الضغط الدستوري الشعبي: الطرح الجدي اللبناني الوحيد الآن

حجم الخط
1

بالكاد يكفي الدستور اللبناني الحالي لانتخاب رئيس جمهورية جديد بعد عامين ونصف من فراغ السدّة. ليس هناك في الوقت نفسه أي سند معياريّ يتيح وضع حدّ لهذا الفراغ الذي لا يبدو أنّ ثمّة ظروفا سياسية تتيح اختصاره في الأمد المنظور غير هذا الدستور.
التذكير بهذا السند المعياري، النص الدستوري بمواده ومضامينها ومبانيها، وتحويل عملية التذكير هذه إلى فعل مجتمعي ضاغط، هو ما باشرته مجموعة من المثقفين والحقوقيين والناشطين تحت عنوان «لبنان الإنسان». بصرف النظر عن عدم موافقة قسم منهم، أو أغلبهم، أو كلّهم ربّما، على أن الدستور الحالي بالكاد يكفي لانتخاب رئيس، وغلبة خطاب «الالتزام بمرجعية اتفاق الطائف» عليهم.
مع ذلك، تحرّكهم الآن هو الجدّ السياسي الوحيد في البلد. طرحهم بسيط وواضح: النواب يخرقون الدستور بشكل متواصل ومتصاعد، انما الآن في مادة بعينها بالتحديد.
الحل الوحيد الذي يمكن للبنانيين المبادرة اليه، ما دامت المرجعيات الاقليمية لقواهم السياسية غير مبالية أو غير قادرة في الوقت الحالي على التفاهم فيما بينها للاتيان برئيس، هو تكثيف الضغط «المدني» عليهم، ضغط بهدف إلى عمل شيء ما: الحضور إلى جلسة الانتخاب.
الحدود النخبوية لهذا التحرّك لها اشكالية مزدوجة: تكسبه احترامية لدى الناس، وتجعل بينه وبين الناس مسافة. لكنها مسافة كفيل بأن يتجاوزها التحرّك، بالاستفادة من احترامية ومصداقية نواته الاجتماعية، وباظهار بساطة ودقة الطرح: الضغط على النواب كي ينتخبوا رئيسا. أمام هذا الموضوع، كل الموضوعات السياسية الأخرى غير القادرة على الانضواء كتفريعات على هذا الطرح تصبح، حالياً، «خارج الموضوع».
هذا التحرّك يمكنه بالتالي أن يتوسّع ويتحوّل إلى حملة ضغط جماهيرية عارمة، وقبل كل شيء إلى حركة احتجاج ضمني عن غياب الحركة الشعبية في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد تحلّل الإنشطار الآذاري، فيما يتعلق بالملف الرئاسي، أو عدم تمكنها من المثابرة، فيما يتعلق بالتجربة الحيوية للحراك المدني الشبابي الطابع، أو مثابرتها لفترة أطول وعدم تمكنها من تحقيق أهدافها، كما في التجربة المهمة للغاية لهيئة التنسيق النقابية.
الحياة السياسية بلا انتخابات تشريعية منذ سبع سنوات، ومن دون حركة شعبية في الشارع منذ ما يقارب العام، تتحوّل أكثر فأكثر إلى «باقة كماخات». لقد بلغت الحركة الشعبية في لبنان الذروة عام 2005، وعلى خلفية الانشطار بين الخط «السيادي» وبين الخط «الممانعاتي»، ولو أن عامية 14 آذار/مارس من ذلك العام كانت الأكثر قرباً، حيوية وزخماً ومدى، لمنطق الحركة الشعبية، من «انضباطية» تظاهرة 8 آذار/مارس التي نظمها «حزب الله» وحلفاء النظام السوري الآخرون قبل ذلك بأيام قليلة. في الوقت نفسه، كان الرد على «جماهيرية الميدان الآخر» هو المحرّك لكل من الميدانين، والتناقض هذا لم يكن حيوياً وخلاقاً في المجتمع اللبناني، طالما ان النسق التعبوي المسلّح للحزب الخميني من جهة، والنسق الأوليغارشي الذي حكم القالب السياسي لحركة 14 آذار/مارس أكثر فأكثر، صارا يميلان بعد هذين اليومين التحشيدين الواسعين، لتحاشي الاستعانة بالجماهير في «حرب المواقع» بينهما، قدر الامكان، أي الاستعانة بها «منمّطة» في مرحلة أولى، تصفّق حين يطلب منها أن تصفّق، والاكتفاء بحرارة تصفيقها دون الاهتمام بمدى حضورها العددي، في مرحلة ثانية. لم يختر «حزب الله» مثلاً الاستعانة بجماهيره طيلة فترة حصاره السرايا الحكومية لعام ونصف بعد حرب تموز/يوليو وانسحابه من الحكومة، وكذلك عند غزوته المسلحة للمناطق المناوئة له في بيروت في أيار 2008.
أما الحشد الشعبي السنوي في ذكرى 14 آذار /مارس فقد ظل يتراجع إلى ان الغي، واستعيض عنه بالمدعوين إلى قاعة. أهم فوز لـ14 على 8، اي انتخابات حزيران/يونيو 2009، لم يجر الاحتفال به بأي شكل جماهيري كان، وبأقل بكثير مما يفعله أهل تلميذ ناجح بعلامة استلحاق في الشهادة المتوسطة.
ولم يسمح تحلّل الانشطار الآذاري من تلقائه، ولا مشهدية الربيع العربي في نفس الفترة تقريباً، بعودة الحيوية إلى الحركة الشعبية، الا في نماذج فاتها هي الأخرى ان تحلّل الانشطار الآذاري لا يعني تحلّل استعصاءات مشكلة سلاح «حزب الله»، بل ان هذا التحلّل يعكس بشكل أو بآخر استفحال هذه الاستعصاءات.
كذلك الفراغ الرئاسي ـ وفي ظل أزمة صامتة و»فراغية»، لكن عميقة، تعيشها الكنيسة المارونية منذ استقالة البطريرك صفير، لم يؤد لحركة شعبية مسيحية ضاغطة ضد الفراغ. أبداً، المقلق، يفترض ان يكون، مسيحياً، هو الطمأنينة العالية لدى سائر الزعامات بأن الرئاسة المسيحية للدولة في الأمانات، ولا مساس بها في الأفق، وثمة من يمني النفس بأن زمن حفظها «معتقة» في الأمانات كفيل بالاتيان بشخص أكثر مارونية ومسيحية من أسلافه في هذا المنصب!
وحتى اولئك الذين يرون مثل هذا، والذين توعدوا أكثر من مرة بثورة شعبية من أجل حقوق المسيحيين، وميشال عون رئيساً، فقد ظهرت أن شعبيتهم، الأولى، لكن النسبية، في صناديق الاقتراع، لا يمكن ان تترجم إلى عمل جماهيري.
هذا الانقطاع عن العمل الجماهيري، عن الحركة الشعبية، من جهة، أو انقطاع بوادر عمل جماهيري، عن البلورة السياسية التي تتيح، وحدها، تجذيره وتوسيعه والمثابرة فيه، سمح من الهدم للمؤسسات الدستورية. فالمجلس النيابي المتربع رئيسه عليه منذ ربع قرن، لا يحق له التشريع دستوريا، طالما لم ينتخب رئيس، لكنه شرّع قبل عشرة أشهر ببدعة «تشريع الضرورة»، في مقابل وعد للنواب المسيحيين بأن يبت قانون الانتخاب في رزمة أي «تشريع ضرورة» جديد، وهو ما جرى سريعاً الالتفات عليه. والمجلس يقترب من نهاية فترة تمديده التعسفية الثانية، والتمديد مرة ثالثة له يفترض ان تكون الأصعب، وتداعياتها السلبية لا يمكن تقديرها، وفي الوقت نفسه عدم الاتفاق على قانون انتخابي تجري الانتخابات على أساسه، وهي مشكلة مزمنة في الجمهورية الثانية، استفحلت بعد الخلاف حول طرح «كل طائفة تنتخب نوابها» (مسودة قانون «اللقاء الأرثوذكسي»(.
عملياً، بل ونظرياً أيضاً، ليس هناك شيء اسمه «فراغ دستوري». فحتى الفراغ الدستوري يجد احالته، تعريفاً واقتضاء لما ينبغي فعله، في القانون الدستوري وفي النص الدستوري المرعي. في لبنان بعد الطائف رئيس الحكومة هو بمثابة رئيس الدولة بالوكالة في ظل غياب الرئيس، وحتى لو لم يجر المجاهرة بذلك، خصوصا ان اسم تمام سلام محبب بشكل أو بآخر مسيحياً وهو من المسلمين القلائل الذين تضامنوا مع المقاطعة المسيحية لانتخابات 1992 التي أمنت قاعدة الوصاية السورية وشبكات الولاء لها، لكنه حيز قائم في الاعتبار، تصعب المكابرة عليه. سمح هذا الحيز بادارة الوضع الحكومي في اول سنة فراغ، ثم تحول إلى سبب اضافي لشل الحكومة.
لأجل كل هذا، استعادة الحركة الشعبية ضرورة، والمدخل الوحيد اليها هو الضغط على النواب لانتخاب رئيس جديد للبلد. من هنا أهمية ما يحاوله ناشطو مجموعة «لبنان الانسان».
تزيد هذه الأهمية كوننا عشنا في العام الماضي، تجربة انشطار 14 اذار نفسها، بين فريق مسلم يؤيد المرشح سليمان فرنجية، من 8 اذار، وبين فريق مسيحي يؤيد المرشح ميشال عون، من 8 اذار، فيما فرنجية وعون يتباريان في اظهار الولاء لبشار الاسد والسيد نصر الله، وكل هذا دون ان يؤدي اظهار تأييد هذا أو ذاك لايصال اي منهما. بالعكس تماماً، هذا يعطّل امكانية مجيء ذلك، ويعكس. لكن الخيبة الكبرى هي ان كلا من الفريقين «البرو-عون» و»البرو-فرنجية» في 14 اذار، عجزا حتى عن اقناع مرشحيهم عن المشاركة في واحد من الاربعين جلسة انتخاب لم يتأمن نصابها، لانتخاب رئيس، وهنا الطامة الكبرى!
بعد أن عجز داعمو فرنجية وعون في اقناع أيّ منهما بالمشاركة حتى في جلسة الانتخاب، «لبنان الانسان» تطرح، رغم نخبوية دائرتها، ورغم صعوبة تحقيق غايتها، الطرح السياسي الجدي الوحيد الآن: الضغط الشعبي الدستوري لدفع النواب «للتشريف» إلى جلسة الانتخاب بعد سنتين ونصف من «العبط».

٭ كاتب لبناني

الضغط الدستوري الشعبي: الطرح الجدي اللبناني الوحيد الآن

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية