العالم يتحرك أما نحن «فلا تهتز لنا قصبة»

حجم الخط
2

يتصنع «البعض من دعاة الثقافة والخوف على العروبة» الغضب، لأنه يعرف في قرارة نفسه صدق ما تقول، في كل مرة تحاول إلقاء اللوم على النظام العربي الرسمي أولا وقبل كل شيء في حالة الانحطاط والوهن التي وصلنا إليها.
ويقذف في وجهك حمم الاتهامات بالتواطؤ مع أعداء الأمة وبالعمالة لإيران (الدولة الوحيدة ذات الاطماع الاستعمارية المسؤولة عن حالة الفوضى والدمار والخراب والقتل التي يصفونها بالأسوأ من إسرائيل) وليس مثلا تركيا «وهي أيضا ذات أطماع وتدعي مساعدة الشعب السوري وتخليصه من النظام القاتل»، مع أنها تلعب الدور نفسه الذي تلعبه إيران في الحالة السورية، وتخلت عنه خدمة لمصالحها فقط.
تضاف الى الاتهامات، وإن على نحو أقل، العمالة لروسيا وليس أمريكا، مع أنه لا فرق بين دوريهما أيضا في الحالة السورية، فكل منهما تسعى وراء مصالحها، وتجرب طائراتها وصواريخها وبقية أسلحتها، والضحية نفسها لا تتغير، الشعب السوري وحضارته وتاريخه.
وكعادة هؤلاء «البعض» فإنهم يتصيدون الهدف الأسهل ليوجهوا إليه لوم عجزهم، بعد أن أصبحت أمريكا بالنسبة له «ناصرة الشعوب ومحررتها»، ويناشدونها التدخل لحماية شعب العراق، ومن بعده الليبي فالسوري ومن ثم اليمني. إننا بالفعل «لا تهتز لنا قصبة» إننا أمة «أكرمها الله بنعمة النسيان» أو بالأحرى أنعم عليها «بمرض الزهايمر».
ويتكرر مثال انحطاط الوضع العربي الرسمي بردود أفعال هذا النظام، وأيضا النظام الرسمي الإسلامي على الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس ترامب، الذي يحظر فيه على مواطني7 دول دخول الاراضي الامريكية، وهي العراق وسوريا وليبيا والسودان والصومال واليمن وايران. جميع هذه الدول باستثناء ايران التزم الصمت أو التعبير عن الأسف في حال السودان. كان يتمنى الانسان لو وقفت الانظمة العربية ولم مرة في حياتها وقفة عزة ونخوة وكرامة كغالبية دول العالم، في وجه الرئيس ترامب وقراره العنصري النازي، ولكن هيهات والوضع العربي في هذه الحال.
جاءت هذه الأمنيات في لحظة سرحان ولم تكن أكثر من أحلام يقظة، ما أن يفيق الإنسان من هذه الاحلام، حتى يدخل في غياهب التمني، تمني الانتماء إلى أي عرق بشري آخر.. وفي هذه الحالة بالذات المكسيكي.
تمنيت حقا الانتماء الى هذا الشعب الفقير ذي الكرامة والعزة.. تمنيت لو كان لدينا رئيس او زعيم مثل الرئيس المكسيكي إنريكه بينيا نييتو.. رئيس يحترم نفسه باحترام شعبه وغيرته عليه وعلى مصالحه.. رئيس لم يتردد في استخدام ما لديه من أسلحة بسيطة للرد على زعيم آعتى قوة في العالم.. رئيس بلد لا يفصله عن حدود أمريكا سوى جدار يخطط لبنائه رئيس أمريكي شعبوي مهووس، على حساب شعب المكسيك الذي قال كلمة الفصل، على لسان رئيسه الذي لم تهزه ولم تخفه تهديدات ترامب، الذي تطاول على المكسيكيين ووصفهم باللصوص ومغتصبي النساء ومروجي المخدرات والقتلة. ورد نييتو بإلغاء زيارة مقررة الى واشنطن للقاء ترامب، خطوة ما كان ليتجرأ على مجرد التفكير بها زعيم عربي في هذا الزمن الأغبر.. ولا خيار أمامك إلا ان تحترم هذا الرئيس، وترفع القبعة إجلالا له ولشعبه الذي بادر هو أيضا وبشكل تلقائي ومن دون ضوضاء ولا تهديدات ولا حرق أعلام، الى الرد على تهديدات ترامب بفرض ضريبة جمركية تصل إلى 20% على الواردات من المكسيك، بإعلان مقاطعة الشركات الامريكية، وفي مقدمتها مقاهي ستارباكس وجعلها تسارع إلى اعلان رفضها لسياسة ترامب. ستارباكس الداعمة لاسرائيل، وتعح بها شوارع العواصم العربية، ودعت حركة المقاطعة لإسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات «BDS»، مرارا الى مقاطعتها.
نتحدث عن بلد وشعب فقير نسبيا، يزيد عدده بقليل عن ثلث عدد الامريكيين.. 120 مليون نسمة مقابل 320 مليون نسمة تقريبا سكان أمريكا، وثرواته لا تقارن بثروات القوة الاقتصادية الاولى في العالم. شعب تربطه بالولايات المتحدة، حدود هي الأطول في العالم بين دولتين، طولها 3145 كيلومترا أي بحدود ألفي ميل.
أما نحن فـ«حالنا يصعب على الكافر» كما يقول المثل. فرغم اننا مجتمعين، نضاهي الأمريكيين بالعدد ونملك ثروة هائلة، ولدينا من ادوات الضغط الشيء الكثير، ولا تجمعنا حدود مع امريكا، الا أننا آثرنا الصمت، وكأن قرار الحظر المفروض على مواطني ست دول عربية، ولن نتحدث عن ايران، لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد، فلا تظاهرة واحدة ولا مسيرة ولا وقفة احتجاجية، في أي من هذه الدول العربية التي طالها الحظر، والأخرى التي لم يطلها.. ولم تحرك شعوبها ساكنا، لا من باب الغيرة على الإسلام، ويفترض ان نكون حماة الاسلام والمدافعين عنه، أم ترانا لا نشعر بإسلاميتنا أو بالاحرى سنيتنا الا عندما يتعلق الأمر بايران؟ ولا حراك حتى من باب الاستحياء من ملايين البشر الذين خرجوا في عواصم ومدن العالم حتى الأمريكية على نحو غير مسبوق، دفاعا عنا ورفضا لعنصرية الإدارة الامريكية.
يبدو انه بعد ست سنوات على «الربيع العربي» تعودنا على الاعتماد على الآخرين لتحريرنا حتى من انفسنا ومساعدتنا في التخلص من طواغيت من صنع أيدينا.. والنتيجة أننا لم نتحرر ولم نتخلص من طواغيتنا، وإذا كان ما تقدم ليس كافيا لتحريكنا «بلاش» خلينا يا سيدي نتشبه بهم ونقلدهم.. ألا نقلد «الأرب آيدول» او «العرب عندهم مواهب» (Arab got talents) ومن سيربح المليون الى آخره من البرامج الغربية، وصدق مظفر النواب بقوله نحن أمة لا «تهتز لنا قصبة».
وكأن الصمت لا يكفي، فاختارت المملكة العربية السعودية، أن تخرج عن صمتها.. لم يأت الرد على لسان الحكومة أو وزارة الخارجية، بل على لسان وزير الطاقة خالد المفلح، الذي قال «إن لكل دولة الحق في القضاء على المخاطر التي يتعرض لها شعبها». أما عبد الله بن زايد وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة فاعتبر قرار ترامب «سياديا»، مستطردا أنه لا يشمل معظم المسلمين والدول الاسلامية، واستشهد بن زايد بتصريحات صادرة عن ادارة ترامب تقول إن القرار ليس موجها ضد دين بعينه. ولنثبت عدم صحة ما يقول نشير إلى استثناء اليهود الاسرائيليين المولودين في اي من الدول السبع من قرار الحظر وكذلك المسيحيين.
وإذا كان الصمت لا يكفي، أختتم بما جاء على لسان ضاحي خلفان نائب رئيس شرطة دبي السابق، بطل جريمة اغتيال جهاز الموساد الاسرائيلي مسؤول حماس محمود المبحوح على تراب دبي عام 2010. فقد أعلن خلفان، عن تأييده لقرار الرئيس ترامب. وكتب يقول عبر حسابه على «تويتر»: «نؤيد ترامب تأييدا مطلقا في منع دخول كل من يحتمل أنه سيسبب لأمريكا إخلالا بأمنها». وتابع القول:»أمريكا أتاحت للمسلمين والعرب حرية التنقل والسفر والمعاملة المثلى، إلى أن اعتدت جماعات طلابية على أمنها الداخلي…من حقهم يمنعون من يمنعون».
لكن ما لم يتذكره خلفان هو أن أفراد تلك الجماعات الطلابية (التي وقفت وراء عملية تفجير البرجين الارهابية في نيويورك في 2001، التي يتحدث عنها، لا تنتمي إلى أي من الدول المشمولة بالحظر).
واذكر القارئ بان الخلفان قال في تغريدات سابقة أن لا داعي لقيام دولة فلسطينية والاكتفاء بدولة اسرائيل. وهو من قال: «أيها العرب لن توقفوا إسرائيل عند حدها ولن تعترف بكم إلا إذا أصررتم على أن تكونوا جزءا منها».
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

العالم يتحرك أما نحن «فلا تهتز لنا قصبة»

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية