حملت الأسابيع الماضية وتيرة غير معتادة للدبلوماسية الكويتية، جعلتها تستحوذ على حصة من الحضور في الإعلام العربي والعالمي، لم تصل إلى هذا الزخم منذ انتهاء حرب الخليج الثانية، ولا حتى عندما تعرضت الكويت لأعمال إرهابية مشينة في السنوات الماضية، واستعادة الكويت إلى الأضواء السياسية العربية أحد الايجابيات القليلة جدا في أزمة تفيض بالمساوئ والمخاطر.
كانت الكويت الدولة العربية الأكثر حضورا على المستوى الدبلوماسي والإعلامي والثقافي في السبعينيات والثمانينيات، فاستضافت قيادات إعلامية مصرية، وجدت نفسها خارج المعادلة التي طرحها الرئيس السادات، وقامت هذه النخبة بإحداث قفزة نوعية في الصحافة الكويتية، التي وجدت أيضا كوادر ريادية ومبدعة من أبناء الثورة الفلسطينية، كانت الكويت أحد الداعمين الرئيسيين لحراكها. وبالحديث عن أبناء الثورة فإنه يتوجب الانتباه إلى أن ذلك لا يتوقف عند الفلسطينيين وحدهم، فالثورة استقطبت التقدميين ومن يدعون التقدمية من مختلف دول العالم.
والمستغرب أن الكويت التي يمكن تصنيفها في إطار الدول الرجعية، حسب القاموس نفسه الذي أفرز مصطلح التقدمية، كانت تعتبر خارج الطموحات التقدمية، وكان التقدميون يخصون قادة الكويت بالمديح أو بالمعاملة الاستثنائية، ففي حادثة اختطاف وزراء النفط في فيينا، اعتبر المختطفون الراديكاليون وزير النفط الكويتي عبد المطلب الكاظمي من الأصدقاء والثوريين. أمير الكويت نفسه الشيخ صباح الأحمد كان مقربا من الحراك الوطني الفلسطيني، وهذه العلاقة الطيبة، على الرغم من الصدمة الكويتية من موقف منظمة التحرير إبان الغزو العراقي، ظهرت في استقباله للرئيس الراحل ياسر عرفات سنة 2000، وكانت أيضا تجلت مع مصافحة الأمير وهو في منصب وزير الخارجية لعرفات أثناء تشييع جثمان ملك المغرب الحسن الثاني، بينما كان موقف ولي العهد وقتها الشيخ سعد العبد الله هو رفض المصافحة، وذلك يدلل على عمق تواصل أمير الكويت ووزير خارجيتها لسنوات سابقا مع القضية الفلسطينية والثورة التي كانت الكويت نقطة الانطلاق لها.
الكويتيون كانوا يعرفون أن حالة من الغيرة تعتمل ضدهم في أكثر من بلد عربي، وواقع الأمر أن وفاة الرئيس عبد الناصر والأداء المخيب على المستوى القومي للرئيس السادات، خلقا مجموعة من الطموحات الكبيرة لدى زعامات عربية صاعدة، وكانوا دائما ما يرون في الكويت منافسا لا يمتلك الإمكانيات البشرية اللازمة لزعامة المنطقة العربية، ومع أن الكويت نفسها لم تدعي سعيها للزعامة، وهي تقدم الدعم لكثير من الدول العربية، إلا أنها بقيت تحرج الآخرين بمواقفها. على سبيل المثال كانت الكويت تقدم الدعم في مجالات التعليم في اليمن الجنوبي، رغم أن نظام عدن وقتها لم يكن يعتبر الكويت إلا أحد قلاع الرجعية العربية، وكانت المناهج الخليجية الأولى هي ذاتها المناهج الكويتية، وتلقت أكثر من دولة خليجية الكتب المطبوعة في الكويت مجانا، إلى ذلك كان دور المطبوعات الثقافية الكويتية الثرية في مادتها والرخيصة في ثمنها يدعم حركة النشر والترجمة في العالم العربي، بصورة من الصعب تكرارها أصلا، فالدول التي تتحرك في المجال نفسه اليوم تقدم إسهاماتها بطريقة أقرب للتجارية منها للتنموية.
شخصيا كان قوام مكتبتي الأولى، من مطبوعات الكويت التي كانت ضمن إمكانياتي المادية، وكانت تمثل مصدرا معرفيا مهما لم ألمح فيه إطلاقا شبهة الرجعية أو الانتقائية أو التوجيهية. الكويتيون بدأوا الوعي بطبيعة المشاعر العربية تجاههم في مرحلة مبكرة، ولنقل بأن الفن الكويتي استطاع أن يقدم نقدا مبكرا لظاهرة العلاقة الملتبسة والمركبة بين أهالي الخليج العربي وبقية الدول العربية، فقدم الكويتيون مسرحية «باي باي لندن» الشهيرة، بما حملته من قيم استهلاكية وشعاراتية كبيرة حول الرؤية الخليجية، مقابل الرؤى العربية لقضايا الثروة والرفاهية المتحققة بعد الطفرة النفطية، التي أتبعت المقاطعة الشهيرة ضمن منظومة الفعل العربي في حرب أكتوبر 1973.
حديث المراكز الجديدة التي أتبعت القاهرة ودمشق وبغداد، من خلال ما حازته من إمكانيات اقتصادية وأذرع إعلامية، أحد المشكلات الرئيسية التي أخذت تشتت الخليج العربي وتدفعه ليتحول من نموذج للتواصل العربي إلى مصدر قلق في المنطقة العربية والإقليم ككل، وبدلا من تحالف دول الخليج في بوتقة واحدة خاصة لوجود يقين داخلي بمدى المخاطر المحدقة بالخليج وثرواته فإن ما يحدث هو إضعاف للخليج بشكل عام، وليس بوسع أي عربي مخلص إلا أن يتمنى مخرجا لائقا للجميع.
العرب لم يستفيدوا من درس الكويت بالعمق الضروري، ومع أن دول المقاطعة أعلنت بصورة أو بأخرى استبعاد الخيارات العسكرية، وهذه نقطة مهمة يمكن أن تحسب للجميع، وتضع على الأقل خطوطا واضحة لمدى الأزمة المحتمل، فإن الفشل الواضح يظهر في منظومة جامعة الدول العربية التي تقف مشلولة بالكامل، وكأن أمير الكويت يحمل العصا السحرية، ويمكنه أن يحقق التأثير المطلوب وحده، ورغم أن الدوحة امتدحت الدور الكويتي، وفي المقابل أثنت عليه دول المقاطعة، إلا أن الزخم في تذليل العقبات القائمة يحتاج إلى كثير من التدخلات، التي يفضل أن تحمل الصبغة العربية وأن تحصل الدول العربية على دورها المناسب فيها.
بدا واضحا أن المسألة تحتاج إلى مزيد من الوقت، وأن الوقت ضروري في مثل هذه الحالة، ويجب أن يحفل بالمبادرات والخطوات الايجابية، لا أن يصبح انتظارا صامتا تتحين الفرصة فيه شياطين كثيرة تعمل في الخفاء، وأمير الكويت وفريقه بحاجة اليوم إلى مساندة، رغم حصولهم في وقت سابق على تلميحات بالرغبة في المساهمة في الجهود المبذولة للتقريب بين وجهات النظر، وليس واضحا هل كانت الرغبة الكويتية في الإبقاء على الصفة (الخليجية) لمبادرتها يعكس رغبة القيادة الكويتية؟ أم بناء على طلب أي من الأطراف في الأزمة الراهنة.
استعادة الكويت الفاعلة في الأيام الأخيرة نقطة ضوء في نفق معتم، ومنظومة العمل الخليجي يجب أن تتواصل وأن تدخل مرحلة جديدة، نظرا لتغيب أي بنية عربية ملائمة يمكن أن تشكل نواة لعمل عربي مشترك، وبدون وجود مجلس التعاون سيصبح الانكشاف العربي للمخاطر المحدقة فوق طاقة التحمل، وستتحول المنطقة العربية إلى مجرد أرض مفتوحة أمام المطامع الإقليمية والدولية، خاصة أن الســــــياسة الدولية، وكما أثبتت الأزمة السورية، لا يمكن أن تكفل الحد الأدنى من الاستقرار في المدى المتوسط والبعيد، فالجمـــــيع يبحث عن مصالحه الخاصة، وقدر العرب أن تتشابك مصالحهم بهذه الطريقة.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق