الصوت «العربفوني» و«العرب أيدول»!

حجم الخط
3

الوظيفة الصوتية عند العرب اخطر وظائف الانسان تغييبا عن التوصيف والتفعيل، رغم انها الوظيفة الاكثر استهلاكا وتسويقا، ليس لاننا امة صوتية كما يتهمنا البعض، بل لاننا نملك امتيازا استثنائيا في تكريس الوظيفة الصوتية عندسلسلة من الوظائف الثانوية ذات الاستعمالاتالتعويضية، والتيباتت معروفة، وربما اغلبها يقع في السياق اللساني الاستعراضي مثل وظيفة الداعية، والخطيب، والشاعر، والشتّام والفقيه، الثوري، لكن هذه السلسة ظلت دائما بدون تغذية، وبعيدا عن فحصها ودراستها بوصفها الصورةالاكثر اشاعة وتداولا للمستويات الكلامية من اللغة، او بوصفها المادة التعبيرية والاشباعية للفكر.
علاقة الصوت بالتعبير عن الافكار علاقة والمشاعر ليست علاقة محكومة بالجينات الوراثية او بالسلالة القرابية فقط، او بمنسوب ال((dna في النظام الخلوي، بل انها علاقة فائقة ونامية وسرية، لانها تعني تكريس الانسان بوصفه(كائنا صوتيا) وان معرفة اوصافه ووعيه ورقته وخوفه وذكورته او انوثته تتبدى من خلال طبيعة الايقاع الصوتي، وحتى الجنون في وجه من وجوهه هو تعبير عن فقدان القدرة على ضبط علاقة الصوت بالمنطق او بالمعنى…
كما ان هذه العلاقة ليست جامدة او قياسية بالكامل ايضا، بل انها خاضعة لكل ميكانزماتالتطور عبر سياق تداولها واستهلاكها، وعبر بيان قدرتها على استقبال المضيفات الصوتية واللغوية، باتجاه شرعنةالتفاعل مع الاصوات الاخرى- من لغات اخرى- لكي تكتسب خبرات وتوصيفات ومرانات، وتتهذب فيها ذاكرة البلاغة القديمة، اذ لم يعد الصوت اللساني جهازا مجردا للتواصل او للحديث او نقل الرسائل او للخطب او لغيرها او حتى جزءا من مضوغات البيت العائلي والقبائلي، بقدر ما اصبح ايضا مجالا لتشكيل الكثير من القرابات الثقافية، واحسب ان مفردة (الفرانكفوني) و(الانكلوفوني) و(الاسبانفوفي) وغيرها، هي مفردات ذات توصيف ثقافي اكثر من كونها ذات توصيف صوتي لساني محدد.. والكل يعرف ان الفرانكفونيةتحولت تحت سياق الاستعمال والتوظيف والاحالة الى نسق سياسي وتنظيمي يستدعي احيانا التدخلات العسكرية من قبل السيدة الام الاستعمارية القديمة (فرنسا) كما حدث في العديد من الدول الافريقية الناطقة بالفرنسية، واستقبال لاعبي كرة القدم من دولة الزنوجة الفرنسية، وربما حدث بعض الشيء، وان كان محدودا مع بعض الدول الناطقة بالانكلوامريكية..
فهل لنا كعرب ان نملك حساسية عربية ثقافية او قومية او هوياتية للدفاع عن تشكيلنا الصوتي؟ وهل يمكن للجامعة العربية باعتبارها الجهة التنظيمية ل(الامة) ان تطالب بتحويل الطاقة الصوتية العربية الى خطاب ينادي بضرورة حيازة الشفرة (العربفونية) ذات التوصيف والاستخدام السياسي والثقافي؟ وهل ماتت حقا المجامع اللغوية العلمية تحت ضغط البطالة المقنعة، وفقدان قابلية التفاعل مع الازاحات اللغوتية والصوتية؟
وهل يمكن للمثقفين العرب باعتبارهم القوة الاكثر استهلاكا للطاقة الصوتية ان يحولوا مجرى الصوت العربي من الغرب الى الشرق لكي يغذوا هذا الصوت بمواد عالية الدسم والاناقة؟
وهل هناك قوة سياسية او ثقافية يمكن ان تجعل من برنامج مثل (عرب أيدول) ان يكون عربيا بامتياز، لاسناد وظيفة التهذيب الصوتين وان لاتتوه فيه الذائقة العربية صوتيا وجماليا -فقيرة التغذية- تحت يافطات غير منضبطة من الفونيات الاخرى، او حتى من البلبلة الصوتية التي تحدث عنها ساخطا زرياب الموصلّي في حضرة الخليفة عبد الرحمن الناصر في الاندلس؟
هذه الاسئلة قد تحمل الكثير من المرارة والكثير من السخرية، مثلما تحمل الكثير من البشاعة، لكني اجدها ضرورية ازاء محنة التغريب العربي- العربي، لاننالانفكر ب(عروبتنا بطريقة وظيفية)، او برغبة تحسين النسل الصوتي، حتى بات العرب امة بلا صوت واضح الان، لان ابناءها تغربنوا حد الغرابة، والادهى من ذلك ان هناك معلومات واحصائيات تقول: ان استعمال العربية في بعض دول المغرب العربي يأتي في المرتبة الثانية بعد اللغة الفرنسية، وفي بعض دول الخليج العربي صار في المرتبة الثالثة بعد اللغة الانكليزية واللغة الاوردية!!
التفكير بالعروبة لايعني التحوّل الى الشوفينية، ولايعني تعطيل التثاقفوالتعولموالتحاور مع الاخرين وغلق الصناديق تماما، ولا حتى تقنين المصالح معهم، بقدر ماتعني الوعي باهمية معرفة شيء اسمه (الهوية الصوتية) بكل اشكالاتها واسئلتها وانساقها المعرفية والصوتية، سيما واننا نسمع جدلا كثيرا ومفتوحا في مغربنا العربي ومشرقنا العربي حول هذا المصطلح الملتبس والشائه..اذ تكون الهوية في جوهرها طريقة لمعرفة الذات، واكتساب الفرادة في التعبير عنها، اي عبر اللغة بكل حملاتها وشفراتها واستعاراتها وعلائقها.
معرفة الهوية تعني معرفة الذات اولا، مثلما تعني معرفة اللغة بوصفها الوجه النظامي للكلام وللذات المفكرة، وكل لغة ان لم تستعمل، وان لم يعزز قاموسها بالادامة، فانها ستتعرض الى الكثير من عوامل التعرية مثلما يحدث في اية مادة حية، وان الاضافات اللغوية، بما فيها الاضافات الصوتية هي موجود في كل لغات الدنيا،وانها دليل على حيوية اللغة وقدرتها على التفاعل والاستجابة لمقتضيات العصر، ولتوسيع مستوياتها البنائية والصوتية لكي تكون لغة فاعلة وصالحة للاستعمال للعلم والمعرفة والتعليم والتوصيل والاثارة والذائقة والمزاج..
ونحن نشاهد هذه الايام برنامجاشعبويا اسمه عرب أيدول بدأ عرضه على فضائية (MBC)، نجد انفسنا امام الكثير من المفارقة، اذ ان البرنامج يعني اختيار النجم الطربي الاكثر نجومية للامة العربية!!! من خلال مجموعة من هواة الطرب العربي الشباب، والذين سيختارون من الذاكرة الغنائية الشيء الكثير،لكننا نكتشف ان الكثيرين يتوهون ازاء التوصيف الثقافي لتوظيف ظاهرة الصوت واهمية تسويقه بوصفه تعبيرا عن ثقافة لغة، وعن تواصل، وانقاة، وجماليات، اذ تحولت الاحكام للمشاركين الى موجهات مزاجية، تفتقد الى التوجيه الثقافي للتعريف باهميةثقافة الصوت، لاسيما في تطوير الجانب المقامي، والتحكم بايقاعه، وهذا موضوع تتفق عليه كل الثقافات الغنائية في العالم.
وعلى المستوى ذاته نواجه اشكالات بحاجة الى الدرس والمرجعة والفحص، وعبربرامج ذات توصيف مقارب، مثل (ستار اكاديمي) و(ذا فويس) والتي تشتغل ايضا على فكرة اختيار الاصوات الطربية، لكن الامر في هذه البرامج ان بعض المرشحين يغنون باللغتين الفرنسية والانكليزية بطريقة استعراضية، فضلا عن العربية، رغم ان بعض الحكام في لجنة الاختبار لايعرفون الحساسيات الثقافية والصوتية في هذه اللغات، وان القناعة ستكون على رهافة الصوت، وطبعا فان التقييم العلمي للاصوات بهذه الطريقة سيكون خطيرا ومثيرا للبس، لان الصوت بلا عمق وبلا حساسية سيكون اشبه بالاصغاء الى عملية طرق الاواني النحاسية..
ان برنامجا مثل برنامج (عرب أيدول) يمكن ان يكتسب صفة جماهيرية، ليس لانهنسخة من برنامج امريكي، بل من خلاله ضم احد خبراء الصوت في اللجنة التحكيمية، لاغناء الاحكام، ولاثرائها علميا، وباتجاه تغذية ثقافتنا الصوتية باجيال جديدة، سيما وان هناك انتشارا مثيرا للصناعات الطربية في عالمنا العربي، حدّ ان المطربين العرب اليوم اكثر من كل اعداد الشعراء والقصاصيين والروائيين والراقصين والتشكليين، اي انهم باتوا جزءا فاعلا في عملية صناعة المزاج والرأي العام الصوتي العربي..لذا اجد من المناسب التذكير فقط…باننا بحاجة فعلا لان نتصرف كعربفونيين، وان نحترم فونيتنا، ونغني بفونيتنا، ونثقف حناجرنا واسماعنا، ومن يعرف فونية اخرى، فليحتفظ بها لادامة جهازه المعرفي والثقافي واللغوي او النظر الى مرآته بنوع من الانويةوالايروسية العالية، وان لايحولالموضوع الى نوع من الاستعراض الذي بات يجعل البعض وكأنهم مهرجون في سيرك…

٭ كاتب عراقي

علي حسن الفواز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية