الرباط – «القدس العربي»: هددت جبهة البوليساريو باعادة الاشتباك المسلح للنزاع الصحراوي في ظل أجواء توتر سياسي تعرفه منطقة المغرب العربي، خاصة بين المغرب والجزائر، وتتحدث تقارير دولية عن حالة من اليأس والاحباط تسود مخيمات تندوف تنذر بتصعيد التوتر واحتمال انتقاله الى مواجهات مسلحة.
وقال محمد سالم ولد السالك، المسؤول عن العلاقات الخارجية بجبهة البوليساريو ان الجبهة «ما زالت متمسكة بالحل السلمي للنزاع، رغم ضغط الصحراويين للعودة إلى الكفاح المسلح».
واضاف «في حال عدم تحرك المجتمع الدولي، وانصياع المغرب للقرارات والشرعية الدولية، فإنه لن يكون أمام الصحراويين إلا خيار العودة إلى الكفاح المسلح».
تصريحات المسؤول الصحراوي جاءت ردا على خطاب للعاهل المغربي الملك محمد السادس القاه الأسبوع الماضي بمناسبة الذكرى الـ 39 للمسيرة الخضراء وأكد فيه مقاربة بلاده للنزاع الصحراوي ورؤيتها وموقفها من تطوراتها في ظل عجز الأمم المتحدة الدفع بعملية السلام التي تشرف عليها منذ 1988.
العاهل المغربي في خطابه الذي كان حادا بلهجته، ومتشددا في موقفه أكد ان الصحراء مغربية وستبقى مغربية، وان على الجزائر تحمل مسؤوليتها كطرف بالنزاع وعلى المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة، اتخاذ موقف أكثر وضوحا.
في خطابه، كما في الخطاب الرسمي المغربي، تجاهل الملك محمد السادس، جبهة البوليساريو، واعتبار أفرادها انفصاليين، وشدد على انه لن يكون هناك موقف وسط بين الخيانة والوطنية، وهو ما يعني وضع الجبهة في تندوف أو الناشطين المؤيدين لها في المدن الصحراوية في خانة الخونة.
وقال الملك محمد السادس أن الخيانة أمر لا يغتفر وأن المغرب لن يكون أبدا مصنعا «لشهداء الخيانة وليست هناك درجات في الوطنية، ولا في الخيانة. فإما أن يكون الشخص وطنيا وإما ان يكون خائنا». وأضاف ان الوطن غفور رحيم، وسيظل كذلك ولكن مرة واحدة، لمن تاب ورجع إلى الصواب. أما من يتمادى في خيانة الوطن، فإن جميع القوانين الوطنية والدولية، تعتبر التآمر مع العدو خيانة عظمى. إننا نعرف أن الإنسان يمكن أن يخطئ، ولكن الخيانة لا تغتفر. والمغرب لن يكون أبدا، مصنعا لشهداء الخيانة».
الناشطون الحقوقيون المؤيدون لجبهة البوليساريو اعتبروا ما جاء في خطاب العاهل المغربي محمد السادس مخيبا لآمال المدافعين الصحراويين عن حق الصحراويين في تقرير المصير، موجها ضربة قوية للمجهود الدولي لحل مشكل عمر طويلا، وأعاد إنتاج خطاب سابق في الذكرى نفسها سنة 2009 حينما تحدث عن الخيانة والوطنية مما يعتبر تهديدا وضوءا أخضر قد يزيد الوضع الحقوقي بالإقليم خطورة وتأزما كما حصل بعد الخطاب نفسه سنة 2009 . كما رفع الخطاب لاءآت خاصة أمام توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان والتقرير عنها.
وأعربت الجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف الدولة المغربية ASVDH في بيان ارسل لـ»القدس العربي» عن «قلقها إزاء تبعات خطاب العاهل المغربي على الوضع الحقوقي بالإقليم المتأزم أصلا» وطالبت «المنتظم الدولي بالتدخل العاجل لتوفير الحماية للصحراويين وتمكينهم من كافة حقوقهم وعلى رأسها حقهم في تقرير المصير».
واذا كان خطاب الملك محمد السادس قد تضمن مواقف حاسمة ومتشددة فإن جبهة البوليساريو رأت في الخطاب أنه «انتحاري يثبت عزلة دولية غير مسبوقة للمغرب، ومواجهة مع الهيئات الدولية والحقوقية العالمية» وحمل ولد السالك مسؤول علاقاتها الخارجية الجانب المغربي «العواقب الوخيمة» التي ستترتب على هذا الخطاب.
ودعا ولد السالك كلا من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ومجلس الأمن الدولي، لتحمل مسؤولياتهم من خلال تمكين الصحراويين من «ممارسة حقهم في تقرير المصير والاستقلال».
العاهل المغربي في خطاب المسيرة قال إن المغرب يرفض كل الممارسات، التي تستهدف المس بأمنه واستقراره، وسيتصدى لها بكل حزم ومسؤولية، في إطار القانون وتحت سلطة القضاء، وأعتبر ما يقوم به نشطاء جبهة البوليساريو تخريبا وقال «متى كان ترهيب المواطنين، وتخريب ممتلكاتهم، التي اكتسبوها بجهدهم وعرق جبينهم، حقا من حقوق الإنسان؟ ومتى كان الإخلال بالأمن العام، وتدمير الممتلكات العمومية، يدخل في إطار ممارسة الحقوق والحريات؟».
محمد عبد العزيز، الأمين العام لجبهة البوليساريو شبه خطاب الملك محمد السادس بخطاب الرئيس الفرنسي شارل ديغول عن الجزائر واعتبره مؤشرا على وجود عزلة يعيشها المغرب، وضغطا شديدا من المجتمع الدولي، مضيفا أن المغرب لا يريد المضي في مخطط التسوية الأممي بلغة التصعيد والتمرد على القرارات الدولية.
هذه التهديدات تأتي في وقت تحدثت فيه تقارير دولية عن حالة تململ تعيشها مخيمات تندوف في الجزائر حتى التجمع الرئيسي لجبهة البوليساريو واللاجئين الصحراويين وكشف الصحافي الإسباني المتخصص في قضايا المغرب، إيغناسيو سمبريرو، أن الدبلوماسي الأمريكي كريستوفر روس، الذي يشغل منصب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بملف الصحراء، عقد اجتماعا مغلقا مع مسؤولين رفيعي المستوى من مجموعة أصدقاء الصحراء، في أواخر شهر اذار/مارس الماضي، أكد لهم فيه أن «جبهة البوليساريو تعيش أحلك ظروفها في ظل ضغط قوي من سكان مخيمات اللاجئين الذين يطالبون بنتائج المفاوضات مع الرباط، كما أن الحياة في المخيمات ساءت بشكل كبير بسبب انخفاض المساعدات الدولية وتبعات الأزمة الاقتصادية في إسبانيا، فضلا عن ارتفاع نداءات العودة لحمل السلاح ضد المغرب». وحسب سمبريرو فان كريستوفر روس لمح أمام السفراء إلى أنه بسبب كل ذلك قد يظهر ميل لدى الصحراويين إلى أن يصبحوا إرهابيين متطرفين.
ونقلت صحيفة «اخبار اليوم» المغربية عن الصحافي الاسباني إنه مباشرة بعد اطلاعه على الوثائق والتسريبات المرتبطة بهذا اللقاء، تأكد من صحة ما ورد فيه من خلال سفيرة دولة من الدول الأعضاء في مجموعة أصدقاء الصحراء، التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا، كما اعتمد على عمل ميداني بين صفوف الطلبة الصحراويين المنتمين إلى البوليساريو الذين يعيشون في إسبانيا، وقدموا شهادات تؤكد تحليل روس.
العاهل المغربي الملك محمد السادس حذر من لعبة المفاهيم والمسؤوليات في التعامل مع الأمم المتحدة، وعبر عن رفض المغالطات والانزلاقات، التي تعرفها هذه القضية وأكد رفض بلاده لـ»أي محاولة لتغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي، وتقديمه على أنه مسألة تصفية الاستعمار لأن المغرب في صحرائه، لم يكن أبدا قوة محتلة، أو سلطة إدارية. بل يمارس صلاحياته السيادية على أرضه».
وأكد أن سيادة المغرب لا يمكن أن تكون رهينة لأفكار إيديولوجية وتوجهات نمطية لبعض الموظفين الدوليين وشدد على أن «أي انزلاقات أو مغالطات، سترهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية».
خطاب العاهل المغربي وردود فعل جبهة البوليساريو ستظهر نتائجها في نيسان/ابريل المقبل حيث موعد المناقشة الدورية لتطورات النزاع الصحراوي والاتجاه الذي سيأخذه مجلس الأمن الدولي أو تحديدا الولايات المتحدة، وان كانتا ستدفعان تجاه الحل أو ستتركه يرابط مكانه.
محمود معروف