الصوت المعارض أو المستقل في الإعلام المصري حائط الصد الأساسي ضد الشائعات والكلاب الضالة تهدد أمن المواطنين

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: الموضوع الرئيسي في الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 28 و29 يوليو/تموز كان عن المؤتمر الوطني السادس للشباب، الذي ترأسه الرئيس السيسي ودعا إلى حضوره ثلاث آلاف من شباب الجامعات والمعاهد وأعضاء هيئات التدريس، بما يعكس اهتمامه بالشباب والتحاور معهم والاستماع إلى مطالبهم، وبعضها تم تشكيل لجان لتحقيقها، مثل مطالب الإفراج عن الشباب المحتجزين لأسباب سياسية، وبالفعل يتم من وقت لآخر الإفراج عن مجموعات منهم، من الذين لم يرتكبوا أعمالا إرهابية، أو هم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين.
كما اهتمت الصحف بقضية الشائعات التي أشار إليها الرئيس في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة يوليو، وتخريج دفعة جديدة من طلبة الكلية الحربية، حيث ذكر أن مصر تعرضت خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى واحد وعشرين ألف شائعة، هدفها تفتيت الجبهة الداخلية، وتأليب الشعب على النظام، ومع ذلك فإن مركز معلومات مجلس الوزراء يرد أولا بأول على هذه الشائعات وينقلها التلفزيون والقنوات الفضائية والصحف. وفي رأيي أن هناك خطة حكومية للتهويل من هذا الخطر الوهمي، لإثارة خوف الناس حتى ينسوا ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول نتيجة ذلك. ووصل الأمر إلى أن الرسام في مجلة «روز اليوسف» مصطفى سالم أخبرنا أنه كان مع قريب له أصيب بمرض وتم نقله للمستشفى وفوجئ بأن الطبيب بعد الكشف عليه يقول له: هنعملك عملية نستأصل فيها جيوبك اللي بتشتكي منها علطول دي.
بعد ذلك تفاوتت اهتمامات كل فئة أو مدينة أو محافظة فأولياء أمور طلاب الثانوية العامة الناجحين يتابعون أخبار المرحلة الثانية للقبول في الجامعات. ومن يتابعون كرة القدم مهتمون ببدء مباريات الدوري العام، ومباريات البطولة الإفريقية، ومن سيؤدون الحج يتابعون أسعاره التي ارتفعت، وشكاوى الشركات والمصابون بأمراض حرجة يتابعون ما يتم معهم لتنفيذ قرار الرئيس السيسي بالانتهاء من قوائم الانتظار، في ظرف ستة اشهر، وعلاج غير القادرين على نفقة الدولة. وأهالي أسوان وغيرها اهتموا بوصول أول طائرة شارتر من إسبانيا تنقل سائحين كمقدمة لتوالي هذا النوع من الرحلات، حتى شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وهو ما سيحقق انتعاشا جزئيا. ولوحظ استمرار الاهتمام الكبير من صحافيين وكتاب بالقانون العنصري الذي أصدره الكنيست الإسرائيلي ما يعكس اهتماما كبيرا بالقضية الفلسطينية. وإلى بعض مما عندنا من تفاصيل الأخبار وأخرى غيرها متنوعة..

مؤتمر الشباب

ونبدأ بأبرز ما نشر عن المؤتمر الوطني السادس للشباب، الذي عقده الرئيس السيسي في جامعة القاهرة بحضور ثلاثة آلاف شاب من خريجي الجامعات والمعاهد وطلبتها وأعضاء هيئات التدريس والمعاهد، وقال عنه يوم السبت في «الوطن» محمود الكردوسي في بروازه «كرباج» مؤكدا على ظاهرة حقيقية وهي عدم اهتمام الشباب بالسياسة وقوله: «كنت في الجامعة في سبعينيات أنور السادات عندما كانت الجامعات تذهب إلى السلطة في عقر دارها، تعبر الشوارع والأزقة والميادين حاملة مطالب شبابها وصراخهم ولافتاتهم، الآن تغير كل شيء الجامعات ترهلت والشباب لم يعد مهتماً لا بالولاءات السياسية، ولا بحب البلد، ولا بالدفاع عن الفقراء، بل بالهجرة إلى أوهام العولمة، هذا ما يحاول الرئيس السيسي أن يعالجه: يذهب إلى الشباب ويدعوهم إلى لقائه في عقر دارهم يضرب المثل- من خلال تباسطه معهم وفتح أحضانه لهم- على أن السلطة ليست خصماً، بل جاءت لتخدمهم وتحقق أحلامهم وتبني لهم بلداً يحبونه وينتمون إليه. المستقبل هو المشروع الوطني للسيسي، والشباب هم جوهر هذا المستقبل، ندعو الله ألا يأتي بعد السيسي من يفسد على الشباب هذا المشروع فهي بدعة فرعونية أصيلة».

تفسير لسياسات الحكومات المتعاقبة

وأمس الأحد نشرت «المصري اليوم» مقالا كتبه أحمد الدريني أشار فيه إلى الحوار في المؤتمر ليس بين الدولة والشباب وإنما بين الدولة ونفسها وقال: « مع فعاليات المؤتمر السادس للشباب، وبعد عشرات الجلسات الحوارية، التي أديرت بحضور رئيس الجمهورية على مدار المؤتمرات السابقة، يبدو أن تقليدًا سياسيًا موفقًا قد نشأ وترسخ مع الوقت، من حيث لم يدبر أحد أو يعتقد. فقد باتت الجلسات الحوارية بمثابة محاضر شرح وتفسير لسياسات الحكومات المتعاقبة، في مسائل الاقتصاد والتخطيط والتنمية. وربما هي المرة الأولى التي يعاين فيها المواطن المصري وزراءه ومسؤوليه يسعون لشرح الأوضاع وتوضيح الخطط، بصورة دورية تتزامن مع هذه المؤتمرات وعناوينها المختلفة. ولعل هذا التقليد الذي ارتسم مع الوقت قد استدرج الوزراء إلى مواجهات مباشرة مع ملايين المصريين، وإن كان عبر الشاشات، مطالبين بالشرح والتفسير والتعليل، لعله يضبط العلاقة الملتبسة بين الحكومة والشعب، لتتفهم الأولى أنها موظفة عند الثاني. وإذا كان رأس الدولة هو المسؤول الوحيد الذي جسُر على التحدث للمواطنين عن الغلاء ورفع أسعار السلع، معترفًا بالألم الشعبي في شجاعة سياسية تحسب له – فإن الحوار المجتمعى حول هذه الإجراءات يصبح أكثر ضرورة ووجاهة، ويصبح المضي قدمًا في مثل هذه الإجراءات الموصوفة بالإصلاحية مدعاة لحوار أكثر عمقًا. وليس أصلح فى هذه الحالة من مؤتمرات الشباب. أما موضوع الشباب أنفسهم والعلاقة بينهم وبين الدولة، فيحتاج إلى ما هو أبعد وأعمق من مجرد الحوار مع نماذج بعينها من الشباب، دون البعض الآخر، في حوار يبدو كثيراً حواراً بين الدولة ونفسها».

ملف المعتقلين

أما أعنف ما كتب والأكثر صراحة، فكان في العدد نفسه من «المصري اليوم» للدكتور عمرو الشوبكي، الذي طالب فيه بالإفراج عن الشباب المحتجزين على ذمة قضايا، رغم أنهم ضد الإخوان، وضرورة إفساح المجال أمام ديمقراطية وتفاعل أوسع ومما قاله: «عادة ما تحاول الدولة أن تتفاعل مع الجزء الصحي من شبابها، وتتخذ سياسات وقائية من أجل عدم انحراف الشباب، سواء في آرائه السياسية أو ممارساته السلوكية والاجتماعية، معادلة تعامل الدولة مع الشباب في مصر يجب أن تقبل بأن الهوى العام للشباب في سن الجامعات احتجاجي وساخط، وغالبا ما يكون معارضا في السياسة وغير السياسة، وهى معادلات لا يمكن حلها بالملاحقة الأمنية، إنما بالحوار والاحتواء السياسي. والحقيقة أن التعامل مع الشباب المحتج يجب أن لا يكون بالطريقة الأمنية، وهناك أسماء رأت الدولة أنها متجاوزة، وحرضت على التظاهر وتم توقيفها مثل، شادي الغزالي حرب، رغم أنه من الشباب المدني الذي واجه الإخوان وجماعات العنف، وتولى عمه الدكتور أسامة الغزالي حرب بقرار رئاسي مسؤولية الإفراج عن الشباب المعتقل، فوجد ابن شقيقه واحدا منهم. يجب إعادة فتح ملف المعتقلين بصورة أكثر حسما، خاصة أن بعضهم تجاوزت فترة محبسه الفترة القانونية «عامين»، مثل هشام جعفر وآخرين. نعم هناك تيار واسع في مصر ومن الشباب يؤيد النظام الحالي، وكثير منهم عن قناعة حقيقية فهم يرون الإخوان خطرا حقيقيا على البلد، ورفضوا بعد أشهر قليلة من ثورة يناير/كانون الثاني الخطاب الثوري وغياب أي بدائل سياسية لنظام مبارك، وظل تأييدهم للرئيس حقيقيا وعن قناعة. احتواء الشباب والحوار معهم لا يعني ضمهم جميعا للبرنامج الرئاسي، إنما الاحتفاظ فقط بالمؤيدين الحقيقيين والحوار مع المعارضين من خارج تيارات العنف، وفتح الآفاق لهم لكي يتحولوا من معارضة ترفض بشكل جذري النظام الحالي، إلى معارضة إصلاحية تراهن على المستقبل، وتحترم المؤيدين للنظام، وهذا لن يتم إلا إذا أفرج عن كل المعتقلين السلميين في عفو رئاسي شامل، وفتح مسار سياسي يعطي أملاً بأن التنمية في مصر تسير على قدمين سياسية واقتصادية».

الرئيس زعلان!

أما الرئيس فإنه شارك بمداخلات في بعض الجلسات، وكان أبرزها تلك المخصصة لقضية استراتيجية بناء الإنسان المصري، وكان غضبه واضحا لأنه عبّر عنه صراحة بسبب رفض قطاع من التيار الديني تطوير الخطاب الديني، وكذلك بعض المواقف لمواجهة مشكلة تزايد الطلاق وضياع الأبناء، ما أوجد مشكلة اجتماعية خطيرة قال السيسي عنها نقلا عن «الجمهورية»: «لو عايزين تتكلموا عن قيم أخلاقية طيب انتو مستعدين تقبلوا في التلفزيون والسينما والمسرح سلوكيات لا تليق، وفي الآخر نقول هذا إبداع وحرية إبداع في خيط رفيع عايزين تصلحوها ولا مش عايزين؟ بتقولوا القوانين والتشريعات طيب أنتم شايفين قضايا مجتمعية موجودة عندنا، يعني مثلا هم قالوا نسب الطلاق 44٪ يعني كل 100 حالة زواج يحدث بها تقريبا 50٪ طلاق. بيقولوا هناك 9 ملايين طفل بدون أب وأم بشكل مباشر، طيب في كمان 15 مليونا بشكل غير مباشر يعني انفصال بشكل خفي معملوش وثيقة انفصال هل تتصدوا كمجتمع. عندما طالبت بضرورة إصدار تشريع لتوثيق الطلاق هوجمت، ‬أنتم عايزين تحولوا ولادنا الـ9 ملايين إللي بدون أب وأم بشكل أو بآخر والـ15 مليون إللي بشكل غير مباشر عاوزين تحولوهم لأيه؟ هل هذا مجتمع سوي ولا إحنا رايحين للعدمية، أنا بقول الكلام لنا كلنا، لكل إنسان ماشي في الشارع، لكل موظف لكل رجل دين، للبرلمان، لكل الشعب المصري، عملية بناء الإنسان المصري هي عملية مجتمعية وليست عملية حكومية، إنما تعتقدوا أن إحنا معانا عصا سحرية نقدر نحل بيها المسألة في بناء الإنسان، لا دي عملية فيها تفاعل ‬دخلونا في أمة ذات عوز عارفين أمة العوز أمة الفقر، دخلونا فيها، ولما آجي أخرج بكم منها يقولك هاشتاج «‬إرحل يا سيسي» لما أجي عاوز أخرجكم من العوز وأخليكم أمة ذات شأن بفضل الله سبحانه وتعالى تعملوا هاشتاج إرحل يا سيسي أزعل ولا مزعلش؟ في دي أزعل لازم نخرج من العوز، العوز الأخلاقي العوز العلمي والعوز الاقتصادي والعوز المعنوي والعوز الاجتماعي، أوعوا تفتكروا هنقدر نخرج منه بالحكومة أو بأي حد لأ».

عبد الناصر وثورة يوليو

ورغم الابتعاد عن ذكرى ثورة 23 يوليو/تموز 1952 إلا أنها لا تزال تجتذب اهتمامات الكثير من الزملاء والكتاب، وقد فاجأنا واحد من أنصار نظام مبارك وهو خالد أبو بكر المحامي الذي انتابته موجة غضب هائلة بسبب إعجاب الرئيس السيسي بعبد الناصر وتشبيه البعض للسيسي بأنه مثل عبد الناصر فقال في مقاله الأسبوعي في جريدة «أخبار اليوم» تحت عنوان «عبد الناصر والسيسي لا وجه للربط أو المقارنة»: «‎لا يوجد إجماع من المصريين على هذه الثورات التي مرت في تاريخنا المعاصر، ‎وكعادة الرئيس السيسي في هذه المناسبة ألقى كلمة للمصريين أشاد فيها بثورة يوليو وبالرئيس جمال عبدالناصر، ‎وكان اليوم كله على الشاشات يوما ناصريا صبح وظهر وليل، ‎ولا أعتقد أن الأمر كان سيكون بهذا الاهتمام لو لم يظهر اهتمام الرئيس بعبدالناصر بشكل واضح، فلو كان الرئيس لا يميل لعبدالناصر لكان حال الإعلام تغير وده اتعودنا عليه، ‎لكن ليس معنى أن الرئيس يحب عبدالناصر أن بالضرورة الشعب كله لازم يحبه. ‎والأهم واللي لفت نظري واستفزني جدا هو مقولة إن الرئيس السيسي هو عبدالناصر الثاني، أو هو امتداد لعبدالناصر، لدرجة أن هناك كاركاتير نشر في إحدى الجرائد يحمل هذا المعنى، ‎الحقيقة يا سادة وأقولها ونحن في عصر الرئيس السيسي، أن لا مجال للمقارنة إطلاقا، ولا أرى أنه إلزام على أحد أن يأخذ وجهة نظر الرئيس السيسي نفسها في حبه الواضح لعبدالناصر‎، ولا يمكن أن يكون ما قدمه ناصر لمصر، كما قدمه السيسي، ولو أن كلامي هيزعل الناصريين، أو يقال عليه مدح للحاكم الحالي، فإليكم مبرراتي، ‎هناك نقاط واضحه تبين لك الفرق:‎ أولا: عبدالناصر خطط للوصول للحكم وثار على الملك بخطوات تنظيمية، في 2013 الشعب هو من ثار على الإخوان والسيسي أعطى لهم فرصة 48 ساعة لكي يبقوا في الحكم ،ويحلوا مشاكلهم، بدون تدخل من الجيش. ‎ثالثا: عبدالناصر هزم في كل معارك خاضها وحمل الشعب المصري كما هائلا من الخسائر في الحروب التي شارك في بعضها باختياره، والسيسي كان من يومه الأول بعيدا عن أي صدام، وعندما حارب الإخوان والإرهاب انتصر بقوة. ‎رابعا: وجود عبدالحكيم عامر بجوار عبدالناصر إلى أن وصلنا إلى النكسة، أمر يتحمله عبدالناصر وكان وجوده لمجرد أنه شريك في الثورة. الرئيس السيسي لا يبقي على أحد في منصبه إلا باعتبارات الكفاءة والتغييرات التي مرت طوال الأربع سنوات الماضية خير شاهد. ‎خامسا: حتى إن كنت غير راض عن الديمقراطية وحرية الرأي في هذه الأيام إلا أنه لا يمكن إطلاقا أن تقارن بعهد ناصر وما كان به ‎السيسي حكم مصر بعد أن كان قائد جيش ورئيس مخابرات ووزير دفاع. ناصر كان ضابطا في الثلاثينيات من عمره، أيا ما كان الأمر كلاهما قدم لوطنه الكثير أصاب واخطأ، لكن الربط بينهما أو تشبيههما ببعض خطأ تاريخي كبير، أرجو ألا نقع فيه من وجهة نظري».

حزب الفساد

ولم يكن المحامي يدري ما ينتظره في العدد نفسه على يد نقيب الصحافيين الأسبق جلال عارف، الذي أشار إلى من هم في الخارج ويهاجمون ثورة يوليو وزعيمها ثم قال عن الذين في الداخل: «في الداخل سوف نرى حزب الفساد الذي مارس النهب للمال العام لسنوات، وكان أحد أسباب خروج الملايين طلبا للعدل والكرامة في يناير/كانون الثاني، كما كان أسلافه قبل ثورة يوليو/تموز سبباً في سقوط النظام ودافعا لتحرك الضباط الأحرار، ليكونوا طليعة ثورة أصبحت إحدى أعظم ثورات العصر، بعد أن قضت على هذا الفساد وفتحت أمام مصر كل الأبواب، لكي تتحرر وتنهض وتبني دولتها الحديثة. حزب الفساد الذي سقط مرة ثانية بعد أن استعاد عافيته في ظل الانقلاب على يوليو منذ السبعينيات، يتصور أنه قادر على أن يتجاوز ثورة يناير واستكمالها في يونيو/حزيران، وأن يعيد عهده غير السعيد، رغم الضربات الهائلة التي يتلقاها الآن، وربما لهذا السبب نجد – حتى الآن – هذا التقاعس غير المبرر عند «‬البعض» عن المشاركة في جهود التنمية، وهذا التوجه عندهم للاستثمار في الخارج بدلا من الاستثمار داخل الوطن – رغم الاستجابة لكل مطالبهم وتوفير المناخ الذي يتيح لهم أفضل العوائد لاستثماراتهم، وكأنهم يكررون ما فعله أسلافهم مع ثورة يوليو، ولا يدركون ما أكده شعب مصر على الدوام من أنه قادر على تخطي الصعاب مهما كانت، وأن مصلحة الوطن في النهاية هي التي ستنتصر.

الإشاعات

ومنذ قول الرئيس السيسي محذرا من خطورة الإشاعات وأن مصر تعرضت في الأشهر الثلاثة الماضية إلى واحد وعشرين ألف شائعة امتلأت الصحف بالتحقيقات الصحافية والمقالات والتعليقات عن الإشاعات والقوى التي تطلقها في الخارج والداخل وخطورة ما تبنته وسائل التواصل الاجتماعي عندما تنقلها بدون تدقيق، لدرجة دفعت محمد السيد صالح رئيس تحرير «المصري اليوم» السابق لأن يتساءل عن الجهة التي أمدت الرئيس بهذا العدد من الشائعات وقال مشككا في الرقم في بابه المتميز جدا «كل سبت»: «لا أعرف من الذي حدد عدد الشائعات التي ترددت مؤخراً وبأنها في حدود 21 ألف شائعة، معظمها انتشرت عبر الوسائط الاجتماعية، وإذا كان الرئيس هو بنفسه الذي قالها، وفي خطاب سياسي كبير، خلال حفل تخرج الكليات العسكرية وذكرى ثورة يوليو/تموز، فإن الرقم محسوب بدقة من جهة سيادية ما، اللافت أن حديث الرئيس تواكب مع حملات مضادة تقوم بها الفضائيات الرسمية وشبه الرسمية، لتفنيد عدد من هذه الشائعات. لاحظت بالطبع أنها لم تتجاوز في عددها سبع أو ثماني شائعات، لكن هذه قصة أخرى. ما شغلني الجهة التي حسبت كل هذا العدد الضخم من الشائعات وكان لديها الجرأة، أن تقدم الرقم رأسًا للسيد الرئيس، لجأت إلى عدد من الأساتذة المتخصصين بشكل مباشر، أو من خلال متابعة ما كتبوه عن هذه القضية، فلم أجد ما يفيدني أو ما يجيب عن تساؤلاتي المشروعة من صحافي يهتم بالمعلومات ورصدها، وإذا كانت لي نصيحة هنا بعد كل ما ذكرته وكتبه زملاء غيري، فأرى أن الأجواء المشجعة والمحفزة للشائعات موجودة ولن يصلح معها هذه الإدارات المركزية لتحديد ما هو حقيقي وصالح، وما هو فاسد وخاطئ. تجاوزنا زمن الإعلام الموجه والصوت «الأبوي» جعلتنا وسائل الإعلام الدولية العابرة للحدود ثم الوسائط الاجتماعية أقزامًا أمام أنفسنا وقرائنا ومشاهدينا، عندما نفقد مصداقيتنا فلن يصبح لنا أي تأثير، ستكون الساحة مفتوحة فقط أمام الأفاكين معدومي المهارة والموهبة أو لأصحاب الشائعات، وما أكثرهم في الداخل والخارج. كان الصوت المعارض أو المستقل في الإعلام المصري هو الأكثر حرصًا للوصول إلى الحقيقة، حافظوا على أصحاب هذه الأصوات أيًا كانت مواقفهم أو صفاتهم فهم حائط الصد الأساسي ضد الشائعات».

العلاقة بين الحكومة والشعب

أما الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة ومستشار جريدة «الوطن» فلم يكتف بالإشاعات الآن، وإنما حلل أسبابها ونوعيتها منذ عهدي عبد الناصر والسادات قائلا وهو يغمز النظام: «في الحالات الطبيعية تروج الشائعات في حياة أي شعب وقت الحروب والأزمات، ولكن عندما تصبح الشائعة جزءاً من نسيج الثقافة العامة، فعليك أن تراجع «منسوب الثقة» داخل المجتمع، سواء منسوب الثقة في الذات الجمعية، أو منسوب الثقة في العلاقة بين الحكومة والشعب. الرئيس جمال عبدالناصر رحمه الله ،كان يميل إلى الإخفاء، الناس في عصره كانت تعيش في الكلمات والصور أكثر مما تعيش في الواقع، عبدالناصر كان وطنياً مخلصاً حكم البلاد بعد ثورة، ومؤكد أن أطرافاً عديدة كانت تستهدف البلاد وقتها، لكن ذلك لم يكن يبرر إخفاء الحقائق عن الشعب، وقد اضطر عبدالناصر إلى المصارحة بالحقيقة المرة، ولكن بعد فوات الأوان، عندما خرج يحدث الشعب عما حدث في حرب 1967 تكرست الشائعات كجزء من الثقافة العامة للمصريين. أيام السادات – رحمه الله- لسبب مختلف يتمثل في عدم ميل الرئيس إلى «الشرح والتوضيح والتفسير»، كان السادات رجلاً ذكياً ولا شك، مجيداً في علم الحسابات السياسية، لديه القدرة على اتخاذ القرار، لكنه كان لا يكترث بشرح مغزى ودلالة وأبعاد قراراته للناس، ومن يقرأ مذكرات بعض من رافقوا السادات في مباحثات كامب ديفيد، يلاحظ أنه كان يتخذ القرار ويحاول فرضه على أعضاء الوفد المصري، بدون شرح، ويسخر ممن يكشف له عن بعض الثغرات فيه. إحجام السادات عن الشرح والتفسير كان يدفع الناس إلى اختراع شروحات وتفسيرات لم تكن تعدو بالبداهة دائرة «الشائعات» وكان أداؤه هو السبب».

مشاكل وانتقادات

وإلى المشاكل والانتقادات، ومنها مشكلة قوائم الانتظار الطويلة من أصحاب الحالات الحرجة من غير القادرين، الذين يطلبون إجراء جراحات، وتدخل الرئيس لحلها بإصدار أمره لوزارة الصحة بالقضاء على هذه المشكلة في ظرف ستة أشهر، وأتضح أنه لم يفعل ذلك فجأة، وإنما بعد أن كان قد كلف وزيرة الصحة الجديدة الدكتورة هالة زايد بعد تعيينها في وزارة الدكتور مصطفى مدبولي وتكليف وزير المالية بتدبير الاعتماد المالي اللازم، وهو ما أوضحه الدكتور أحمد الانصاري رئيس هيئة الإسعاف في حديث نشرته له مجلة «الإذاعة والتلفزيون»، وأجرته معه هانم الشربيني قال فيه: «كلف الرئيس الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة عقب حلفها لليمين مباشرة، بوضع خطة للقضاء على قوائم الانتظار في 6 شهور، وبدأنا بحصر كل البيانات عبر إنشاء غرفة تحكم تتجمع عندها كل البيانات الخاصة بقوائم الانتظار، من كل الجهات الطبية، سواء المستشفيات التابعة لوزارة الصحة، أو المستشفيات الجامعية، وحساب التكلفة المبدئية للمشروع، أو احتياجات للبنية المعلوماتية، ولذلك في غرفة الانتظار نعمل على عدة محاور منها، توفير قاعدة بيانات خاصة بالمرضى، ومنها إنشاء غرفة تحكم واتصال مع الجهات الطبية المختلفة. قوائم الانتظار تعني أن مريضاً ذهب لمستشفى ما وتم تحديد جراحة حرجة له، لكنها لم تنفذ وهي واحدة من 9 جراحات، وهي القسطرة القلبية التداخلية، زراعة القلب والكلى، زراعة المفاصل أو جرحات العظام، أمراض العمود الفقري والأوروام والقلب والصدر، زراعة الكلى والكبد والقرنية والقوقعة، وبالتالي المريض لا يستطيع الاستمرار تحت العلاج بالدواء في مثل هذه الحالات، ويحتاج لتدخل جراحي سريع، والجراحة إجراء حتمى بالنسبة له، وبالتالى قوائم الانتظار مخصصة لهذه الحالات خصيصاً وتأخذ مسار مرضى الطوارئ في مصر».

المرضى أصحاب الحالات الحرجة

وعن الموضوع نفسه نشرت «الأهرام» يوم السبت تحقيقا لرانيا رفاعي جاء فيه: «شهد معهد القلب في إمبابة (أمس) حالة من الاستنفار الطبي للانتهاء من جميع قوائم الانتظار للمرضى أصحاب الحالات الحرجة، الذين لم يتسع وقت وجهد المستشفى لإجراء عمليات القسطرة لهم جميعا، وقد شكّل العاملون في معهد القلب بالأمس ابتداء من الدكتور أحمد فتحي عميد المعهد وكبار الأطباء، مرورا بالممرضات والإداريين حتى عمال النظافة وأفراد الأمن كتيبة عمل تطوعية 100٪ لإجراء جراحات القلب العاجلة للمرضى الذين لا تتحمل حالتهم الطبية المزيد من الانتظار. ويقول الدكتور أحمد فتحي عميد المعهد، إن معهد القلب ليس مجرد صرح طبي عظيم يعود تاريخه إلى ستينيات القرن الماضي، لكنه مؤسسة وطنية عريقة، وجودها من أهم صمامات الأمن والاستقرار في هذا الوطن، لذلك شارك في هذه الملحمة ثلاثة أجيال من كبار أطباء جراحات القلب في مصر والوطن العربي، بل ربما العالم».

تبعات ارتفاع الأسعار

وآخر المشاكل حدثنا عنها أمس الأحد في «الأهرام» خالد الأصمعي، وكانت عن الكلاب الضالة التي زادت أعدادها في كل مكان وأصبحت تعقر الناس بسبب جوعها، لأنها لم تعد تجد ما اعتادت على أكله من أكوام الزبالة، لأن الناس لم تعد تلقي فضلات كثيرة من الطعام بسبب ارتفاع الأسعار وقال: «إذا كان الأمن السياسي والأمن الجنائي هما أساس انضباط الشارع المصري، فإن ظواهر أخرى تهدد الأمن وتهدد حياة المواطنين مثل الكلاب الضالة، وهو حيوان ولد في الشارع وكبر وتربى وتكاثر بين أكوام القمامة، ومع ارتفاع سقف الأسعار قلت المخلفات العضوية، وضاقت فرص الطعام للكلاب الضالة، ومع تكاثرها الضخم الذي وصل إلى المئات في بعض المناطق الشعبية، وأصبح الجوع هو الحاكم، اختل التوازن بين الإنسان والكلب وزادت حوادث العقر إلى أن وصلت طبقا لإحصاءات وزارة الصحة إلى 430 ألف حالة عقر عام 2017 منها 59 حالة وفاة، كان في الماضي «السماوي» وهو مسمى الشرطي الذي يطوف الشوارع ويحمل بندقيته الخرطوش ويصوبها تجاه الكلب الضال، هو الحاكم في إبقاء الكلاب عند حدودها الآمنة، حتي اختفى هذا الشرطي بسبب ضغوط مارستها جمعيات الرفق بالحيوان، واختفى صوت جمعيات حقوق الإنسان، التي لا ترى غير الوجه السياسي للإنسان، وأصبح الشارع المصري مرتعا للكلاب الضالة بغير مقاومة، أو أدنى جهد لتقليصها، فتكاثرت وأصبحت قنبلة موقوتة تهدد حياة المواطنين، وتروع الأطفال في القرى والمدن والأحياء الشعبية والراقية على حد سواء، ومع تفاقم الخطورة، وصل الأمر إلى مجلس النواب وزادت طلبات الإحاطة، حتى اجتمعت لجنة الإدارة المحلية في المجلس لوضع استراتيجية ناجزة وبشكل علمي يضعها المسؤولون في وزارة الزراعة والطب البيطري، وأشرف البرلمان على انتهاء الفصل التشريعي، ومازالت اللجنة تناقش الأسباب وتستعرض الحلول بدون أن تصل إلى قرار قطعي يلزم الحكومة ببرنامج وخطة عمل واضحة ومحددة بسقف زمني للتغلب على ظاهرة الكلاب الضالة».

ذكريات الوحدة

وإلى «الجمهورية» التي أخذنا فيها أحمد العطار من مصر إلى سوريا قائلا: «في كل مرة نحتفل بذكرى ثورة يوليو/تموز يتبادر إلى الذهن سوريا الشقيقة، وتمر ذكريات الوحدة وأمجاد الجمهورية العربية المتحدة في أول تجربة حية على الأرض لوحدة وتكامل قطرين عربيين، بعيدا عن شعارات التكامل العربي والوطن الواحد والسوق الواحدة، ورغم عدم اكتمال الحلم وانفصال الوطن الواحد سريعا إلى وطنين وبلدين وشعبين، بعد سنوات قليلة، إلا أننا توقعنا ظهور تجارب أخرى ثنائية أو ثلاثية أو خماسية، وراودتنا أحلام النجاح والاستمرار، لعلها تكون نواة ونقطة انطلاق لحلم الوطن العربي الواحد، ولكن للأسف تبدد الحلم وبات سرابا ووهما مستحيلا، رغم أن الله خلقنا كعرب وخلق معنا كل مقومات الوحدة والتكامل، لغة وديناً وتاريخاً وجغرافيا ومصيراً ومستقبلاً واحداً، ولكن يبدو أن الشعوب والحكومات اتفقت على الخلاف والتشتت والتشرذم. صحيح أنه ظهرت بعض التجمعات الإقليمية داخل الوطن العربي، مثل التعاون الخليجي، والتعاون العربي والتعاون المغربي، لكن التجارب كلها فشلت في إرضاء غرورنا كعرب، وتحقيق حلمنا الأكبر والأعظم بتكتل اتحاد عربي مشابه للاتحاد الأوروبي، الذي صب في بوتقته الشتات ووحّد الأضداد وجمع الشرقي والغربي والشيوعي والليبرالي، وبات أكبر قوة اقتصادية وتجارية وسياسية ومركز ثقل وضغط دولي يعمل له ألف حساب على الساحة الدولية».

مذبحة الدروز

وإلى المذبحة المروعة التي ارتكبها «داعش» ضد الدروز في منطقة السويداء في سوريا، حيث سارع خالد منتصر في «الوطن» يوم السبت باتهام ابن تيمية بأنه الذي ارتكب المذبحة لا الأحزمة الناسفة، وذلك بتكفيره لهم والتحريض على قتلهم، بل وتكفير من لا يقتلهم ونقل عن فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية المجلد 28: «سئل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، عما يحكم به في الدروز والنصيرية فأجاب بما يأتي: « وهؤلاء الدرزية كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، بل ولا يُقَرون بالجزية فإنهم مرتدون عن دين الإسلام، ليسوا مسلمين ولا يهوداً ولا نصارى، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، ولا وجوب صوم رمضان، ووجوب الحج ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما، وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً رحمه الله: رداً على نبذ لطوائف من الدروز: كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم. ثم تساءل في النهاية: هل عرفتم الآن من فجّر الدروز في السويداء؟ وهل هذا سؤال طبعا نعرف أكثر من هذا، فأشقاؤنا الدروز منتشرون في سوريا ولبنان أكثر من أي مناطق أخرى، وفي إسرائيل أيضا، وأيام احتلال الدولة العثمانية للشام، سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، الآن وبعد أن تحولت إلى الرجل المريض كثرت التدخلات الأجنبية فيها وكل طائفة عرقية أو دينية كانت تلجأ لدولة أوروبية تستمد منها الحماية، فرأينا الدروز يحتمون ببريطانيا بعد تعرضهم للمذابح، والكاثوليك والموارنة يستعينون بفرنسا ويلقبونها بالام الرؤوم، والأرثوذكس استعانوا بروسيا القيصرية، لأن مذهبها المسيحي كان أرثوذكسيا، ودروز لبنان سيطرت عليهم عائلتان، الأولى عائلات جنبلاط التي لها علاقات سيئة مع النظام السوري، منذ حكم الرئيس السابق حافظ الأسد، الذي اتهموه باغتيال زعيمهم كمال جنبلاط، وما زال ابنه وليد جنبلاط الذي خلفه في الزعامة على علاقة سيئة بها. والعائلة الأخرى وهي عائلة أرسلان، وكان رأسها شكيب ارسلان على علاقة حسنة مع سوريا، وليس لديّ أي معلومات الآن عن مدى وجودها ونفوذها، إلا أن الأنباء التي تواترت بعد الهجوم الإرهابي كشفت عن حقائق لافتة وهي أن دروز السويداء اتخذوا موقف الحياد في الصراع بين النظام السوري والإرهابيين ورفضوا التجنيد في الجيش».

الصوت المعارض أو المستقل في الإعلام المصري حائط الصد الأساسي ضد الشائعات والكلاب الضالة تهدد أمن المواطنين

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية