الطفل والتخييل الأدبي لدى المغربية زينب فهمي: من الحق في الحياة إلى الحق في الجغرافيا

حجم الخط
0

لعل من بين الأسئلة التي قد تُحرج الأدب في الزمن الراهن، تتمثل في مدى قدرته على تشخيص الواقع الذي بات يتجاوز الخيال، وابتكار خيال يتفوق على الواقع. ما يعرفه واقع العالم العربي على مستوى وضعية الإنسان والطفولة والجغرافية والتاريخ، يُربك معنى الواقع الذي اعتاد الأدب التعامل معه بالتشخيص.
سؤال قد يستفز الممارسة الأدبية، غير أن التفكير فيه، يعتبر خطوة نحو التحرر من مفهوم الواقع المألوف. يحضر الطفل في مشهد تحولات الواقع بقوة رمزية، تطرح السؤال حول واقع المستقبل الإنساني بشكل عام. سؤالان جديران بالتفكير مع ارتفاع صور الواقع العربي الذي يتجاوز الخيال في الأدب. حتى نُدرك الانتقال من مفهوم تخييل الواقع إلى الواقع ـ الخيال، نستحضر بعض النصوص الأدبية التي طرحت – منذ زمن الاستقلال- الطفل موضوعا أساسيا في الأدب، من خلال الانتصار لحقه في حياة اجتماعية كريمة. نلتقي في هذا المجال بالمجموعة القصصية «رجل وامرأة»(1969)، للكاتبة المغربية «رفيقة الطبيعة» أو «زينب فهمي» والتي تعد من رائدات الكتابة الإبداعية المغربية مع بداية الاستقلال. حضر الطفل بقوة في قصص المجموعة التي كانت تُشخص واقع ما بعد الاستعمار. من هنا، كان لحضور الطفل في هذا الوعي الأدبي علاقة بزمن المستقبل.
لقد هيمنت شخصية الطفل/الأطفال إلى جانب شخصيتي الرجل والمرأة على مستوى الحضور في قصص المجموعة. فحكاية كل قصة في المجموعة تأتي في علاقة بالطفل والمرأة والرجل. والمثير في هذا الحضور وطبيعته، أن الشخصيات تحضر نكرة بدون اسم، أو من خلال ضمير (هو، هي)، أو بواسطة علامات وصفية تحمل معها أحكام قيمة (الطفل الأسود، الطفل الأسمر الباكي، الطفل الشريد، اليتيم، قصير القامة..)، أو تحديدات وصفية تلخص الجسد في جزء من خلال تركيز الرؤية الوصفية على أجزاء محددة في الجسد (العينين الباكيتين، الوجه)، أو تحويل الشخصيات إلى مجرد رقم (الطفل الثالث، الطفل الرابع. الأطفال الثلاثة..)، أو من خلال وضعيات اجتماعية ونفسية واقتصادية (العاهة، المرض، الفقر، العوز، الألم، سوء التغذية..). كما تحضر المرأة أما وزوجة ومطلقة وعاشقة/معشوقة، والرجل كذلك، في حين يظل الطفل في مختلف قصص «رجل وامرأة» في وضعية حرجة وملتبسة بين حلمه في ممارسة طفولته الطبيعية، وانتحار حلم البراءة. بهذا الشكل يصبح التفاعل مع شخصيات قصص «رفيقة الطبيعة» تفاعلا مع الوضعيات التي تصبح عليها الشخصية حين يذبل الحلم، ويفتر العشق، وينتحر الأمل، ويتوجع الألم، وتقتل الهجرة ما تبقى من رغبة في العيش.
تتخلل فضاءات العتبة قصص المجموعة، من أبواب ونوافذ وسطح ومناطق ملتبسة، أدت بالشخصيات القصصية إلى أن تعيش زمنا ملتبسا في وجودها، ووضعا مرتبكا في حياتها، وموقفا مترددا في خياراتها. تجلى ذلك في معجم القصص ووضعيات شخصياتها مثل: الغربة/الاغتراب في علاقة الرجل والمرأة «فليس هنا في الغرفة الفاخرة غير امرأة غريبة عني..»(قصة بطل الليلة ص 86)، الضباب/الشتاء في مناخ الأمكنة، والظلام يسود الحياة « فلماذا لا يترك الظلام مكانه لشعاع ولو ضئيل ..»(قصة الحقيقة ص 74)، وقد انعكس هذا الفضاء ـ خاصة – على شخصية الطفل في نصوص «امرأة ورجل». فأغلبية أطفال قصص «رفيقة الطبيعة» يوجدون في منطقة رمادية، تضيع أحلامهم، ويقتلهم الجوع والفقر، وتذبل لغتهم، ويأتون أكبر من طفولتهم، حين يطرحون أفكارا تكبر وعيهم . فالأطفال في قصة «من يرفض الحرية» يجربون الهرب بحثا عن الحرية، لكنهم يُقتلون. والطفل في قصة «عقدة الليل» يحاول تجاوز وضعه الاجتماعي/الاقتصادي بالرغبة في التعليم، غير أن والده يدمر هذه الرغبة، حين بعبث بحلمه قائلا: «ادخل كوخكم .. ودعنا نستريح فأنت لن تصبح غير حمال في الميناء مهما قرأت» (قصة عقدة الليل ص 13 ).
لا يحضر الطفل باعتباره وحدة إنسانية مكتملة النمو. إنما يحضر مجزءا (الأنف، الأنامل، الوجه، العينان..)، أو غير متوازن، بسبب سوء التغذية، وضعف النمو. إنه وحدة بشرية معطلة حتى إشعار آخر عن النمو الطبيعي، نتيجة ظروف اجتماعية صعبة. أنتج هذا الوضع الملتبس الرمادي صيغا متعددة من الهروب، إما من الطفولة بحثا عن كبر، ينشده الأطفال في غير موعده، فيحدث الخلل في السير، وتتعثر الخطوات، أو الهروب إلى أزمنة متعالية عن الوضع الاجتماعي، عبر التأملات والشرود اللغوي. تكثر الأسئلة في زمن فضاءات العتبة، وتطرح بعض الشخصيات أسئلة فلسفية حول معنى وجودها. ففي قصة «الحقيقة» تطرح الشخصية أسئلة «ما معنى أن تكون له عاهة في ظهره تثقل كاهله؟… كيف حدث أن امرأة ولدته وهي زوجة. فأمست زانية بعد ولادته.. ولماذا قتلها رجلها ثم انتحر.»(ص 75). «لماذا إذن هو موجود.»(ص76). اعتمدت الكتابة في القصة عند «رفيقة الطبيعة» على خصائص سردية ولغوية ساهمت في دعم وضعية الطفل/الأطفال في حكايات القصص.
تأخذنا القاصة تدريجيا إلى عوالمها الحكائية، باعتماد عينة اجتماعية هشة هي عينة الأطفال، عبر صور ومشاهد من المجتمع والواقع. ولهذا، تتفاوت الكتابة في أدبيتها، فأحيانا ترقى بالسرد إلى حالة شعرية يتعمق فيها التشخيص بدعم من درجة التخييل، خاصة عندما يتعلق الأمر بزمن عشق وحب بين امرأة ورجل مثلما نجد في قصة «رفض مظلة»، وأحيانا أخرى تخفت الشعرية، ويذبل وهجها حين تصبح علاقة الحكي بالواقع علاقة انعكاس، فيفتر التشخيص، ويعلو التقرير على التبليغ السردي. يحدث ذلك، خاصة عندما تعتمد الكتابة فعل الإيهام بواقعية ما يحكى. إذ، تعتمد لغة السرد في المجموعة القصصية التركيبية الشفهية، تنجح الكاتبة في مواقع عديدة في تدبير الشفهي، وجعله لغة سردية مرنة، تمتلك القدرة على التبليغ بشكل رمزي منفتح على الإيحاء. فقد احتفت معظم افتتاحيات قصص المجموعة بهذا المستوى من التبليغ اللغوي، الذي يجعل القراءة مباشرة أمام كلام المتكلمين، خاصة الأطفال الذين تحرص الكتابة السردية على جعلهم يحضرون بلغتهم ومعجمهم ومستويات تعبيرهم. فلغة السرد عربية فصحى بتركيبة شفهية. ويخلق هذا التداخل مستوى لغويا سرديا يتشرب ـ حكائيا ـ طبيعة الموضوع الاجتماعي. يساهم الحوار في تحقيق هذه التركيبة اللغوية، نظرا لكونه يحضر مكونا سرديا في قصص «رفيقة الطبيعة»، لأنها تسرد به الحدث، ولا توظفه فقط باعتباره إجراء لتبادل الكلام. لهذا، فالحوار ليس بالضرورة إجراء كلاميا بين متكلمين، وإنما إجراء نصي- سردي، يقدم ملفوظات المتكلمين، ورؤاهم، ويسرد الحالة ووضعيتها. يهيمن الوصف أيضا على مستوى تدبير السرد، ويأتي ذاتيا، يلخص حالة الشخصية، ويعبر عن مشاعرها وإحساسها بالأشياء والمواد الموصوفة. عندما ننتهي من قراءة المجموعة القصصية «رجل وامرأة»، يظل الطفل حاضرا بقوة في ذاكرة القراءة، ويظل الأدب ذاكرة لخلل الزمن السياسي، والوضع الاجتماعي، والتخطيط الاقتصادي. ينتصر السرد في «رجل وامرأة» للفئات المهمشة، باعتماد رؤية تُحاسب التخطيط السياسي الذي يجعل الطفل/المستقبل في وضعية العتبة. غير أن الكتابة تواجه العتبة بالحلم (عند الأطفال)، والحب (الرجل/المرأة) سرديا، وتجعلهما إمكانيات تحدد جوهر شخصيات (الطفل/الرجل/المرأة) القصص، لتحاكم بهما أسباب انتحار الحلم، وقتل الحب. ولذا، جاء الخطاب السردي شبيها بحكاية الاجتماعي الفقير. فغابت أسماء الفئة المهمشة، وهيمن موقعها في فضاءات العتبة. يتحول منطق السرد بهذه التركيبة إلى رؤية تحاكم التخطيط الاقتصادي الذي كان وراء الوضع الاجتماعي الهش، وتطرح أسئلة على التدبير السياسي. وعلى الرغم من هيمنة فضاءات العتبة، وزمن التردد والانتظار وعدم الحسم في الخيارات، فإن الكتابة القصصية في مجموعة «رفيقة الطبيعة» تشيد بنبرة الأمل التي تطل مع ابتسامة طفل مقهور، وإصرار امرأة على التشبث بما تبقى من جرعات الحب والعشق، ومع هيمنة معجم الماء (مطر وشتاء) رمز الاغتسال والتطهر من فضاء العتبة.
إن إعادة قراءة وضعية الطفل في التخييل الأدبي من خلال «رجل وامرأة» للكاتبة «رفيقة الطبيعة» بوعي نقدي جديد، وإعادة النظر في راهنية الشرط التاريخي والسياسي للواقع العربي، ومن خلاله وضعية الطفل وباقي مكونات المجتمع العربي، يعد تفكيرا في طبيعة التدبير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي لم يُؤهل الواقع لكي يُحصن كرامة الطفولة/المستقبل.

ناقدة مغربية

زهور كرام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية