح في مرمى القاهرة وهو ما لا تسمح ظروف عدة بالتنبؤ بنتائجه، خصوصا أننا لا نعرف شيئا عن آلية صنع القرار في مصر «هذا العمود كتب قبل محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا».
الإخوة الأعداء
أما رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين فكان رأيه في الانقلاب كالتالي: «الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اتهم حليفه القديم فتح الله غولن، وجماعته بتدبير وتنفيذ الانقلاب العسكري الفاشل ليلة الجمعة الماضية، رغم أن الأخير أدان ورفض الانقلاب. ولذلك قامت الحكومة بعد سيطرتها على الأوضاع بحملة اعتقالات شملت الآلاف من أعضاء الحركة. ويعتقد مراقبون أن أردوغان سيستغل الانقلاب الأخير ليصفى حساباته نهائيا مع الحركة التي باتت العدو الأول له بعد أن كانت داعمه الرئيسي. لكن ما هي هذه الحركة التي احتلت عناوين الأخبار خلال الأيام الماضية؟ طبقا للتقارير الإخبارية المتواترة هذه الأيام فإنها تأسست عام 1990، لكنها كانت موجودة قبل ذلك بصورة صغيرة منذ عام 1970، وأنصارها يسمونها «حركة الخدمة» أو «هيزميت» في حين يطلق عليها أردوغان «الكيان الموازي» الذي يسعى ليكون دولة داخل الدولة. الحركة ــ التي تنسب للصوفية ــ قام غولن بتشكيل نواتها الأولى في مدينة أزمير، قبل أن تتوسع ويصير لها أتباع داخل تركيا وخارجها، مستغلة انتعاش الحركات والطرق الدينية في الثمانينيات من القرن الماضي، متأثرة بـ«طريقة النور»، التي أسسها الصوفى الكردي سعيد النورسي 1873ــ 1960. الحركة نمت وانتشرت معتمدة على فكر غولن وآرائه ومواقفه، وتوصف بأنها حركة اجتماعية صوفية تركز على مسلمي تركيا، ومنفتحة أكثر على الغرب، وتركز عملها أساسا على التعليم، فهي تبني المدارس وتمكنت من اختراق المجتمع بإنشاء مؤسسات اقتصادية وإعلامية وطبية وثقافية وإغاثية.
وجاءت القفزة الكبيرة في نشاط الجماعة بعد انقلاب عام 1980، حيث استفادت من دعم الدولة ومن مساحات الحرية المتاحة، لتبدأ رحلتها مع إنشاء المدارس خارج تركيا، مرورا بتكوين وقف الصحافيين والكتاب الأتراك، الجهة الممثلة للجماعة بشكل شبه رسمي.
وتدير الحركة، أكثر من 1500 مؤسسة بمختلف مراحل التعليم، إضافة إلى 15 جامعة منتشرة في أكثر من 140 دولة. وأهم ملامح هذه المؤسسات التعليمية أنها تتفق مع علمانية تركيا، ولا تطبق برامج تحمل صبغة دينية متطرفة. وأنشأ أتباعها ما يقرب من مئة مدرسة مستقلة في الولايات المتحدة وحدها، كما اكتسبت الحركة زخما قويا في أوروبا منذ تأسست أولى مدارسها، فى شتوتغارت فيألمانيا فى عام 1995. وتحظى الحركة بسمعة حسنة إلى حد ما، في الغرب والولايات المتحدة، لأنها تعتبر هناك بمثابة تيار إصلاحي داخل الإسلام يدعو إلى التعليم العلماني والتعاون مع الكنائس، والحوار بين الأديان، خصوصا أنها خرجت في وقت تأسيس حزب «الرفاه»، الذي تزعمه نجم الدين أربكان، وكان يواجه اتهامات بمعاداة العلمانية وانتهى أمر الحزب عمليا بانقلاب 1997 الهادئ جدا، الذي أطاح أربكان من رئاسة الحكومة واعتقل كثيرين لاحقا من بينهم أردوغان نفسه. ظل حزب «العدالة والتنمية»، برئاسة أردوغان، منذ تأسيسه واستلامه للسلطة بعد أول انتخابات خاضها فى 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، متحالفا مع الجماعة، مستغلا نفوذها الواسع في توطيد حكمه. وحشود الجماعة كانت رأس الحربة الحقيقية فى وصول أردوغان وجماعته إلى السلطة، خصوصا في مواجهة الأحزاب القومية والعلمانية».
تركيا والقطيعة مع الانقلاب
وفي «المصريون» كتب طه خليفة مقال عن الانقلاب التركي ومما جاء فيه: «لو كان انقلاب 15 يوليو/تموز 2016 حقق هدفه، لكان ذلك يعني أن طريق الانقلابات ستظل مفتوحة من دون نهاية، لأنها دائرة جهنمية لا تتوقف، وتغري بمزيد من الدوران، حيث سيظل عقل المؤامرة قائما يخطط لجولة أخرى من الانقلاب على الانقلاب، ومن تتبع تلك المسيرة المدمرة نجد أن انقلاب 1960 كان الأول في هذا البلد على الحكومة المنتخبة، ولكنه لم يعد الوحيد ولا الأخير، إذ أعقبه انقلابان صريحان في 1971 و1980 ثم انقلاب أبيض عام 1997، ومع حكم حزب العدالة والتنمية حدثت محاولتان في 2009 و2010، لكنهما لم يأخذا طريقيهما للتنفيذ، فقد تم اكتشافهما وإحباطهما، والمحاولة الحالية هي السابعة في تلك السلسلة، وقد خرجت للتنفيذ لكنها فشلت وأنقذ الله تركيا وشعبها من مصير مجهول مؤلم. ومن العودة للوراء وفقدان كل ثمار التنمية التي تحققت في العقد ونصف العقد الأخير. 1 – الشعب التركي هو العامل الأول في وضع نهاية لتاريخ من الانقلابات العسكرية بما فعله في مواجهة انقلابيي 15 يوليو، خرج الشعب وصد وواجه وسقط منه ضحايا، دافع عن نفسه بحشوده، حمى حريته وديمقراطيته وعبر عن إرادته في قلب الخطر، لم يسمح لمجموعة ضباط أن يسلبوه حقوقه القانونية والدستورية في اختيار من يحكمه وفي تحديد شكل نظامه السياسي، أثبت الشعب وعيا هائلا، كانت أعلام تركيا هي التي تُرفع في الميادين والشوارع، تلك رسالة بليغة من لا يفهمها فهو نموذج للغباء الإنساني، إذا فكر في كسر إرادة هذا الشعب مجددا. في الانقلابات السابقة لم يحدث شيء من هذا الاحتجاج، وهذا كان يغري المغامرين بالتكرار، الوضع هذه المرة كان مختلفا، هناك أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية أفضل كثيرا من ذي قبل، تحققت في ظل حكم مدني ديمقراطي وعمل متواصل لصالح الناس لذلك هبوا لحماية حاضرهم ومستقبلهم خشية أن تعود حياتهم في ظل جنرالات جدد إلى بؤس وفقر وفساد وتدهور مرة أخرى. رسالة الشعب حاسمة وقاصمة لمن قد يفكر في التلاعب به وتهميشه وإلغاء وجوده وتنصيب نفسه وصيا عليه».
معارك الإسلاميين
وإلى إخواننا في التيار الديني ومعاركهم وبدأتها يوم الاثنين في «المقال» جميلة اسمها شاهيناز وزير قالت فيه مهاجمة رجال الدين: «أعداء التنوير لهم طرقهم في إسكات أصوات المخالفين لهم، أول طريقة هي القول إن إصدار أحكام الدين أو حتى فهمها لا يكون إلا لأهل الاختصاص وإذا سألتهم عن نماذج لرجال الاختصاص هؤلاء فسيذكرون شيوخ السلفية أو خريجي كليات المؤسسات الدينية الرسمية، حسنا أولا شيوخ السلفية الكبار لن تجد من بينهم خريجي كليات دينية فشهاداتهم الجامعية في الهندسة والإعلام والطب وما شابه، فعلي أي أساس نقبل نموذجين متناقضين؟ على أي أساس يثقون بشيوخ السلفية، من دون المفكرين المخالفين لهم، ويعتبرونهم أكثر علما، رغم أن المفكرين قضوا حياتهم في البحث ولهم من المؤلفات ما يشهد بذلك في مقابل الشيوخ أو الشباب الشيوخ الذين لم يقدموا سوى بعض البرامج الدينية التجارية؟ أيطمئن الناس إذن لمن يحوز الشهرة ويظهر على الفضائيات؟ أم أن العلم بالنسبة لهم يستدل عليه بمدى كثافة شعر الوجه وسواد الجبهة؟ ثانيا إن كان أهل الاختصاص هم خريجي كليات المؤسسات، سواء أي مؤسسة يجب أن نثق في خريجيها إذن، فالأزهر مؤسسة دينية والحوزة مؤسسة دينية وإن أردت إقصاد كل مذهب دون السني فستجد أن المؤسسات الدينية تختلف بين بلد وآخر. فتاوى المؤسسات الدينية السعودية تختلف عن فتاوى المؤسسات المصرية أو الباكستانية أو التونسية، أو المؤسسات السنية في البلاد الغربية، وإن لم تعترف سوى بمؤسسة الأزهر مثلا فأنا أسأل أي أزهر؟ أزهر الفاطميين الشيعي؟ أم أزهر صلاح الدين الأيوبي السني؟ أم الأزهريون المتصوفون أم الأزهريون الوهابيون؟».
شيخ يدعو الشباب للحج!
ويبدو والله أعلم أن كلام شاهيناز وزير أعجب زميلنا في «الأخبار» علاء عبد الوهاب فخصص فقرة في مقاله اليوم نفسه فقال ساخرا من أحد المشايخ الكبار الذي طالب بأن تكون الأولوية في الحج للشباب: «أحيانا أشعر بأن بعض علمائنا الأجلاء غير معنيين بمسألة فقه الأولويات من قريب أو بعيد. أحد الدعاة الكبار البارزين المؤثرين على مدى أجيال خرج بنصيحة للدولة بأن تكون الأولوية في الحج للشباب، لا بأس ولكن الحج فريضة هي الأخيرة بين أركان الإسلام الخمسة ومشروطة بالاستطاعة، أليس كذلك فضيلته يرى رأيا آخر أنه يقول بالنص في حوار صحافي منشور في جريدة كبرى، أنصح الدولة بأن تعطي الأولوية في فريضة الحج للشباب وليس للعواجيز. المعلوم أن حج القرعة يمنح أولوية لكبار السن، لأن ما تبقي من العمر ـ وهو بيد الله وعلمه على كل حال- لم يعد فيه الكثير، ثم أن الدولة لا تدعم الحج وتغيير سلم الاولويات يعني ضمنا أن يتم تخفيض تكاليف الحج، أو أن تقدم الدولة شيئا من الدعم للشباب، ربما يكون فضيلته يقصد شريحة من الشباب الميسور. أفهم أن تكون النصيحة متسقة مع فقه الأولويات والضرورات فيتوجه فضيلته بالتأكيد على أهمية منح قضية القضاء على البطالة ومنح فرص التشغيل للشباب. أتصور أن يتجه بالنصح للدولة وكل من يعنيه أمر صلاح المجتمع بإعانة الشباب على الزواج بعد أن تفشت العنوسة والهوس والانحرافات بين الجنسين».
وقد أخطأ علاء خطأ فادحا لأنه لم يذكر أسم هذا الشيخ.
حسنين كروم