برنار لويس شخصية غير عادية. باحث بريطاني أمريكي، وأستاذ كرسي في جامعة برينستاون، مختص في قضايا الشرق الأوسط وتركيا والعالم الإسلامي. أنجز الكثير من الأبحاث والدراسات، التي أثارت جدلا كبيرا لموضوعاتها ولرؤيته الإشكالية أيضا.
منها العرب في التاريخ (1950)، العرق واللون في الإسلام (1982)، اليهود والإسلام (1984)، تركيا الحديثة، الشرق الأوسط والغرب (1993)، العرق والعبودية في الشرق الأوسط (1993 تاريخ الشرق الأوسط (1995). أزمة الإسلام (2003)، وغيرها من الأبحاث المهمة التي شكلت رؤيته بشكل واضح للشرق الحضاري والإسلام. وهو فوق هذا كله، مثقف ملتزم وفاعل في الوسط الثقافي، لا يكتفي بالعمل المخبري.
سخر أبحاثه لما يخدم قضاياه التي يؤمن بها ودافع عنها باستماتة، منها الصهيونية، والمناصرة غير المشروطة لإسرائيل فهو يحمل جنسيتها أيضا، فقد عمل مستشارا مقربا لنتنياهو عندما كان هذا الأخير سفيرا لإسرائيل في الأمم المحتدة. الذي لا يعرفه الكثير من المتابعين للشأن الفكري والحضاري، أنه هو صاحب مصطلح صدام الحضارات، الذي استعاره منه لاحقا، مساعده الأمين في مجلس أمن الدولة الأمريكية، صامويل هنتنغتون الذي طور المصطلح في 1993.
أستعمله برنار لويس أول مرة في ملتقى حول الصراعات في الشرق الأوسط، الذي نظمته جامعة جونز هوبكنز بواشنطن في سنة 1957، مباشرة بعد العدوان الثلاثي او ما سمّي في الغرب بأزمة قناة السويس.
بحكم حنكته الفكرية وتعلمه اللغة العربية وغيرها من اللغات الشرقية الأخرى، فقد عرف المجتمعات العربية والإسلامية عميقا، ودرس أنظمتها التاريخية وبناها الفكرية والثقافية على مرٌ العصور، ودرس تكون المجتمع العربي قبل الإسلام وبعده. وصعود الحضارة الإسلامية وانهيارها. قبل أن يصل في النهاية إلى استنتاجات شديدة الخطورة. من هذه الناحية يستحق أن تفرد له ندوة عربية وعالمية كبيرة لفهم أطروحاته لأنها تهمنا اليوم كعرب. ويفترض، في هذا السياق، أن يكون المثقفون العرب ومختبراتهم وفرقهم البحثية، قد اطلعوا على هذه الأطروحات الواضحة في أبحاثه ومؤلفاته، وقرأوها جيدا، وفهموا مغزاها واستوعبوها لأنها تستحق ذلك، لتحديد وسائل الدفاع الافتراضية لمجابهة مثل هذه الأفكار ثقافيا التي تحدد بل وتحكم اليوم في مسارات المجتمع العربي. كما يحدث في كل البلدان، وفي المؤسسات الثقافية التي تحترم نفسها وتدافع عن وجودها وكيانها.
الصورة المصنوعة للعربي اليوم والمتداولة في السوق لا تخرج عن أطروحات المخابر الدولية والأمريكية وربما الصهيونية التي اشتغل فيها برنار لويس. هذه الجهود ليست بعيدة في النهاية عما فعلته سينما هوليوود التي نمطت العربي ونمذجته في سلسلة من الكليشيهات الجاهزة. لا غرابة عندما نعرف منابع هوليوود ومن أنشأها وأهدافها القريبة والبعيدة سيتيمائيا. يضاف إلى ذلك مسؤولية العربي الحاكم أو في التنظيمات المتطرفة التي ساعدت على ترسيخ هذه الصورة بحيث أصبح كبار القتلة، في ظل التطرفات الدينية العربية، كبار المدافعين عن الحريات العامة ومنع تكون بؤر ودويلات إسلاموية متطرفة مثل نتنياهو من أعلى منصة أممية الذي جعل من حربه ضد غزة حربا دفاعية عن الإنسان في وجه الإسلام السياسي والعسكري، وميلازوفيتش المجرم الذي كان وراء إبادة أكثر من 10 آلاف مسلم في بريسنيتشا يقول انه كان يحاول منع تكون دولة إسلاموية في عمق أوروبا. الوضعية العامة مناسبة ترفع قتلة إلى سدة الإنسانية وكأن العالم يسير بالمقلوب.
الصورة التي يقدمها برنار لويس عن العرب واستحالة تقدمهم تتحرك وفق نفس المنطق وربما أخطر لأنها متأتية من شخص فكر يبني الأشياء. وهي نظرة سادت في القرن التاسع عشر وما تزال مستمرة إلى اليوم، بحيث لا ترى في العرب إلا كومة من القبائل المتنافرة تتلاقى وتتنافر ولا يجمعها أي رابط عميق في ما بينها. قد يبدو ذلك في الظاهر ليس مخطئا كليا، لأن مثل الظاهر موجودة لكن الذي لا يقوله هو أنها ظواهر صاحبت كل المجتمعات الإنسانية معتمدة على الديني أو العرقي أو الطائفي، أو مجتمعات ما قبل الدولة، والمعضلة هنا، ولنا أن نسأله ببساطة مم تتكون بريطانيا وفرنسا وروسيا وبلدان أوروبا الشمالية؟ لنجد الإجابات. المشكلة الكبرى هي أن العرب حرموا من تكوين الدولة الناظمة المختلفة عن الحكم. تصور مثل هذا، يشكل مرتكزا ميدانيا ونظريا، لبرنار لويس. طبعا هو واع كليا لكل ما يريده بالخصوص عدما نعرف أنه عمل في أجهزة حساسة بريطانية، أمريكية وإسرائيلية. جهده العلمي والإيديولوجي ينتــــمي إلى جـــهاز تفكــيري كبير يتجاوزه حتى هو، يهدف في النهاية إلى التسليم بأن المجتمع العربي، لا قابلية له على التطور إلا في نظامه القبلي أو العرقي أو الطائفي، الضيق والداخلي الذي تكون في حاضنته. مما يفهم أن على العرب أن لا يكونوا دولة أو حتى دولا. المسألة لا تحتاج إلى نقاش كبير، هذا المنع من تكوين قوة ناظمة يعني وضع إسرائيل في خطر.
هو نفسه منع العـــرب من امتـــلاك أسلحة متقدمة بل واغتيال كل علمائه ومفكـــريه لتظل إسرائيل على ما هـــي عليه اليوم. ولكن هل يمكننا أن نقتل التاريخ البشري؟ يمـــكن أن نؤخر حركة الساعة لكننا لن نوقفها ولنا أمامـــنا النازية، القريبة منا، بكل غطـــرستها، ماذا بقي منها اليوم؟ لو لم يربط العرب بالقضية الفلسطينية ووجود إسرائيل لتغـــيرت العلاقات كليا على الأرض، بما فيــها العلاقـــات الدولية والنظـــرة للعرب ووظيفة هذه المخابر الموجهة لدراسة العربي، هذا الكائن الأسطوري في كل تفاصيله. العالم يسير بالمقلوب. ما حدث بالأمس في سايكس ـ بيكو، عندما تم تمزيق الأرض العربية، بأيد استعمارية وعربية ايضا، التي كان يمكن أن تؤسس عليها دولة واسعة، وهو ما يحدث اليوم بتفكيك كلي للدولة بحيث لا يبقى أمام العربي إلا الانتساب للقبيلة أو الإثنية أو الطائفة.
ولا يعترف بالدولة الناظمة وسيعود للنظم التقليدية في نهاية المطاف. وهي أطروحة تهدف في النهاية إلى كسر كل يوتوبيا حية في الوجدان العربي. ناهيك عن كون هذه الأطروحة عنصرية في أساسها لأنها ترهن قابلية التطور والحق في الدفاع عن النفس، في شعوب بعينها مثل إسرائيل، وتلغيها على الآخرين. وتفترض في مسبقاتها غير الصحيحة، وجود مجتمعات ليست لها هذه القابلية إلا إذا عادت إلى أصولها الأولى.
واسيني الأعرج