الصحافيون السودانيون يقودون حملة مناهضة واسعة لقانون الصحافة الجديد

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»:صعّد الصحافيون السودانيون حملة مناهضة واسعة لمسودة تهدف تعديل قانون الصحافة في البلاد، ويتيح القانون الجديد فرصا واسعة للسلطات لقمع حرية الرأي والتضييق على الصحافيين.
وتنص التعديلات الجديدة على عقوبات إدارية يفرضها مجلس الصحافة (وهو جهة حكومية) ويرى الصحافيون أن هذه العقوبات تؤدي لإضعاف المهنة وقمعها تماما. ومن ضمن التعديلات زيادة مدة تعليق الصحيفة إلى فترة لا تتجاوز 15 يوما بدلا من ثلاثة أيام في القانون القديم، وسحب تراخيص الصحف لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وإيقاف الصحافي عن الكتابة لفترة يحددها المجلس.
ويتم حسب التعديلات المقترحة، شطب الصحافي من السجل الذي يتيح له ممارسة المهنة بناء على قرار المحكمة أو أي جهة مختصة في محاسبته، ومنح القانون المجلس سلطة ترخيص النشر الإلكتروني.
ويدخل القانون الجديد تقييدات بعبارات فضفاضة في تحديد عمل الصحافي، إذ جاء فيه أن حرية التعبير والفكر والمعرفة والاتصال والحصول على المعلومات حقٌ مكفولٌ للصحافيين وفق الدستور والقانون «مع مراعاة المصلحة العامة وحقوق الآخرين وخصوصيتهم ودون المساس بالأخلاق العامة».
وجاء في الفقرة (5-2): «الصحافة حرة في عملها ولا يجوز تعريضها إلى انتهاك ولا تفرض قيود على النشر الصحافي إلا بما يقرره القانون بشأن حماية الأمن القومي والنظام العام والسلامة والصحة العامة».

ضربة قاتلة للصحافة

واعتبرت «شبكة الصحافيين السودانيين» (وهي تنظيم غير حكومي) أن مسودة تعديلات قانون الصحافة الجديد تمثّل «الضربة المُميتة في جسد الصحافة السودانية المُنهك، لما يحتوي من قيودٍ وعقوباتٍ تجعل منه قانوناً ظالماً وتعسفياً، لا طائل خلفه إلاّ تدمير الصحافة السودانية وتشريد الصحافيين والصحافيات».
وبادرت الشبكة بحملة توقيعات لجميع الصحافيين والصحافيات داخل وخارج السودان ضد مسودة قانون الصحافة الجديد، ونظمت وقفة احتجاجية أمام مجلس الصحافة والمطبوعات، وقدمت مذكرة للمجلس، تتضمن رفضاً للتعديلات المقترحة على قانون الصحافة. وحمل الصحافيون لافتات تنادي بحرية الصحافة، وهتفوا «صحافة حرة أو لا صحافة» كما رددوا شعارات تندد بالتعديلات الجديدة في قانون الصحافة وقامت سلطات الأمن بفض هذه الوقفة واعتقال صحافيين قبل أن تطلق سراحهما في اليوم نفسه.
وجاء في مذكرة الصحافيين التي وجهت لمجلس الوزراء: «نحن صحافيون وصحافيات من مختلف المنابر المحلية والإقليمية والعالمية، نعلن – وبتوقيعاتنا المذيلة- عن رفضنا القاطع والأكيد لمشروع تعديلات قانون الصحافة لسنة 2017 كونه يصادر مكتسباتنا التي مهرت بتضحيات جسام عبر عقود وعقود، وينزع عن العملية الصحافية كافة حقوقها الدستورية المكفولة بشرعة النص السوداني والمعاهدات والصكوك الدولية. ويجعل من صحافة شعب السودان مطية للجهاز التنفيذي لا صوتاً للمواطن ونبضاً للشارع ونبراساً للحقيقة وحدها لا غير».
وعقدت شبكة «الصحافيين السودانيين» سلسلة ندوات لمناهضة التعديلات الأخيرة لسنة 2017 لقانون الصحافة، ومنها ندوة في مباني صحيفة «الجريدة» تحت عنوان «صحافة بلا قيود» تحدث فيها عدد من الصحافيين.
وقال الصحافي فيصل محمد صالح، إن القانون الذي يراد تعديله (2009) ليس هو الأفضل أو النموذجي لكن القانون المقبل أسوأ منه. منبها إلى أن «التعديلات دائما لا تجيء استجابة لرغبة الصحافيين وانما لجهات تشريعية وتنفيذية أخرى».
وأشار إلى أن التعديلات التي طالت القانون تدل على هشاشته وفقده الاحترام. ويرى صالح أن الغرض الأساسي من التعديلات هو التوسع في عقوبة الصحافيين واصفا التوسع بإعطاء سلطات لمجلس الصحافة وللمحاكم الجنائية، موضحا الدور الأساسي لمجلس الصحافة وهو تنظيم مهنة الصحافة وليس فرض عقوبات على الصحف والصحافيين. وعدد فيصل القوانين التي يحاكم بها الصحافي وهي «القانون الجنائي، وجرائم المعلوماتية، والأمن الوطني وقانون الصحافة».
وقال إن السلطات كانت في السابق تصادر الصحف دون أي سند قانوني لكن الآن انتقلت المهمة إلى مجلس الصحافة بوجود السند القانوني، وانتقد بعض التعديلات التي أدرجت النشر الالكتروني ضمن الصحافة وقال إن النشر الالكتروني لا يمكن التحكم فيه، وانتقد إنقاص ممثلي الصحافيين في مجلس الصحافة من ثمانية أشخاص إلى خمسة وأشار إلى القرار الرئاسي الصادر بتعيين رئيس المجلس أمينه العام بواسطة رئاسة الجمهورية.
وطالب فيصل بإلغاء المادة 3 خاصة في ظل الظروف السياسية الحالية لأن الغرض منها مضايقة الصحف وتصفيتها، وأكد معارضته للسجل الصحافي الذي يوسع دائرة المنتمين للمهنة دون وجه حق مشيرا إلى أن 80 في المئة من عضوية الاتحاد لا يعملون في المهنة.

تعديلات مخالفة للدستور

وبدأ الكاتب الصحافي محمد علي خوجلي حديثه بملاحظة عامة، وهي اتفاق الجميع على مناهضة التعديلات الجديدة في قانون الصحافة، موضحا أن الرفض شمل حتى الذين يعملون في صحف النظام، وعلّل ذلك أن التعديلات مخالفة للدستور بشكل واضح ومشوّهة للقانون السابق الصادر في 2009.
وأوضح أن تضمين سلطة النشر الالكتروني إلى مجلس الصحافة يؤدي لمحاسبة جميع الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي لأن الكتابة هنا تتطلب تصديقا! وطالب بضرورة التركيز على البيئة القانونية للصحافة والسعي إلى إلغاء المادة 3 من قانون الصحافة، وضمان استقلالية مجلس الصحافة وإلغاء قانون جرائم المعلوماتية، مع ضرورة وجود ميثاق شرف صحافي يتوافق عليه الصحافيون أنفسهم ولا يفرض عليهم من قبل السلطات.
وأكد التحالف الديمقراطي للمحامين وقوفه التام بكل ما يملك من قوى مالية وبشرية وسياسية وقانونية لمناهضة التعديلات وقال المحامي ساطع الحاج عضو التحالف إن معركة تقييد وقمع الحريات يجب ان نخوضها جميعا، مضيفا أن القانون الجديد يسعى لإنتقاص الهامش المتاح منها الآن وأضاف: «نريد الحرية كاملة غير منقوصة».
وأشار ساطع إلى أن الحرية حق مطلق تبنى عليه المسألة كلية في جوهرها بصناعة تحول ديمقراطي حقيقي في البلاد لن يبدأ الا بالحريات، وأضاف: «كلما احترمنا الرأي الآخر أبعدنا النظرية الأحادية والمنهج الاقصائي». مضيفا أن تحديد هذه المسارات لا يملكه المؤتمر الوطني الحاكم، بل هو حق للشعب السوداني وليس حكرا «للشعب الذي تم اختزاله في 114حزبا شاركت في الحوار الوطني، فهناك الأحزاب السياسية والمجتمع المدني وعدد من القطاعات من غير المنضوين لأي نوع من أنواع المناهضات» وقال: «هناك تكميم للأفواه، ورفع شعار دولة قانون لكنها دولة لا تحترم القانون».
وأكد ساطع أن مصادرة الصحف ليس لها أي سند حتى في قانون الأمن الوطني لعام 2010 فهو لا يعطي الحق لمصادرة الصحف، مضيفا ان ما يحدث من مصادرة للصحف يتم بالتخويف واستخدام القوة، وإقرار سياسة الأمر الواقع، وهذا يقود إلى ان ترتفع وتيرة القمع وتصل إلى سحب التراخيص.

جريمة ضد حرية الصحافة

ولم تكن الآراء في تعديل القانون مقصورة على الصحافيين الموجودين في داخل السودان فقط، فقد أوضح الصحافي المنسق العام لشبكة «صحافيون لحقوق الإنسان» (جهر) فيصل الباقر، أن التعديلات تشكل جريمة كاملة ضد حرية الصحافة، ودعا إلى مواصلة الضغط على الحكومة لمنع هذا القانون، وأوضح ان هذا هو السبيل الوحيد أمام الصحافيين ونوه إلى ان بتمرير هذه التعديلات ستموت الصحافة في السودان، وأضاف: «سنذهب ضد هذا القانون إلى أي مكان».
وقال الصحافي السوداني المقيم في لندن مصطفى سري إن التوقيت لإصدار هذه التعديلات المقصود منه استهداف الصحافيين وتابع «هذا هو التعديل السادس لقانون الصحافة في عمر الإنقاذ، لان أي انقلاب عسكري يسعى للحد من الحرية ويجعل قرار الرئيس مصادرة الصحف» واعتبر ان التعديلات الأخيرة لا تخرج عن هذا السياق وتساءل: «هل نحتاج إلى قانون للصحافة؟».
وأكد سري ضرورة النضال لضمان عدم وجود قانون للصحافة وان يمثل الصحافيون للقانون العام في حالة وجود مخالفات، وأشار إلى ان جميع القوانين التي أقرتها الحكومة مثل قانون النظام العام وغيره كانت تستهدف تقييد الحريات، موضحا أن التعديلات المستمرة على قانون الصحافة دلالة على وجود أزمة حقيقية داخل النظام ودعا الصحافيين إلى توحيد صفوفهم، متوقعا المزيد من خطوات تقييد الحريات الصحافية.
ودعا رئيس تحرير صحيفة «التيار» عثمان ميرغني، الصحافيين إلى مزيد من التضامن والوعي بخطورة الموقف واستلام زمام المبادرة عبر توسيع أجندتهم واختيار زمان ومكان المعركة، وأشار إلى العديد من الأولويات التي يمكن العمل عليها لتحقيق ذلك ولحجب وتعطيل هذا القانون، معتبرا أن المرتكز الأساسي في هذه القضية هو موقف الصحافي من المشهد في الحريات للوطن كله.
وشدّد ميرغني على أن الصحافة تمثل التحدي الحقيقي الآن أمام الحكومة، وطالب بتفعيل التحركات ضد القانون واتخاذ المسار الصحيح للمعركة، وقال إن الندوات مهمة حول هذه التعديلات لكنها لن تكون في مصلحة الصحافة بمنأى عن الحشد بصورة منظمة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد صراع الإرادات لأن الطرف الذي وضع المستجدات على القانون لم يضعها عبثاً وله أهداف ستصل إلى كسر وإقصاء الصحافي من المشهد، مشدداً على أنه لا بد من الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم لأن الطرف المسؤول عن القانون سيعقد اجتماعاً بعد أيام داخل مجلس الوزراء ثم يدفع بالقانون معدلاً إلى البرلمان الذي اعتبر أنه مستعد لإجازة هذا القانون المعدل دون قراءته.

تضامن عام

وتضامنت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني مع الصحافيين، وأصدر حزب الأمة القومي المعارض بيانا قال فيه إن النظام السوداني يُزمع إجراء تعديلات جذرية على قانون الصحافة والمطبوعات، المعيب في الأساس، ليصبح أكثر تكميما للأفواه، وتقييدا لحرية التعبير المنقوصة، وحرية الحصول على المعلومات وتدوالها، في ضربة جديدة للشفافية ومبدأ استقلال السلطات، بما في ذلك السلطة الرابعة.
وأشار الحزب إلى أن «إن التعديلات المشار إليها تتضمن مواد تمس الحريات بشكل خطير. فهي تفرض قيودا على النشر الصحافي بما يقرره القانون بشأن حماية الأمن القومي والنظام العام والسلامة والصحة العامة، دون تحديد واضح وتعريف لهذه المفاهيم، ما يجعل حظر النشر مسألة فضفاضة للغاية».
إضافة إلى أن التعديلات تشمل أيضا وقف الصحف والصحافيين والإنذار بتعليق الصحف وسحب تراخيصها، وكل ذلك، مضافا إلى التضييق البالغ الذي تمارسه الأجهزة الأمنية على الصحافة، يضع هذه الأخيرة على مقصلة الإعدام، بعد محاولات التدجين التي استمرت سنوات.
ورفض «الاتحاد العام للصحافيين السودانيين» (المحسوب على الحكومة) هذه التعديلات وقال رئيسه الصادق الرزيقي «كل ما يتعارض مع عملنا والمعايير الدولية للصحافة سنقف ضده ونطالب بإسقاطه من القانون، ولن نتنازل عن حقنا لأننا أصحاب المصلحة الحقيقية».
وتبرأ الاتحاد من مسودة القانون مؤكدا عدم علمه بها وأعلن عن مناهضته الواسعة له، وقال الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات عبد العظيم عوض، إن جهات كثيرة ذات صلة بالعمل الصحافي ساهمت في صياغة التعديلات، موضحا أنها تمت بناء على توصيات مؤتمر للإعلام انعقد عام 2014.
وطالبت «الشبكة العربية لإعلام الأزمات» كل الصحافيين والمهتمين والمحاميين ومنظمات المجتمع المدني والمدافعين عن الحريات الصحافية، العمل معاً لوقف الإنتهاكات التي تمارسها السلطات في السودان ومواجهة التحديات المقبلة والمتمثلة في قانون جديد للصحافة والمطبوعات لسنة 2017 تعديل 2009، والذي تشير الملامح العامة إلى تعارض بعض مواده مع الدستور بالتشديد على العقوبات وإحكام القبضة الأمنية.
وظل ترتيب السودان متأخرا في التصنيف السنوي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» الخاص بحرية الصحافة حيث نال المركز 174 من 180دولة في العالم والمركز قبل الأخير بالنسبة للدول العربية.

الصحافيون السودانيون يقودون حملة مناهضة واسعة لقانون الصحافة الجديد
يكرّس قمع حرية الرأي ويضيف عقوبات جديدة
صلاح الدين مصطفى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية